سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه في وصيّته: (أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه)(1).
من ميزّات الإسلام
من الميّزات في الإسلام، الإصلاح الزراعي عند رسول الله صلى الله عليه وآله، قولاً وعملاً وسيرة، وعند الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قولاً وعملاً وسيرة. فهذا الإصلاح الزراعي الإسلامي، جعل يد الشخص الذي يزرع الأرض الميتة، أو يحيي الأرض الميتة بأنوع من الإحياء، مفتوحة، ولم يقيّدها بزمان ولا بمكان ولا بشروط أخرى.
لا شروط ولا قيود
إنّ الحديث النبوي الشريف (من أحيى أرضاً ميتة فهي له، قضاء من الله ورسوله)(2) الذي كان من ضمن سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله عملاً، ومن سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه عملاً أيضاً، يؤكّد على أنّ الأرض الميتة هي ملك من الله سبحانه وتعالى لمن يحييها، بأي مقدار ومساحة كانت من تلك الأرض، وفي أي زمان، ولأي شخص، سواء كان متزوّجاً أو غير متزوج، وكذلك لا يشرط أمثال سابقة حياته ونشاطه وغيرها من الشروط. فلا شروط ولا قيود في النصّ الإسلامي، مطلقاً. فكلمة (من) في الحديث النبوي الشريف، هي لمن يعمر الأرض، سواء كان رجلاً أو امرأة، ومتزوجّاً له المال أو ليس له المال، ومريضاً أو صحيح الجسم، وغير ذلك. بل المهم أنّه عندما يحجر الشخص أرضاً ويحدّد أرضاً، كمساحة ألف متر مثلاً أو أقلّ أو أكثر، عليه أن يعمرها، وهذا هو الملاك كلّه.
له فوائد مختلفة
يكون إعمار الأرض بالزراعة والعمارة وبشقّ الأنهار وبإيجاد العيون وبحفر الآبار العميقة وغير العميقة. فلم يؤخذ في كلام رسول الله صلى الله عليه وآله القيود، وعليه كانت سيرته، وكذلك سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فالإطلاق بالنسبة لإعمار الأرض له فوائد عديدة، ومنها أنّه عندما يعمر الناس ما يشاؤون من الأرض، فإنّ المقدار الذي يعمرونه سيكون ملكاً لهم، وهذا (قضاء من الله ورسوله)، وهذا الأمر يشجّع الناس على تعمير الأرض أكثر وأكثر، وسيصرف الإنسان طاقاته أكثر وأكثر لكي يحيي مقداراً أكثر وأكثر من الأرض. فالذي طاقته بمقدار إحياء هكتاراً من الأرض مثلاً، ربما يجهد نفسه ويحيي هكتارين أو ثلاثة. والذي طاقته أن يعمل في اليوم ثمان ساعات أو عشر أو اثني عشرة ساعة، إذا علم بأنّ كل شبر من الأرض يحييه، أو كل متر أو كل هكتار، سيكون ملكاً له ويكون هو المالك للمساحة التي يحييها، سيعمل على إحياء أكثر وإعمار أكثر. والذي يترتب على هذه النتيجة، الزراعة أكثر، والعمارة أكثر، والأنهر أكثر، والقنوات أكثر، والآبار الأكثر والعيون الأكثر، وغيرها من الفوائد المختلفة في الاقتصاد وفي الصحّة وفي إبادة حتى يد واحدة عاطلة في المجتمع.
القانون الخطأ
من الخطأ الكبير في القانون الغربي، الذي يسير عليه اليوم الكثير من البلاد الإسلامية، مع شديد الأسف، هو في مجال الإصلاح الزراعي. فهذا القانون يحدّد مقدار الأرض، ويحدّد مقدار العمل، ويجعل مواصفات، ويحدّد الأفراد الذين يمنح لهم مقادير أرضية للإحياء وللزراعة وللعمارة وغير ذلك من أنواع الإحياء. فمثلاً: يحدّدون أنّه يعطى لكل شخص هكتاراً من الأرض إذا كان غير متزوّج. وهكتاران إذا كان متزوّجاً. وثلاثة هكتارات إذا كان عنده أولاد. فالقوانين الغربية تحدّد على اختلاف المقادير، وهذا من الخطأ في جوانب الاقتصاد وفي الصحّة وفي الأيّادي العاطلة عن العمل. لأنّه ربما يكون الذي يعطى له هكتار من الأرض، لا يعمل على إحياء الهكتار كلّه، لقلّة نشاطه ولظروفه الخاصّة وللأمور المختلفة الأخرى. أو الذي يعطى له هكتار من الأرض، تكون له طاقة بأن يحيي أكثر من هكتار من الأرض، فيعمل بعض الوقت في إحياء ذلك المقدار، وتبقى يده عاطلة بالنسبة إلى النشاط الأكثر الموجود عنده، وبالنسبة إلى الظروف المكتنفة به التي تمكّنه من إحياء أكثر من هكتار. فتبقى أياد عاطلة بالألوف والألوف، وتبقى أراضي عاطلة بألوف الهكتارات. وهذا ما لا نجده في سيرة رسول الله ولا في سيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، التي أعلن الإمام الحسين صلوات الله عليه في ابتداء مسيره نحو كربلاء المقدّسة وابتداء نهضته المباركة، أنّه يريد أن سير بهما.
لا صحراء ولا إيجار
إنّ مثل تلك القوانين والحدود والشروط، لا نجده في التاريخ بالنسبة إلى رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، ولا نجده كلما ننبش التاريخ. فلا نجد في سيرتهما وتاريخمها أراضي بائرة وأراضي ميّتة. ولذا عندما نقرأ بدقّة التاريخ بالنسبة إلى المزارع والعمارات، نرى قلّة وجود الصحراء في أيّام رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. ولا نجد في تاريخمها مسألة إيجار دار أو إيجار مزرعة، إلاّ نادراً وإلاّ للمسافرين عندما يسافرون ويستأجرون في السفر. وأما أن يعيش شخص في مكان وأرض وفي مدينة أو في قرية أو في ريف، ويكون مستأجراً، فهذا لا يوجد في أيّامهما صلوات الله عليهما وآلهما. ولكن ذلك تراه الآن في البلاد الغنيّة، في الشرق والغرب، وحتى في البلاد الإسلامية، وبالمقابل ترى الملايين من الهكتارات يباب وأراضي ميتة. فبلدان عالم اليوم عندهم الإصلاح الزراعي ولكنه خطأ من ناحية الجهات التي تم الإشارة إليها كالشروط والقيود.
العيش الفريد
إنّ سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما فحسب، اللتين أعلن الإمام الحسين صلوات الله عليه أنّه يريد أن يسير بهما، قد ضمنتا للذين يعيشون تحت حكم الإسلام، حتى من غير المسلمين، العيش الفريد من هذه الجهة، أي الإصلاح الزراعي، كسائر الجهات الأخر. ولذا علينا نحن المسلمين أن نذكر للعالم، خصوصاً الغربي، الذي يدّعي الحرية وله بعض الحريّة، بأن يقرأ تاريخ الإصلاح الزراعي في الإسلام الذي هو في سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، حتى يعرف أنّه هو الأفضل، ويتبع سيرتهما صلوات الله عليهما.
تقلّ الأعباء
كما إنّ في ذلك الإطلاق من رسول الله صلى الله عليه وآله، أي (من أحيا) إلقاء الكثير من الأعباء عن الحكومات، كالأعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وإذا عملت الحكومة الإسلامية في مجال الإصلاح الزراعي، بتلك المادّة القانونية العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وهي (من أحيا) سيسقط عبئ كبير عن الحكومة في المجالات المختلفة.
ولا أيادي عاطلة
لذا نحن كمسلمين ندعو العالم، في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، إلى دراسة دقيقة لتلكما السيرتين ولتلك المادّة القانونية، والعمل بهما، حتى تقل أعباء الحكومة من الناحية الاقتصادية والنواحي الأخر أيضاً. ولا تبقى يد عاطلة عن العمل في المجتمع الإسلامي أيضاً. وكذلك ليتعلّم الغربيون من الإسلام، حتى لا تبقى لهم أيادي عاطلة. فعندما نراجع ونقرأ التاريخ اليوم، حتى في البلاد الغربية والغنيّة، نجد الكثير من الأيادي العاطلة التي لو كان ممنوحاً لها ذلك النوع من الإطلاق الذي بيّنه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، في قانون الإصلاح الزراعي، لما بقيت عاطلة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين الجميع في هذا المجال كسائر المجالات. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي: الجزء ٤٤، الصفحة ٣٢٩.
(2) وسائل الشيعة: ج 25 ص413.