سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
جاء في وصيّة الإمام الحسين صلوات الله عليه قبل ذهابه إلى العراق، هذه الجملة: (أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه)(1).
نقاء وإنسانية
عندما نقرأ سيرة رسول الله وسيرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، في شتى المجالات، لا نرى إلاّ النقاء والإنسانية والنظافة، ولا نرى إلاّ الأخلاق والفضيلة. وقد أعلن الإمام الحسين صلوات الله عليه بأنّه يريد من قيامه المقدّس أن يسير بتلك السيرتين، ولكن قتلوه، وغيّروا سيرة النبي الكريم والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، إلى أمور يندى لها جبين الإنسانية، وإلى أمور سوّدت صفحات التاريخ، لا بظلم واحد، ولا بعشرة ولا بمئة ولا بألف ولا بعشرة آلاف، بل بمظالم كثيرة، وفي كل مجال.
حكم بنو أميّة باسم الإسلام، ولكن لن يعملوا بشيء من سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، مع الأمّة الإسلامية ولا مع غير المسلمين. والنماذج في التاريخ، بالألوف والألوف، مما صنعه الذين حكموا باسم الإسلام، أمثال بني أميّة وبني العباس. ومن جملة ذلك، مسألة جمع الضرائب الإسلامية.
وصايا مسالمة راقية
ورد في الأحاديث الشريفة العديدة وفي التواريخ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله، عندما كان يبعث شخصاً لجمع الضرائب، كان يوصيه بوصايا، ومنها أنّه لا تدقّق في أنّ الرجل تعلّقت بذمّته ضريبة أم لا، وإنّما اسأله هو إن كانت عليه زكاة من الضرائب الإسلامية، أو غير الزكاة. فإن قال لك نعم، فخذ منه بمقدار ما يقول هو، وبمقدار ما يعطي، وادع له وتواضع له. وإذا قال لك شخص كذا عندي من الزكاة وأنت تعلم أنّ الذي عنده هو أكثر، فلا تذكر له ذلك. وإن قال لك أحد أنّه ليست عندي زكاة فلا تراجعه، أي لا تسأله مرّة ثانية، هل عندك أم لا. ومثل هذا ونظائره مذكور في تاريخ الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، في الأحاديث الشريفة وفي مختلف التواريخ، وحتى عند من كتب من غير المسلمين، عن رسول الله وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، حيث أوصيا المبعوث من قبلهما لجمع الصدقات والضرائب الإسلامية بأن لا يحقّق، حتى إذا علم بأنّ الشخص عليه ضريبة إسلامية ويقول ليس عندي. وأوصيا بأن لا يراجعه أي لا يؤكّد عليه ولا يذكر له مرّة ثانية. أي جمع الضرائب بهذه النظافة، وبهذه الإنسانية، وبهذه الفضيلة.
بلى، قد يوجد جماعة من الذين ليسوا على درجة جيّدة من الإيمان، وتكون عليهم ضرائب إسلامية ولكن لا يؤدّونها. ولكن هذا النوع من الأسلوب الأخلاقي، وهذا النوع من النقاء في عرض وطلب الضريبة من أصحاب الأموال، يجعل الكثير منهم لا يردّون المتصدّق الذي يريد جمع الصدقات، لتلك الأخلاق والفضيلة. وبالنتيجة هذه هي سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما التي أعلن الإمام الحسين صلوات الله عليه أنّه يريد أن يسير بهما.
أسلوب حكّام الجور
لكن انظروا في تواريخ الذين حكموا باسم الإسلام، البلاد الإسلامية، ورفعوا شعار الإسلام، وكانوا يعلنون الشهادتين، أي الشهادة لله سبحانه وتعالى بالواحدانية، وللرسول صلى الله عليه وآله بالرسالة، في مسألة جمع الصدقات، وماذا كانوا يصنعون، فستجد العشرات والعشرات من أنواع التعذيب، مع شديد الأسف. فكان المبعوثون لجمع الصدقات وجمع الزكوات الذين يرسلهم من يسمّي نفسه بخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله، كانوا يمارسون مع أصحاب الأموال أنواع التعذيب. فما ورد في التاريخ أنّهم كان يعلّقون أصحاب الأموال من أرجلهم حتى يخضعوا. وربما كان الرجل ليست عنده صدقات ولا زكوات، ولكن كان يضطرّ بسبب التعذيب القاسي إلى أن يؤدّي، وهو ليس عليه شيء، أو يؤدّي أكثر مما عليه. وهذا التعذيب كان يحصل بعد أن يسبّونهم ويؤذونهم ويجبرونهم ويكرهونهم على دفع الصدقات. وبالنتيجة إذا علّق الشخص الذي عنده بعض المال من رجله، لا يستطيع حتى لدقائق أن يتحمّل، فيخضع لكل ظلم، ويخضع لكل أمر بالنسبة إلى دفع الضرائب الإسلامية.
مارسوا أنواع التعذيب
كما ذكروا في التاريخ، أنّهم كانوا يحصرون أصحاب الأموال الذين كانوا لايؤدّون الضرائب ويقولون ليس علينا ضرائب، في مكان ويلقون السباع عليهم. فكان أصحاب الأموال وخوفاً على أرواحهم وبعدما يلقى بعضهم الأذى من السباع، يخضعون لإعطاء الضرائب، وربما ليست عليهم ضريبة، وربما يؤخذ منهم أكثر مما عليهم إن كانت عليه ضريبة. وورد في التاريخ أنّ بعض ملوك بني العباس كانوا يقولون لمن يرسلونه لجمع الصدقات والزكوات أن يمارس هذا النوع من التعذيب، وهو أن يحصروا أصحاب الأموال في مكان ويلقون عليهم السنانير. والسنور هو نوع من السباع، إذا ألقي على شخص وكان السنو مدرّباً لهذا النوع من التعذيب، كان يعظّ الشخص وينهشه ويخدشه ويؤذيه، وأحياناً يؤدّي هذا النوع من التعذيب إلى موت الشخص. وهكذا كانوا يجبرون الناس على إعطاء الصدقات والزكوات. وذكر التاريخ، أيضاً، بأنّهم كانوا يمارسون مع بعض أصحاب الأموال بأنّ يحصرونهم في مكان ويلقون عليهم الزنابير حتى تلدغهم ويخضعوا لأداء الزكاة وأمثال ذلك(2). والمذكور في التاريخ هو بالعشرات وبالمئات من أنواع التعذيب لأخذ الضرائب من أصحاب الأموال.
الإسلام هو النظيف النقي
أما الإسلام النظيف النقي الفضيل الذي طبّقه رسول الله صلى الله عليه وآله خلال عشر سنوات، فإنّه كان يأمر المتصدّقين الذين يجمعون الصدقات بالتعامل بفضيلة وأخلاق ونظافة. وهكذا كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه خلال خمس سنوات من حكومته، وهما السيرتان اللتان أعلن الإمام الحسين صلوات الله عليه أنّه يريد أن يسير بهما. وإذا عرض هذا الإسلام على العالم اليوم، ويقيناً ليس مثل هذا الإسلام في العالم، فسيعرف العالم كم أنّ هذا الإسلام هو أنظف وأنقى. فحتى الدول التي تتبجّح اليوم بالحرية وبالقانون، وتتبجّح بالإنسانية، هي ليست بتلك المثابة وبذلك الشكل في جمع الصدقات والزكوات والضرائب.
إنّني أتحدّى أي شخص يذكر بأنّه يوجد في البلاد الغربية التي تتبجّح بالحرية والقانون، الأسلوب نفسه، أي أسلوب الإسلام النظيف، في جمع الضرائب، وهو الأسلوب الذي ذكر مكرّراً ومستفيضاً، بل متواتراً في تاريخ رسول الله وتايخ أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. ولذا ينبغي، بل يلزم علينا أن نعرض هذه النظافة الإسلامية، وهذا النقاء الإسلامي، والفضيلة الإسلامية في جمع الضرائب الإسلامية، على العالم، حتى ولعلّه يستفيد من سيرة نبي الإسلام وسيرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، ويكون مستقبل العالم أحسن مما هو عليه اليوم.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق المسلمين، وخصوصاً الشباب المؤمن الناهض، على عرض ذلك على كل المعمورة وكل البشر. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي: الجزء ٤٤، الصفحة ٣٢٩.
(2)كتاب: الوزراء والكتاب للجهشياري: الصفحة 142.