بسم الله الرحمن الرحيم
تعريب: علاء الكاظمي
نحن على أعتاب شهر رمضان العظيم، وسيحلّ هذا الشهر، كالسنوات السابقة، وينتهي. وكل واحد منّا، وكل رجل وامرأة، من المؤمنين والمؤمنات، في هذه الدنيا، إن صمّم كل واحد منهم ويعزم على أن يستفيد أحسن الاستفادة من هذا الشهر العظيم، فسينال توفيقاً أكثر. وإن يغفل عن هكذا تصميم، ولا يعزم، على الاستفادة من الشهر، فسينتهي هذا الشهر، وهو قليل التوفيق، وهذا أمر يدعو للتأسّف والحسرة.
أسأل الله تبارك وتعالى، بتعجيله للظهور الشريف لمولانا بقيّة الله عجّل الله تعالى فرجه الشريف، أن يزيل ويرفع المشاكل، التي ابتلي بها العالم اليوم، بالأخص في البلدان الإسلامية، وللمؤمنين والمؤمنات، وأسأله تعالى بالظهور الشريف للإمام عجّل الله تعالى فرجه، أن يظهر الإسلام الحقيقي، غير الإسلام الذي نشاهده اليوم، وهو الإسلام الذي وصفه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بأنّه لا يبقى منه إلاّ اسمه، ومن المؤسف له أنّ هذا النوع من الإسلام قد ابتلي به أكثر نقاط العالم.
تهذيب النفس ضرورة ملحّة
يجدر بالمرء أن يستفيد من عمره في طول السنة، لأنّه سيرحل عن هذه الدنيا إلى عالم الآخرة. وحتى لو عاش المرء في الدنيا لمدّة مئة عام، فهذه المدّة هي لا شيء قبال الآخرة. فالآخرة هي ليست مئة ألف سنة، أي تعادل الدنيا بآلاف المرّات، بل إنّ يوم القيامة، وكما ذكره القرآن الكريم، يعادل خمسين ألف سنة من سنين الدنيا. والآخرة هي أكثر من مليون ومن مئة مليون سنة، ووفقاً للقرآن الكريم، إنّ حياة الإنسان في الآخرة خالدة: (هم فيها خالدون).
أمران مهمّان
أشير وأأكد على أمرين، يجدر بالمرء أن يهتمّ بهما في شهر رمضان العظيم.
الأمر الأول: تربية النفس وتهذيبها. فهما كان الإنسان حسناً وجيّداً، يمكنه أن يرتقي في هذا المجال أكثر وأكثر. وكمثال عليه: في مجال التقوى، فهو ممكن ويتحقّق بأن يمر شهراً على المرء ولا يرتكب الحرام. وهكذا هو ممكن ويتحقّق في خلال ستة أشهر وحتى سنة كاملة، بأن لا يلوّث نفسه بالحرام، ولا يترك أي واجب. فمن يلتزم بترك المحرّمات ويعمل بالواجبات، فسيقوم تلقائياً بالعمل بالمستحبّات وترك المكروهات، أيضاً.
بالصدد المذكور، أشير إلى ما قاله المرحوم السيّد أحمد الخاتمي، الذي توفي قبل سنوات، ورحل عن الدنيا. وكان المرحوم معاشراً للمرحوم السيّد الوالد وللمرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي رحمة الله عليهما، وكانت له وكلاء منهما. وقد قال لي: لقد سألوني عن السيّد عبد الهادي الشيرازي وعن السيّد الوالد، كيف وجدتهما؟ فقلت في جوابي لهم: لقد عاشرت المرحوم السيّد الميرزا المهدي الشيرازي خمسة وعشرين سنة، فلم أراه قد عمل حتى بمكروه واحد. وقد سأل السؤال نفسه السيّد الخاتمي من السيّد الوالد عن المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي، فقال المرحوم السيّد الوالد نفس الجواب بالنسبة للأخير. فهل يمكن هذا الأمر؟ ولم لا يمكن؟ّ فهما كانا مثلنا أنا وأنت، والعصمة قد حصرها الله تعالى بالمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم، ولا أحد له قابلية نيل هذا المقام، سواهم صلوات الله عليهم. ولكن في رتبة بعد المعصومين صلوات الله عليهم، فقد جعل الله عزّ وجلّ في وجود كل البشرية، قوّة لتهذيب النفس، وهي قابلة للارتقاء والنمو. وهذا الأمر صعب ومشكل، ولكن يسهل بالتصميم والممارسة.
كيف يمكن للمرء أن يجاهد الشيطان؟ وما يمكنه فعله مع النفس الإمّارة بالسوء؟ فالإنسان مملوءاً من الحبّ والبغض، ويغضب في بعض الموارد، فكيف يمكنه أن ينمّي نفسه؟ وللجواب نقول: يمكنه أن ينمّي نفسه شيئاً فشيئاً، مع وجود النواقص، ويرتقي في هذا المضمار. وشهر رمضان العظيم هو فرصة مناسبة بالنسبة لسائر الأشهر، لتربية النفس، بسبب أجوائه المعنوية، وكثرة الأدعية في هذا الشهر العظيم.
السلامة الجسمية والعقائدية
يوجد دعاء مختصر للإمام الصادق عليه السلام لليلة الأولى من شهر رمضان العظيم. والأدعية الواردة عن المعصومين عليهم السلام، تحظى بقدرة معنوية وبفضيلة راقية، ومنها الدعاء الذي سيأتي ذكره. وقد ورد العديد من الأدعية الخاصة بالليلة الأولى من الشهر العظيم، ويجدر بالمرء أن يلتزم بقراءة هذه الأدعية. يقول الإمام الصادق عليه السلام في الدعاء لليلة الأولى من شهر رمضان: (اللهم أدخله علينا بالسلامة والإسلام واليقين والإيمان، والبرّ والتوفيق لما تُحبّ وترضى). ووفقاً لكلمة (أدخله) فإنّ شهر رمضان يدخل على المرء ويعيشه الإنسان، ولكن كيف؟ فيجب أن نطلب من الله تعالى العون، وأن يتمكّن المرء من الصمود أمام النفس الإمّارة بالسوء، والشيطان، وحبّ الدنيا، وباقي الصعوبات والملذّات، وينجو من مكائد الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء. وأما عبارة (بالسلامة الإسلام) فإنّها تشعر الإنسان بسلامة الجسم والدخول في الإسلام، لأنّ سلامة الجسم تعطي القابلية للإنسان لنيل التوفيق، وكذلك كل من يقرأ هذا الدعاء فهو من المؤمنين بالإسلام. والمخاطب في دعاء الإمام الصادق عليه السلام هم الفرد المسلم، ولذا علينا، ووفقاً للدعاء الذي مرّ ذكره، أن نطلب من الله عزّ وجلّ السلامة الجسمية والعقائدية، والتمسّك بدين الإسلام المبين، ونحن ندخل الشهر المبارك.
الإسلام الحقيقي والاسمي
إنّ الإسلام اليوم يظهر على شكلين، الأول هو الإسلام الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وبلّغه للناس، والثاني هو الذي وصفه صلى الله عليه وآله بأنّه الذي لا يبقى منه إلاّ اسمه: (سيأتي على أمّتي زمان لا يبقى من القرآن إلاّ رسمه، ولا من الإسلام إلاّ اسمه). فهذا الأخير هو إسلام بالاسم فقط ويحمل معه اسم الدين فحسب. وعلينا أن نتأمّل بأنّ معاوية وأمثاله هل كان في زمرة المسلمين، أمّ أنّ اسلوبه يفهمك بأنّه كان من اليهود والنصارى؟ وهل الذي كان قبل حكم معاوية، وهو ابن سلول، من المسلمين؟ وهل أنّ يزيد في زمرة المسلمين أم في زمرة اليهود والنصارى؟ وفي الواقع عن أيّ إسلام تكلّم رسول الله صلى الله عليه وآله، وعلى أي فكر وسلوك وتصرّف أطلق صلى الله عليه وآله في منطقه اسم الإسلام؟ فلا شكّ أنّ مراده صلى الله عليه وآله من الإسلام، هو الإسلام الصحيح السليم من الانحراف، الإسلام الذي تبعه وتمسّك به أمثال سلمان وأبي ذر، والشهداء أصحاب الإمام الحسين صلوات الله عليه، واقتدوا به، وعرضوا وبيّنوا جماليته للعالم كلّه.
يجب علينا أن نطلب من الله تعالى بإخلاص، أن يجعلنا حين دخول شهر رمضان في زمرة المسلمين بحقّ. ونيل هذه الأمنية، هي في إطار القدرة اللامتناهية لله تعالى، ولكن الجانب الآخر المهم منها هو في إطار مساعي وجهد كل واحد منّا، لإنّ الإنسان يتمتع بقدرة الاختيار.
الجبر والاختيار
قال الله تعالى في كتابه الكريم عن بلعم بن باعوراء الذي نال مرتبة رفيعة، ولكن وبسبب هوى نفسه خسر تلك المرتبة: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه). فيجب علينا أن نعرف وندرك جيّداً أن الله جلّ وعلا لا يجبر أحداً على أن يكون جيّداً أو سيّئاً. بل سبحانه يرشد الإنسان ويبيّن له الطريق، ويفيض بتوفيقه الغيبي على عبده. فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، نالوا توفيق معاصرته والعيش بجنب أشرف الأنبياء والمرسلين وأشرف المخلوقات، لكنهم ومع شديد الأسف لم يغتنموا هذه الفرصة ولم يعرفوا قدرها، فصار جماعة منهم من المنافقين. فحقّاً من كانوا؟ وما السبب الذي جعلهم يضلّوا؟ فلذا يجب أن نتفكّر في هذا الأمر وبالسبب الذي جعلهم من المنافقين، بحيث وصفهم الله تعالى بأنّهم الأعداء الحقيقيين وبطليعة الأعداء لنبيّه صلى الله عليه وآله، كما في الآية أربعة بسورة المنافقين، حيث وصفهم تعالى بـ(هم العدوّ)، علماً أنّ الآية الكريمة المذكورة لم تصف عبّاد الأصنام بأعداء النبي صلى الله عليه وآله! والأمر المهم جدّاً في الآية الكريمة، انّها استعملت قاعدة (تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر) حسب تعبير علماء البلاغة في اللغة العربية. ففي هذه الآية الكريمة، (العدو) مبتدأ ويجب أن يقدّم على (هُم)، ولكن ذلك لم يحدث، وذكرت بعد (هم). وهذه التعبير والوصف يفيد الحصر من المتكلّم، أي إنّ الله تعالى بهذا الوصف وهذا النوع من التعبير يريد إفهامنا أنّ المنافقين من أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وآله هم العدو، وليس الكفّار كأبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب، ومثيري الحروب الذين اصطفّوا لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله، وأشهروا سيوفهم وجاؤوا لحربه صلى الله عليه وآله.
إذن، بقراءتنا للدعاء المذكور عن الإمام الصادق صلوات الله عليه، نطلب من الله سبحانه أن يوفّقنا لدرك شهر رمضان العظيم مع اعتقادنا وإيماننا بالإسلام الحقيقي والعمل به.
الشكّ واليقين
في بيان معنى الدعاء المذكور، وبالتحديد عبارة (واليقين والإيمان) أشير إلى هذا المطلب وهو انّ الله تعالى من باب المصلحة، ولأجل أن يختار الإنسان، اختياراً واعياً، طريق السعادة أو طريق الضلالة ـ وهو المذكور في القرآن الكريم: (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة) ـ جعل في باطن الإنسان قوّة التشكيك، التي تنجرّ أحياناً إلى الشكّ والخيال. وللتوضيح، أذكر المثال التالي: هل يمكن للإنسان البسيط أن يدخل وحده إلى مقبرة في نصف الليل وبظلام حالك ويتمشّى فيها؟ فبدون شكّ لا يقدر. فالأموات بالمقبرة لا يقدرون على الإضرار بالإنسان. والكثير منهم في أيّام حياتهم لم يلحقوا الضرر بالآخرين، فكيف بعد موتهم. ولكن قوّة الخيال هي التي تتحرّك في باطن الإنسان، وتخيفه. ولذا لا تجدّ إلاّ القليل ممن يقدر على دخول المقبرة بذلك الوصف والحال. والمقابر الحالية ـ بالأخص داخل المدن وأطرافها ـ عادة تخلو من الحيوانات المفترسة كالذئب والأسد، ولكن قوّة الخيال تبعث على خوف الإنسان من دخول المقبرة، وحتى لو دخلها، فقد يتضّرر بسبب خوفه. ففي هذه الحالة، بالواقع انّ الأموات لم يلحقوا الضرر بهذا الإنسان، بل إنّه تضرّر من قوّة الخيال عنده. ففي هذه الحالة يتصوّر الإنسان أنّ بعضهم ينظر إليه، أو يشعر بسماعه لأصوات، وهذه كلها من قوّة خياله. وهذه القوّة هي نفسها تخلق التشكيك وتوجده في باطن الإنسان. وقد ذكرت الروايات الشريفة أنّه جاء شخص عند أحد المعصومين صلوات الله عليهم وقال: أحياناً يشغل ذهني هذا السؤال وهو انّه من خلق الله تعالى؟ ومن كان؟ وما كان؟ ولماذا هكذا صنع؟ فقال له المعصوم صلوات الله عليه: عليك بذكر (لا إله إلاّ الله) واطرد من ذهنك الأفكار المنحرفة. وبخصوص هذا المورد توجد العديد من الروايات التي تبيّن انّ قوّة الخيال، تستهدف يقين المرء بالله تعالى وبصفاته. وفي المقطع من الدعاء المذكور، نطلب من الله تعالى أن ينقذنا من التشكيك، ويجعلنا ندرك شهر رمضان باليقين الكامل.
كذلك كلمة (والإيمان) تعلّمنا أن نكون من المؤمنين مع إقرارنا بالإسلام وبإسلامنا. وقد جعل الله تعالى الفرق بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم). فالمسلم هي مرتبة، والإيمان مرتبة أعلى. فالمؤمن هو الذي يعتقد ويؤمن بكل أوامر القرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وآله، ومنها اتّباع عترة النبي الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين، أي أن يعتقد المسلم ويؤمن بالأئمة الإثني عشر وبالسيّدة الزهراء صلوات الله عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا هو الإيمان الحقيقي.
في سياق الدعاء المذكور، نطلب من الله تعالى توفيق (البرّ). وتستعمل البر في اللغة العربية بثلاث حالات: (البِرّ) و(البَرّ) و(البُرّ) ولها معاني مختلفة. ففي العربية يقال للحنطة (بُرّ) وللإنسان الحسن (البَرّ)، كما نقول لله جلّ وعلا: (الله بَرٌّ) ونشهد بقولنا: (أشهد أنّك نعم الربّ). وأما كلمة (بِرّ) فتعني الجيد والحسن والمحبّذ. ففي هذا المقطع من الدعاء للإمام الصادق صلوات الله عليه، يطلب المؤمن من الله تعالى أن يوفّقه إلى أن تكون أعماله كلّها حسنة وجيّدة، ويطلب من الله تعالى أن يكون نظره، وكلامه، واستراحته، وأكله، وإطعامه، ووعظه، وكل أعماله وسلوكه، كلّها (بِرّ) وعارية من الرياء والعُجُب والتكبّر.
لزوم الرياضة النفسية
كذلك في سياق الدعاء المذكور، يذكر الإمام الصادق صلوات الله عليه، كلمتان مع بعض، وهما قريبتان إلى بعض من جانب المعنى والمفهوم، ولكن يتفاوتان من الناحية الدقيّة واللغوية.
يقول الإمام صلوات الله عليه: (والتوفيق لما تحبّ وترضى)، أي أن يوفّقنا الله لعمل كل ما يحبّه ويرضاه، ونتوفّق للقيام به. فعلى الإنسان المؤمن، في شهر رمضان، وفي قبله من الشهور، أن يهتمّ إلى السعي بعمل ما يريده الله تعالى منه في شهر رمضان وفي غيره من الشهور. وكل شخص، وبمقدار ما أوتي من الفهم والإدراك، يمكنه أن يعرف ما الذي يريده الله تعالى منه، بالأخص من يتمتّعون بمستوى من المعلومات الإسلامية والدينية والقرآنية والروائية.
تتداول ألسنة الناس مثلاً معروفاً، لو أنّ طفلاً كان في حال الغرق وسط البحر، وفي الوقت نفسه يوجد بجانب البحر شخص يصلّي نافلة الليل، فهل يقبل الله تعالى هذه الصلاة وهذا العمل منه ويرضاه؟ لا شكّ أنّه لا يقبل هذه الصلاة. فأداء هذه الصلاة في هذا الوقت وهذه الحالة، غير لائقة. بلى يكون عمل هذا الشخص هو أداء الصلاة، ولكن ليست الصلاة التي يرتضيها الله تعالى. وبهذا الخصوص يقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض).
يطلق اسم النوافل على الأعمال غير الواجبة، ولكن يجدر عملها. وإذا أضرّت نافلة، بعمل واجب، ولو سهواً، فستخرج من إطار النوافل، ولا يمكنها أن تقرّب صاحبها إلى الله تعالى. وكمثال: إن كان ابن الرجل وزوجته بحاجة إلى هداية، فعليه أولاً ومن باب أولى أن يقوم بهدايتهما، وبالأسلوب الصحيح واللائق، ولا بالجدل والنزاع، بل بالسلوك والقول اللائقين اللذين يلتزم هو بهما، ويسعى وبمقدار طاقته وقدرته على إرشادهما وهدايتهما. وقد تستغرق مدّة إرشادهما وهدايتهما لسنين عديدة، مثلاً لأربعين سنة يقوم بالإرشاد والهداية، ولكن هذا ليس معناه أنّهما سيهتديان بعد تلك المدّة الزمنية ويختارا الطريق الصحيح. فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله قام بهداية الناس في زمانه لسنين طويلة، فهل اهتدى كلّهم؟ ولم يتسبّب عدم هداية المشركين والمنافقين أن يكفّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله عن ممارسة عمله، واهتدى بعضهم وصار كأبي ذر وسلمان. فالمسؤولية هي على الجميع، سواء كان أستاذاً أو طالباً، وحتى الأبناء بالنسبة لوالديهما، والزوجة بالنسبة لزوجها وبالعكس، والآخرين، فكلهم عليهم المسؤولية تجاه بعض. فالنساء مسؤولات بمقدار استطاعتهنّ بالنسبة إلى إصلاح أزواجهنّ، وهكذا على الأزواج أن يكونوا بصدد إصلاح زوجاتهم، وليس عبر الطرق غير الصحيحة والحرام كالضرب أو السبّ والشتم، فهذه ليست من الطرق الصحيحة للأمر بالمعروف.
إذن، علينا أن نطلب من الله سبحانه أن يوفّقنا لما يحبّه وما يرتضيه. ولنيل هذا المقصود علينا أن نصمّم ونسعى.
التصميم الراسخ
في رواية مرسلة عن مولانا الإمام الكاظم صلوات الله عليه، يوصي بـ(العزمة) أي التصميم والإرادة القويّة والراسخة في الأعمال. فـ(التاء) في (عزمة) للتأكيد ومن أنواع التاء القصيرة (ة) في اللغة العربية، ومن استعمالاتها الأخرى هو للدلالة على الوحدة. وفي بحثنا المقصود، هذه (ة) لتبيين العزم المؤكّد والراسخ. وهكذا نيل رضا الله تعالى في هذا الشهر، بحاجة لهكذا تصميم راسخ وثابت، وإن حصل ووقع فسينال المرء الموفقية بنسبة أو أكثر. فحريّ بالمرء أن لا يغفل عن هكذا تصميم في شهر رمضان العظيم، وأن لا يغفل عن الاستفادة من الشهر الذي هو خير فرصة، لنيل رضا الله تعالى، أو يحرم منه.
كل إنسان يعاني من نقص في هذه الدنيا أو يتمتّع بزيادة. فترى أحدهم صاحب ثروة، والآخر يعاني من الفقر، وشخص مصاب بمرض والعياذ بالله، أو بعضهم مبتلى بسوء خلق زوجته أو امرأة مبتلاة بسوء خلق زوجها، أو انّ الوالدين يعانيان من ولد غير صالح، أو بالعكس يعاني الأبناء من والدين غير جيّدين أو غير صالحين. ففي هذه الدنيا، يبتلى أحياناً الجيران مع جيران آخر، أو شريك مع شريكه، أو أستاذ مع تلميذه، أو حكومة مع المحكومين. وكان مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه حاكماً صالحاً، وقد ابتلى بأمّة سيّئة. علماً أنّه في زماننا ابتلي أكثر الناس بحكومات غير صالحة. فما عسى المرء أن يفعل تجاه هذه النواقص والمشاكل؟ فبعض المشاكل يمكن دفعها وإزالتها بالدعاء، وبعضها بالتوسّل إلى الله تعالى بأهل البيت صلوات الله عليهم، وبعضها بالصدقات، وبالتدبير. وبعض المشاكل الدنيوية لا حلّ لها ولا ترفع، فلا بدّ من الصبر قبالها، كالصبر على المصيبة، أو الصبر على الطاعة، وحتى الصبر على المعصية.
في قصّة مشهورة، أنّ النبي موسى الكليم على نبيّنا وآله وعليه السلام، كان ذات يوم ذاهباً إلى طور سيناء لمناجات الله تعالى، فرأى فقيراً، فسأله الأخير: إلى أين تذهب؟ قال موسى عليه السلام: لمناجاة ربّي. فقال الفقير: قل لله بأنّني من عبادك أيضاً، فلم ابتليتني بالفقر؟ ففعل ذلك موسى عليه السلام، فجاءه النداء انّ صلاح هذا الرجل أن يكون فقيراً. ويعني أنّ هذا الرجل بسبب سوء استفادته من الأموال يلحق الضرر بنفسه. فيجب علينا أن نعرف جيّداً أن الله سبحانه لا يجبر أي عبد على أي عمل، بل العبد هو الذي يعيّن لنفسه ويختار أن يكون عبداً لله أو عبد نفسه. فالله تعالى قد جعل في باطن هذا الرجل النفس الأمّارة بالسوء، وكذلك جعلها في باطن أمثال سلمان وأبي ذر، والذي يميّز بعضهم عن بعض هي أعمالهم، فهم باختيارهم ينتخبون الصلاح أو الفساد. فالله تعالى أخبر النبي موسى عليه السلام بواقع ذلك الرجل الفقير، ولكنه تعالى استجاب طلب الفقير ومنّ عليه بالمال. وبعد فترة وفي طريقه إلى مكان ما، رأى النبي موسى عليه السلام جماعة من الناس يضربون رجلاً، ويسحلونه. فسأل عن سبب هذا التصرّف، فعرف انّ هذا الرجل بعد أن صار صاحب ثروة ارتكب جريمة قتل، وهم الآن يأخذونه للقصاص. إذن، ألم يك من الجدير لذلك الرجل أن يبقى فقيراً، حتى هكذا لا يموت؟ فالإنسان الذي لا يرى أي حلّ أو خلاص من المصائب والمشاكل، عليه أن يستعين بقوّة الصبر لديه.
لقد جُعل في هذا الدنيا لكل شيء، ملاكاً ومعياراً، وعلى المرء أن يسعى إليهما. فمثلاً: للحصول على المسائل الشرعية، على المرء أن يراجع أحكام الدين. وللخلاص من الفقر عليه بالسعي الكثير وبالهمّة في العمل. وإن لم تفتح له عقدة من عقد مشاكله فعليه بالدعاء والتصدّق وبالتوسّل بأهل البيت صلوات الله عليهم. وإن لم ترفع ولم تحلّ، فعليه بالصبر. ففي حديث شريف عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله أنّه شبّه المشاكل بالنسبة للإنسان بالكنز، وانّه سيرى ثمراته في عالم الآخرة. وهذا الأمر، وكما يقول العلماء، خارج من دائرة الخطاب للمشافهين، بمعنى انّ هذا المورد يصدق على الجميع. فقد يكون انّ النبي الكريم صلى الله عليه وآله قد قال ذلك لشخص واحد، أو خاطب به مجموعة من الأصحاب، ولكن لا يعني أنّه لا يصدق على الجميع، وإلى يوم القيامة، كقوله صلى الله عليه وآله لأبي ذر رضوان الله عليه: (عُدّ نفسك من أصحاب القبور).
أسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ على الجميع بالعمر الطويل والعافية، بالأخص على البنين والبنات، والشباب والأشبال. وعلينا أن نتأمّل ونرى كم من الشباب جاءه الموت وهم الآن في التراب؟ فاولئك لم يكونوا يعلمون بساعة موتهم، ولكن فجأة عبر اصطدام بسيارة أو سكتة قلبية وغيرها من الأسباب رحلوا عن الدنيا. واليوم كم من كبار السنّ في التراب؟ وشهر رمضان العظيم فرصة استثنائية، ولذا على الإنسان أن يتأمّل دائماً ويعرف بأنّه سيكون في التراب يوماً ما. فالآن علينا أن نفكّر ونعمل على أن تقلّ حسرتنا في ذلك اليوم، وأن تقلّ ابتلاءاتنا. وإذا يحاول المرء أن هكذا يلقّن نفسه، فستتغيّر أحواله. فعندما نذهب لزيارة القبور علينا أن نجعل نصب أعينا هذا القول من النبي الكريم صلى الله عليه وآله: (عُدّ نفسك من أصحاب القبور)، لأنّ الذين في القبور الآن كانوا مثلنا أحياء يوماً ما، ويجب علينا أن نعرف هم الآن في أي عالم وحالة؟ فبعضهم في سرور لأنّهم علموا انّهم سيرحلون ويكونون في التراب، فاجتنبوا كثيراً من الأعمال السيّئة. وبعضهم تغافل عن قول النبي صلى الله عليه وآله فأصيبوا بالندم في عالم القبر، ولكن لا فائدة من هذا الندم. فالمرء إن ندم على أعماله في الدنيا فيمكنه أن يتوب، ولكن ما عساه أن يفعل في الآخرة؟ حيث صحائف الأعمال مغلقة، وكما قال مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنّ الناس بعد الموت: (لا في حسنة يزيدون).
الفرصة الأخيرة
طالما يعيش المرء في الدنيا فيمكنه أن يكسب الحسنات. فكل واحد يمكنه أن يكسب الحسنة بالسلام على الآخرين في البيت أو خارج البيت أو في السوق عندما يشتري شيئاً. فتقول الروايات الشريفة أنّ السلام الواحد له تسعين حسنة، تكون لصالح البادئ بالسلام. فإذا اعتاد المرء على السلام، وسلّم على الآخرين عشر مرّات باليوم أو عشرين أو مئة مرّة، فكم سيكسب من الحسنات ويدّخرها في صحيفة أعماله؟ فـ(سلام عليكم) هما كلمتان ولا تكلّف المرء كثيراً. ولكن عند رحيل المرء عن هذه الدنيا، فلا يمكنه أن يضيف على حسناته، لألف سنة وأكثر وأكثر، إلاّ إذا ترك صدقة جارية، كولد صالح أو عالم من العلماء الذين يوصفون بـ(ورثة العلم). فلا تضاف في صحيفة المرء بعد موته من الحسنات سوى الصدقة الجارية. ولذا فإنّ شهر رمضان العظيم هو ربيع تزكية النفس وتهذيبها، وهكذا في طول السنة، المسؤولية هي تهذيب النفس وتزكيتها، ويجب على المرء أن يؤدّي الواجبات، ويترك المحرّمات، ويجب أن يهتمّ بالواجبات طول السنة، كالواجبات العينية، والواجبات الكفائية إذا لم يوجد من فيه الكفاية، فهذه الواجبات موجودة طول السنة ويجب الاهتمام بها. وهكذا على المرء أن يهتمّ بالمستحبّات والمكروهات. فحقّاً إنّه ليبعث على التعجّب أن لا يرتكب المرء أي مكروه طوال خمسة وعشرين سنة! كما صرّح وقال به زميل عن زميله، وهذا الأمر ممكن ويتحقّق. فالمرء يمكنه أن لا يرتكب الحرام حتى لمدّة خمسين سنة. فهؤلاء كانوا من البشر وذكرت قصصهم، فكم هو جميل أن نكون نحن مثلهم، وسط الأقارب والأساتذة والتلاميذ والأصدقاء، حتى ولو بنسبة. وفي المقابل تجد بعض الأفراد قد بنوا أعمالهم على الكذب، وبعضهم صمّموا على اجتناب الكذب طوال عمرهم. وهكذا بعضهم يكون من أهل الغيبة والآخر مجتنباً لها بتصميمه على تركها، وبعضهم يتّهم غيره، وآخر قد صمّم على اجتناب التهمة. فعلى المرء أن يبدأ بهذا العمل في شهر رمضان العظيم، فهو خير فرصة لبناء النفس. فإذا صمّم المرء على الالتزام بذلك في ثلاثين أو تسعة وعشرين يوماً، ويعمل بما صمّم عليه، فلا شكّ سيسهل عليه شيئاً فشيئاً، ويعتاد على أعمال الخير. فمعنى الحديث الشريف: (الخير عادة والشرّ عادة) هو إن اعتاد المرء على الأعمال الحسنة، فسينال التوفيق.
أسأل الله تعالى أن يوفّقني وإيّاكم والجميع وكل من يسمع كلامي، بالأخص المؤمنين والمؤمنات، في كل مكان بالعالم، عبر قراءتنا للدعاء الذي مرّ ذكره عن الإمام الصادق صلوات الله عليه، في أول ليلة من شهر رمضان العظيم، بأن نصمّم على الإعمال الحسنة والصالحة، ونطلب العون من الله تعالى للتوفيق في هذا الطريق. فلا شكّ أنّ الله الرحيم يمنّ علينا بالتوفيق، فيجب علينا أن لا نقصّر. علماً أنّ فحوى كلامي لا يخصّ السلبيات كترك الكذب، والغيبة، والظلم، والسبّ والضرب، وأمثالها، بل يجب على المرء أن يتقيّد بالإيجابيات ويعمل بها. فعلى سبيل المثال: طالب العلم عليه أن يهتمّ بالدرس والمباحثة بأحسن ما يمكن، ويقيّد نفسه بذلك.
عندما كنت في مدينة كربلاء المقدّسة أيّام شبابي، رأيت بنفسي أشبالاً وشباباً، من الطلبة، أنّهم حتى في شهر رمضان العظيم لم يتركوا الدرس والمباحثة وكسب العلم، مع أنّ شهر رمضان هو من مواسم العطلة للحوزة العلمية. فكل واحد عليه أن يعرف تكليفه، ويعمل به. فعليه أن يعرف ما الذي يريده الله منه طول السنة، فيشرع بالعمل به من شهر رمضان ويؤدّيه. وكل واحد وحسب مكانته الاجتماعية عليه أن يقوم بدوره ويؤدّيه، كالكاسب والتاجر، والزوج والزوجة، والطبيب، فكل واحد منهم عليه مسؤولية خاصّة به. وهكذا يجب على الحكومات والشعوب أن يؤدّوا مسؤولياتهم. وشهر رمضان العظيم هو ربيع بناء النفس، وهذا الشهر يأتي وينتهي، فعلى المرء أن يسعى إلى أداء مسؤوليته فيه، بالنسبة إلى نفسه والآخرين، وهذه أوّل مسؤولية تقع على عاتقنا في الشهر المبارك.
الأمر الثاني
تقع على المرء مسؤولية ثانية في هذا الشهر المبارك، وهي مسؤولية الجميع طول السنة، ولكن بسبب أنّ شهر رمضان هو فرصة مناسبة ومهيّأة، فيمكن نيل التوفيق أكثر. فقد خاطب النبي الأعظم صلى الله عليه وآله المؤمنين بألفاظ مختلفة، ومنها (فليبلّغ) و(ألا فليبلّغ الشاهد الغائب) و(فليبلّغ شاهدكم غائبكم)، وأمر بأداء المسؤوليات، وكما قلنا مسبقاً، هكذا أوامر لا تخصّ المتشافهين، بل هي للجميع، فقول (حلال محمّد حلال أبداً إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة) تعطي المعنى نفسه، أي إيصال هذه الأوامر للآخرين إلى يوم القيامة. ولقد استفاد النبي صلى الله عليه وآله من كلمة (فليبلّغ) كراراً في خطبة الغدير وفي مناسبات أخرى، فاللام فيها هو لام الأمر، وتوحي بالوجوب. فعليه يلزم تبليغ الواجبات والمحرّمات وحتى المستحبّات والمكروهات. والتبليغ يعني إيصال أوامر الله وبيانها في مختلف الجوانب والمواضيع. فتبليغ المستحبّات والمكروهات، وبيانهما، مستحبّ وجدير، ولكن الأوامر الإلهية، وعلى رأسها العقائد وبعدها الأحكام، هي إلزامية، بمعنى العمل بالواجبات وترك المحرّمات، واجب كفائي. وإذا لم يك من فيه الكفاية لتبليغهما، ستكون واجب عيني. ولذا يجب أن نعرف جيّداً، أنّ كل ما قاله النبي الكريم صلى الله عليه وآله، والسيّدة الزهراء صلوات الله عليها، والأئمة الإثني عشر صلوات الله عليهم، في طول حياتهم بالدنيا، وما أمروا به، سواء بالنسبة لفرد أو جماعة، فأقوالهم وأوامرهم هي خطاب للجميع إلى يوم القيامة، فهم صلوات الله عليهم حجج الله على الخلق وعدلاء القرآن، كما قال صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين: (كتاب الله وعترتي).
الواجب اليوم
السؤال الذي أأكّد عليه اليوم، هو انّه في عصرنا الراهن، أيّ من الواجبات والمحرّمات وصل تبليغها إلى حدّ الكفاية ويعرفها الناس؟ فقد يكون حتى جماعات من المؤمنين لا يعرفون بعض المسائل الشرعية والعقائدية وغيرهما، أو ليسوا على اطّلاع كافّ بهما. وفي وسط الملايين من المسلمين، هل كلّهم يعرفون مسؤولياتهم وتكاليفهم؟ بل إنّ الكثير من المسلمين لا يعرفون مسؤولياتهم وتكاليفهم. فعلى من تقع مسؤولية إيصال الواجبات والمحرّمات؟ ففي هذا المجال إن كان الشخص مقصّراً في عدم معرفته لمسؤوليته، فيقع عليه أولاً ذنب عدم معرفته لمسؤوليته الشرعية، وثانياً على مَن كان بإمكانهم إيصال ذلك ولكنهم قصّروا أو أهملوا. وأمّا إن كان الفرد قاصراً في معرفة المسائل، فهو غير مذنب، لكن الفرد المقصّر في هذا المجال هو المذنب والمسؤول.
يخطر في بالي، أنّ العلاّمة المجلسي رحمه الله، وفي توضيح له لمقطع من دعاء الإمام الصادق صلوات الله عليه (لما تحبّ وترضى) أوضح وقال: لعل المراد من كلام الإمام عليه السلام هي العقائد. وبنظري أنّ هذا المقطع من الدعاء يشمل العقائد أيضاً. وعليه فكم نسبة العقائد السليمة والصحيحة عند الناس في عالم اليوم؟ حتى من الأقارب والأرحام والأصدقاء والمعارف، كم هي نسبة عقائدهم الصحيحة؟ وكم هو مستوى صحّة التوحيد والعقيدة وعدم نقصانهما عندهم؟ وكذلك ما هو مستوى اعتقادهم بالعدل الإلهي والنبوّة والإمامة والمعاد؟ فنسبة سلامة هذه المسائل المهمّة عند الناس اليوم هي قليلة جدّاً، فكيف بباقي المسائل. وهذا الأمر يضاعف من مسؤولية وأهمية تبليغ وإيصال المنطق الصحيح للإسلام. فاليوم لا يوجد من فيه الكفاية، وتبدّل هذا الأمر إلى واجب عيني.
من المسؤول؟!
يقول القرآن الكريم حول وقائع السنة الثامنة بعد الهجرة وقبل سنة ونصف السنة من استشهاد النبي الكريم صلى الله عليه وآله: (بسم الله الرحمن الرحيم. إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً). فهذه السورة تحكي لنا دخول الناس في الإسلام مجاميع ومجاميع، ومنهم النصارى واليهود أيضاً. وحسب ما ذكره التاريخ، ومنه في موسوعة بحار الأنوار، أنّ غير المسلمين كانوا يأتون عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مجاميع تتكون من مئة وثلاثمئة وألف وخمسمئة شخص، ويتشرّفون بالإسلام بين يديه. وفي السنة الأخيرة من عمره الشريف صلى الله عليه وآله الذي يسمّى بعام الوفود، كانت قبائل ومجاميع إنسانية مختلفة تعلن عن إسلامها. والوفد يعني يفدون بصورة جماعية ومجموعات، أي إنّهم كانوا يأتون عند النبي صلى الله عليه وآله بشكل مجموعات ممثّلة عن مختلف القبائل ويعلنون إسلامهم. ويطلق على مجموعة من الزائرين اسم الوفد أيضاً، وتذكر الروايات (الحاج والمعتمر وفد الله)، أي إنّهم يفدون على الله تعالى. ولكن اليوم وفي زماننا الحالي، هل يدخل الكفّار وغيرهم إلى الإسلام أفواجاً وأفواجاً؟ ومن المسؤول عن هذا الابتعاد عن الإسلام وعدم الرغبة به، وعن توضيح معالم الدين الإلهي؟ فالإسلام ومنطقه لم يتغيّر، إي الإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، والقرآن هو نفسه، والنبي الكريم وعترته الطاهرة صلوات الله عليهم هم نفسهم، ومعارفهم نفسها، لم تختلف، فلم لا نرى النتيجة المطلوبة، رغم انتشار الإسلام أكثر من الأزمنة السابقة، عبر وسائل مختلفة كالقنوات الفضائية والتلفاز والصحف والمجلّات التي تدار من قبل المؤمنين، إضافة إلى الفعاليات في المجالس الدينية، والحوزات العلمية، والجامعات، التي صارت تنقل المعلومات أسرع وأكثر كمّاً؟ وهل اليهود في الدول الإسلامية أقبلوا على الإسلام؟ وكم من اليهود دخلوا في الإسلام خلال العقد الماضي في دولة إسلامية؟ والسؤال نفسه يطرح بالنسبة للنصارى والبوذيّين والمجوس والمنحرفين عن أهل البيت صلوات الله عليهم. فلم لا يرغبون بالإسلام؟ فيجب أن نعرف من المسؤول بهذا الخصوص، ومن المقصّر؟ فاليوم المسؤولية على عاتق الكل، كل حسب قدرته، بأنّ يؤدّي دوره ويعمل بمسؤوليته.
منشأ الانحراف في الإسلام
بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، قام بعضهم بتعكير العين الصافية للإسلام وحرّفوه عن مسيره الحقيقي. سوى في حكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، الذي هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، بنصّ وصريح القرآن الكريم في آية المباهلة، حيث عمل صلوات الله عليه كرسول الله صلى الله عليه وآله. ولكن في زمن حكومات بني أميّة وبني مروان وبني العباس وبني عثمان وسائر الخلفاء، قلّ نمو الإسلام، وسببه التصرّف والسلوك السيّئين والتعامل غير الصحيح، الذي صدر من بعض المسلمين في تاريخ الإسلام، سواء من رؤوساء الحكومات، وغيرهم. وهناك مضرب للمثل في اللغة العربية يقول: (الخير يعمّ والشرّ يعم). ومَثَله: إن وجدت أحد أفراد العائلة حسناً وصالحاً فسيعمّم الحسن والصلاح على عائلته وأقرابه كلّهم. وعكس القضية يصدق أيضاً، أي إن وجدته سيّئاً وطالحاً فسيعمّم السوء وغير الصالح على عائلته وأقرابه وقومه كلّهم، فتسيئ الظن بهم، وتتعامل وفق ظنّك السيئ بهم معهم، وهذا أمر طبيعي. وهكذا يكون حال مختلف الأشخاص في مختلف نقاط العالم، أي يعملون وفق حسن ظنّهم أو سوء ظنّهم. والبشرية اليوم، وبسبب التصرّفات غير الصالحة التي كانت في طول تاريخ الإسلام، قد أساؤوا الظنّ بالإسلام. واليوم، وبسبب عدم وجود من فيه الكفاية أدّى إلى صيرورته واجب عيني، وهو إنّ من القضايا المهمّة جدّاً وكثيراً، التي يجب الاهتمام بها، هو تعريف الإسلام الحقيقي، وحقيقة الإسلام، كل حسب قدرته واستطاعته، وهو الإسلام الذي أشار إليه مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه في دعائه.
الإسلام المزيّف
نحن اليوم، وفي ماضي التاريخ ـ سوى زمن حكومة النبي الكريم والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما ـ نشهد إسلاماً كاذباً مزيّفاً، وإسلام بالاسم فقط، قد أخفى ماهية وحقيقة الإسلام. وكما أشرت في بداية هذه الكلمة، انّ المسلمين المنافقين هم أسوأ من الكفّار كما وصفهم القرآن الكريم، واعتبرهم (هم العدوّ)، وتؤيّده الروايات أيضاً. فاليوم، واجبنا أن نميّز بين الإسلام الكاذب الذي يتمثّل ببني أميّة وبني مروان وبني العباس وأمثالهم، والإسلام الصحيح النظيف، حتى تتم الحجّة على البشرية.فهل الكفّار والملحدين بالعالم اليوم، وكذلك أنواع الفساد العقائدي الموجود، قابلاً للإصلاح والتغيير؟ ولم لا يكن؟ بلى يستلزم هذا الأمر ميزانية ماليه ومساعي، ومتاعب واستشارات، وغيرها من مئات الحاجات، لكنه ممكن. فتهيئة مقدّمات وجود الواجب مطلق واجب، ويجب الاهتمام به، وهذه الأمور هي من الواجبات المطلقة.
تبليغ الإمامة
ومن الموارد الأخرى التي تتضمّن أمر (فليبلّغ) هو تبليغ الإمامة للأئمة الإثني عشر صلوات الله عليهم، التي ذكرت في يوم اليوم الغدير وغيرها من الأيّام. فاليوم كم هم الذين يؤمنون بالصلاة والصوم والحجّ ويؤدّون ذلك، ورضوا بالخلاقة المباشرة من بعد النبي صلى الله عليه وآله لمولانا الإمام علي صلوات الله عليه؟
إنّه بسبب الإسلام المزيّف الذي وصفه النبي الكريم صلى الله عليه وآله بأنّه لا يبقى منه إلاّ اسمه، قُتل الإمام الحسين صلوات الله عليه، واعتبروا قتله واجب، مع توهّمهم بأنّ الإمام صلوات الله عليه ارتدّ عن الدين والعياذ بالله. وهذه الواقعة وقعت بعد خمسين سنة من استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي زمن وجود المئات من أصحابه. ففي ذلك الوقت أفتوا بأنّ الإمام الحسين صلوات الله عليه قد خرج عن دين جدّه، ويجب قتله! وكما ذكرت الروايات، انّهم قتلوا الإمام الحسين صلوات الله عليه قربة إلى الله تعالى! (كلّ يتقرّب إلى الله عزّ وجلّ بدمه). وأغلب هؤلاء كانوا من المقصّرين فيما اقترفوه ولا عذر لهم.
تلميع الظالمين والفاسدين
طالعوا التاريخ، فقد وجدت أنا شخصياً فيه، أنّ المنصور العباسي نسب للإمام الصادق صلوات الله عليه كلمة، يستحقّ بسببها الملايين من اللعنات، بل وهذا قليل بحقّه. فالمنصور استدعى الإمام الصادق صلوات الله عليه، وخاطبه بـ(ياعدوّ الله)! فراجعوا التاريخ حتى تعرفوا مَنْ قال تلك الكلمة بحقّ أي شخصية. ومما يؤسف له، أنّنا نرى اليوم، بعضهم قد عدّ المنصور ممن ينقل عنه الفتيا!، كما في كتاب البحر الزخّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار حيث جمع فيه فتاوى للمنصور وأضرابه، والكتاب موجود وبمتناول الأيدي. وكان بإمكان الإمام الصادق صلوات الله عليه أن يقضي على المنصور ويجعله كدخان، بدمدمة واحدة، أي كان بإمكان الإمام صلوات الله عليه أن يقوم بعمل للمنصور بحيث لا يبقى منه حتى ذرّة واحدة، ولكن ليس من المقرّر أن هكذا يحدث، لأنّه يجب امتحان الناس ويتحقّق قوله تعالى (يهلك من هلك عن بيّنة).
من تبعات التقصير بالتبليغ
التبليغ في شهر رمضان العظيم، من الواجبات العينية التي يجب أن يهتم بها المرء، حسب قدرته واستطاعته. وبهذا الصدد تعدّ القنوات الفضائية من أدوات وسائل التبليغ وتحقّق أمر (فليبلّغ). فالإبلاغ في التبليغ يعني الإيصال للجميع. فكم عدد القنوات الفضائية لأهل الضلالة والفساد والكفر في عالم اليوم؟ فقبل قرابة عشر سنوات، أخبرني شخص ذات معرفة بالقنوات، أنّ لأهل الضلالة الألوف من القنوات. فكم من هذه القنوات، تنشر وتبلّغ من المضامين التي ذكرها الإمام الصادق صلوات الله عليه في دعائه الذي مرّ ذكره؟ وكم من الفضائيات تبلّغ لأهل البيت صلوات الله عليهم؟ وكم منها حول التوحيد؟ فاليوم يقطعون الرؤوس باسم التوحيد وباسم الإسلام، أي يقطعون رؤوس المسلمين وليس الكفّار. فداعش وأمثالها يقدمون على مثل هذه الجرائم قربة إلى الله. فمن يتحمّل وزر مثل هذه الممارسات؟ فبدءاً المسؤول الأول هو من يقترف الجرائم، وبعده يقع ذنب مثل هذه الجرائم على الذين كان بإمكانهم أن يهيّؤوا المقدّمات الوجودية لهدايتم، أي هداية واحد منهم أو اثنين أو مئة أو ألف أو حتى مليون منهم أو عشرة ملايين، ولكنّهم قصّروا في هذا المجال.
لا جبر ولا إكراه في الدين
لقد حارب مشركوا مكّة رسول الله صلى الله عليه وآله لمدّة عشرين سنة بالسلاح. وكان صلى الله عليه وآله لمدّة ثلاثة عشر سنة في مكّة المكرّمة يرشد الناس، وبعدها ولمدّة ثمان سنوات استمر في إرشاده خارج مكّة وفي المدينة المنوّرة. وقد عذّب الكفّار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانوا يقتلونهم، وحدث ما حدث لعمّار وياسر وسميّة، ولغيرهم ممن أسلم. وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عدّة من الأصحاب بترك مكّة، وبعدها قصد صلى الله عليه وآله المدينة تاركاً مكّة. وبعد سنين من القتال والحروب المسلّحة، انتصر النبي الكريم صلى الله عليه وآله ودخل مكّة فاتحاً. والأمر المهم في فتح مكّة، وما بعد الفتح، أنّه صلى الله عليه وآله لم يجبر حتى شخص واحد على الإسلام، ولم يذكر خلافه في تاريخ رسول الله صلى الله عليه آله. وكذلك الأمر نفسه بالنسبة للإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، في زمن خلافته لم يجبر حتى شخص واحد على بيعته، وهذه التصرّفات من جمالية الإسلام. بل هي من جمالية الإسلام الفريدة التي لم ير التاريخ نظيرها. فحقّاً إنّه لا نظير له أن يقوم الحاكم المنتصر الفاتح لمكّة بعدم إجبار أحد على البيعة.
كما ذكرت الروايات أنّ رجلاً من المسلمين بالظاهر، تجاسر على النبي صلى الله عليه وآله، وجهاً لوجه، وخاطبه بالظالم، ولكن النبي صلى الله عليه وآله تركه وشأنه. وكذلك ذكر في نهج البلاغة أنّ رجلاً خاطب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أيّام حكومته وقال: (قاتله الله). فأراد أصحاب الإمام أن يعاقبوا الرجل. فوفقاً لحكم الله، ماهو عقاب من يتجاسر على الإمام علي صلوات الله عليه؟ مع ذلك، منع الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أصحابه من أن يقوموا بفعل ما تجاه الرجل. فمثل هذا الرجل يستحقّ العقوبة، ولكن النبي الكريم والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، لم يتعرّضا لأمثال ذلك المتجاسر. وقد قال الإمام علي صلوات الله عليه حينها، عبارة هي فريدة في التاريخ. فراجعوا كتب التاريخ واعرفوا جواب الإمام علي صلوات الله عليه لمن سبّه، فستعرفون ما عندنا من كنوز، ولكن ومع الأسف العالم محروماً منها. وسدّ هذا الفراع، بحاجة إلى عمل كثير. فمن الممكن أنّ بعض الأشخاص، يفتقدون العلم والإحاطة بالعلوم لأجل الوصول إلى المراد المذكور، ولكن حتى هؤلاء يمكنهم أن يوفّقوا أكثر، بالسعي وبالارتقاء في كسب المعلومات. فيجب على الجميع أن يسعوا ويجدّوا في هذا المجال، سواء طلبة الحوزات العلمية، والجامعيين، فعليهم أن يجدّوا ويسعوا لجهة كسب تلك المعارف والتعرّف عليها، ولا يتوانوا.
خُلُقه العفو
في واقعة أخرى، تجاسر أحد من المتظاهرين بالإسلام على النبي الكريم صلى الله عليه وآله بتعبير سيئ، ذكره القرآن الكريم. ولو لا ذكر القرآن الكريم والروايات لمثل هذه التعابير والوقائع، لا توجد رغبة في بيانها. ولمزيد من المعرفة، أذكر قضية أدبية من أدب اللغة العربية. يقال في اللغتين العربية والفارسية للشخص الدنيء والحقير بـ(الذليل). ومعنى (أذلّ) في العربية هو الأكثر ذلّة. وإذا قيل (الأذلّ) أي بالألف واللام، وكما يعرف أهل العلوم والنحو واللغة العربية، يعني لا يوجد أحقر ولا أدنى منه. فتجد من المسلمين من يمشي خلف النبي الكريم صلى الله عليه وآله ويخاطبه بلفظ (الأذلّ). وهكذا ذكرها القرآن الكريم بقوله عزّ من قائل: (ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ). وفي تفاصيل الواقعة المشار إليها، ذكروا ان ابن الشخص المنافق المتجاسر، جاء عند النبي صلى الله عليه وآله، وقال له إن كان أبي يستحقّ القتل، فاسمح لي أن اقتله، حتى لا تثار عندي غريزة الانتقام من قاتله. ويوجد في هذه الجملة معنى مستتر، حيث يعلم الجميع أن عاقبة المتجاسر على النبي صلى الله عليه وآله والسابّ له والمهين، لا يكون سوى القتل، ولكن النبي صلى الله عليه وآله، وفي تصرّف فريد، أمر أن لا يتعرّضوا للمنافق المتجاسر ويدعونه وشأنه. فهل يمكن أن تجد نظيراً لهكذا تعامل؟ بلى، لا يمكن، إلاّ في تاريخ وحكومة النبي والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما فقط. فهل تعرف الدنيا مثل هذه الوقائع في تاريخ الإسلام؟ وكم من شباب المسلمين يعرفونها؟ ولم يجهلون مثلها؟ والسبب هو عدم الاهتمام بـ(فليبلّغ).
مقارنات تاريخية
لاتّضاح المطلب وعمق الفاجعة، اجعلوا تعامل وتصرّف النبي الكريم صلى الله عليه وآله جنب تصرّف باقي الحكّام والحكومات. وعلى سبيل المثال: ذكرت كتب التاريخ، وحتى كتب العامّة، أنّه في قرابة أربع سنوات أو أقل أو أكثر، في حكومة الإمام علي صلوات الله عليه، كان خراج مصر يصل إلى الإمام، ولم يغصب الإمام منه حتى مقدار درهم واحد. وبعد الإمام، وقع الحكم بيد معاوية، وحكم الأخير لمدّة عشرين سنة، من سنة أربعين إلى ستين للهجرة. وذكر التاريخ، أنّه في كل سنة، كان يصل معاوية من خراج مصر، سنوياً، ثلاثة ملايين دينار ذهب، وباعتراف كتب التاريخ للعامّة، كان معاوية يصادر ثلثه لنفسه. واعلموا انّ كل ألف دينار من الذهب يعادل أكثر من ثلاثة كيلو غرام من الذهب، وكل مليون دينار ذهب يعادل أكثر من ثلاثة أطنان ذهب. وذلك يعني انّه في كل سنة، ثلاثة مليون دينار ذهب، أي ما يعادل تسعة أطنان ذهب، من خراج مصر فقط، كان يصل معاوية فيأخذ منه ثلثه لنفسه. ومثل هذه المبالغ كانت تصل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أيضاً، ولكن وليّ الله صلوات الله عليه لم يأخذ ولم يصادر حتى درهم واحد منها لنفسه. فاجعلوا هذين التصرّفين جنب بعض، وعمّموهما، لكي يميّز العالم والمسلمين المخدوعين، بين معاوية والإمام علي صلوات الله عليه، وهذا العمل واجب عيني. فمن ذلك الزمان وإلى يومك، يوجد الملايين من المصلّين والصائمين، وفيهم المقصّر والقاصر، وهم يجلّون معاوية.
لقد تعرّض الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في زمن حكومته إلى التجاسر لمرّات عديدة وللسبّ من الآخرين، وبعضهم كفّروه، والعياذ بالله، وشهروا السلاح بوجهه وحاربوه، وبعضهم أمر الإمام بأن يرجع عن أسلوبه ويتوب، ولكنه صلوات الله عليه وبكل اطمئنان، حلم عنهم وتعامل بالرحمة معهم. حتى الذين أثاروا الحروب ضدّه، وقام الإمام بالدفاع أمامهم، فبمجرّد أن وضع الأعداء أسلحتهم وسيوفهم، أوقف الإمام القتال فوراً وتركهم وشأنهم. وكان بعضهم، ممن اقترف الجرائم وشارك في الحروب، كان يسبّ الإمام صلوات الله عليه ويتجاسر عليه.
حكّام جناة
كذلك أذكر نماذج تاريخية أخرى، وأوصي بمراجعة التاريخ، لتروا النماذج بأنفسكم وتطالعوها، وقارنوها مع سيرة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، واجمعوها في كتب. فقد ذكر مؤرّخوا التاريخ أنّ معاوية في واقعة واحدة، قتل أكثر من ثلاثين ألف من المسلمين، من الرجال والنساء والأطفال وكبار السن ممن كانوا ملتزمين بالصلاة والصيام. وبأمر معاوية حرقوا بعض المساكين الفقراء بالنار وهم أحياء، وهدموا بأمره البيوت على أصحابها، وقطعوا رؤوس بعضهم. وقد ذكر التاريخ مثل هذه الإبادة الجماعية للأبرياء، في واقعة واحدة، لشخصين، أحدهما معاوية والآخر المتوكّل. فكان للمأمون من سفّاكي الدماء شخص اسمه بُغاي. وفي حادثة، أخبروا المتوكّل، أنّ بعض أهالي فلان المنطقة ـ وقد ذكرها التاريخ ـ يتكلّمون ضدّك. فبعث المتوكّل بغاي إلى تلك المنطقة، وقتل الأخير أكثر من ثلاثين ألف. فهل في منطق الإسلام، جواب الكلام القتل؟ وهل يمكن سجن الأشخاص للسبب المذكور؟ لكن الملاك هي سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله؟ فكم تجد في التاريخ، وكم، ممن سجنوا بسبب تكلّمهم واعتراضهم، أو تم قتلهم؟ وهل مثل هذه التصرّفات يؤيّدها الإسلام؟ فإن يؤيّد الإسلام هكذا تصرّفات، فأتوا بها إلينا لنراها. فالإسلام لا يؤّيد مثل تلك التصرّفات أبداً. وبسبب تصرّفات أمثال معاوية والمتوكّل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يبقى من الإسلام إلاّ اسمه).
جرائم متتالية
هل ما نشهده اليوم من تصرّفات وسلوكيات في البلدان الإسلامية، توافق الإسلام وتتطابق معه، أمّ أنّها إسلامية بالاسم فقط؟ فالجناة الذين ارتكبوا أكبر جناية في التاريخ، يوم عاشوراء، بحقّ الإمام الحسين صلوات الله عليه وأهل بيته وأصحابه عليهم السلام، قد اغتسلوا في ماء الفرات عصر عاشوراء وتوضّؤوا وصلّوا جماعة، فهل هؤلاء هم ملاك الإسلام؟ فهؤلاء الجناة، كان لهم اسم الإسلام وظاهره فقط، والإسلام بريء من هكذا تصرّفات. فلو أنت كتبت اسم الدواء على ورقة وابتلعها المريض، أو تذكر اسم الدواء بلسانك فقط، فهل يتشافى المريض؟ بلا شكّ، لا يشفى ولا يمكن، فكيف يعتقدون باسم الإسلام دون حقيقته؟!
كذلك ذكر التاريخ، في واقعة أخرى، أنّ بُغاي دخل مدينة قم، وكان أهلها من الشيعة، وكانوا يعلمون بسوابق بغاي، فخافوا وارتجفوا. فكتب أكابر مدينة قم رسالة إلى الإمام الحسن العسكري صلوات الله عليه، وطلبوا من الإمام أن يدعو لهم لينجوا من شرّ بغاي. فدعا الإمام العسكري صلوات الله عليه، ونجى أهالي قم من شر بغاي، وترك الأخير مدينة قم. وفي حادثة أخرى، بعث المتوكّل بغاي إلى مدينة كانوا من المعارضة، وحسب ما كتبه التاريخ كان نسمة تلك المدينة قرابة خمسين ألف شخص، فأمر مبعوث المتوكّل بسكب الزيت على المدينة كلّها، وأغلق أبوابها، وحرقها على من فيها. ومثل هكذا جناة، يُعرفون إلى اليوم بعنوان خلفاء بني العباس وهكذا يعرّفوهم، فهؤلاء خلفاء مَن كانوا؟ ومع شديد الأسف، أن ابي العربي ـ الذي يجلّه بعضهم ـ يصف المتوكّل في مؤلّفاته بصفات النبي الكريم صلى الله عليه وآله وينسبها إلى المتوكّل! ومنها انّه كتب في كتاب له، الخلافة الواقعية والظاهرية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ونسبها نفسها إلى المتوكّل!
للشباب الشيعة
إنّ العمل بأمر (فليبلّغ) هو لأي مورد وزمان؟ فليعلم أصحاب الأموال والثروات، أنّه يجب عليهم، واجباً عينياً، صرف الأموال في سبيل تحقّق الأمر المذكور. وكذلك الشباب الذين لهم القدرات، عليهم عبر مطالعة التاريخ والتعرّف عليه، أن يكسبوا العلم ويدرسوا، لكي يدافعوا عن المكانة المقدّسة للقرآن الكريم والنبي الأعظم وآله الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين. فيجب التمييز بين الطريقتين العمليتين، للإسلام الحقيقي والإسلام الكاذب، وأن يفرّق بينهما. فمع شديد الأسف، إنّ بعض الشباب من الشيعة يجهلون مثل النماذج التي ذكرتها، فلم هكذا يكونون ويجهلون التاريخ؟ في حين انّه عليهم أن يكونوا من المبلّغين والمدافعين؟ فيجب إيصال مثل تلك المعلومات إلى الشباب. فراجعوا التاريخ وابحثوا، لتعرفوا أكثر، ومنه، أنّ المنصور الدوانيقي، أحرق بيت الإمام الصادق صلوات الله عليه. فقد كانت البيوت في ذلك الزمان، تُبنى بتركيب من الخشب والطين، وليس من الحديد، وقد استفادوا من النخيل في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وآله. فقد اختار النبي صلى الله عليه وآله، قطعة من الأرض بتعاون من الأصحاب، وحفروها، ورفعوا أساس المسجد بواسطة الطين، بمقدار ذراع واحد (شبران) وجعلوا بين كل متر أو مترين أو ثلاثة، قطعة من النخل حتى يستحكم البناء، وتمسك الطين وتحافظ عليه. ويستفاد في عصرنا من الحديد عوضاً عن الخشب. فكانت البيوت ذلك الزمان، لا تقاوم النار بسبب بنائها المركّب من الطين والخشب، وكانت تحترق سريعاً. وكان أمثال المنصور يأمر بحرق مدينة كاملة، أو بحرق البيوت.
من جرائم العباسيين
مثل تلك الجرائم ارتكبها المنصور بحقّ الإمام الصادق صلوات الله عليه، وأحرق بيت الإمام. وكان يوجد في أغلب البيوت القديمة، دهليزاً خلف باب البيت، للدخول إلى ساحة البيت، وهكذا كان بيت الإمام الصادق صلوات الله عليه، وكان سقف دهليز بيت الإمام من الخشب. فاضرموا النار في باب البيت وبعدها في سقف الدهليز، وارتفعت النار. وبتقدير الله تعالى، لم يلحق الإمام الصادق صلوات الله عليه أي ضرر، وحسب ما ذكره التاريخ، دخل الإمام في الدهليز المشتعل، وقال: ( أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن ابراهيم خليل الله). والأعراق هي جمع (عِرق) أي الأصل والجذر، كجذور الشجرة في الأرض، وتسمّى في العربية الفصحى بالجذور. والثرى بمعنى الأرض. والمقصود من كلام الإمام الصادق صلوات الله عليه: أنا ابن جذور الأرض، أي لست ابن اليوم. ولما كان الغد دخل على الإمام بعض شيعته يسلّونه، فوجدوه حزيناً باكياً، فقالوا: ممن هذا التأثّر والبكاء؟ أمن جرأة القوم عليكم أهل البيت، وليس منهم بأول مرّة؟! أي ليست هذه المرّة الأولى التي تحرق فيها دوركم. فقال الإمام عليه السلام: اعلموا أنّه لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى مكان، هذا وأنا معهنّ، فتذكّرت روعة عيال جدّي الحسين عليه السلام يوم عاشوراء لما هجم القوم عليهنّ والمنادي ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين.
تبيين حقيقة الظالم
مع كل الجرائم التي ارتكبها المنصور، تراهم يعرّفونه بأنّه أحد الخلفاء! إذن، ألم يحن زمن وساعة تبيين حقيقة المنصور وأمثاله؟ فاليوم الإمكانات والوسائل للأمر المذكور متوفّرة، ويوجد في الدنيا نسب من الحريّة، حتى في بعض البلدان الإسلامية، التي لم تشهد الحرية بالسابق. وأفجع الوقائع في تاريخ البشرية، هي واقعة عاشوراء. وكم تحمّل أهل البيت صلوات الله عليهم من المشاكل والأذى والظلم، لكي يتمكّن الإمام زين العابدين من إيصال وقائع عاشوراء إلى أهل الكوفة. فتبليغ واقعة عاشوراء اليوم ليس فيه الصعوبة. فليصمّم الشباب الغيارى، من بنين وبنات، من مسلمين وشيعة، على العمل للمستقبل والتاريخ، وهذا ممكن ويتحقّق. فعلى الشباب، من ذكور وإناث، في الدول الإسلامية وغير الإسلامية، أن يبيّنوا للعالمين وجه التمايز والفرق بين الإسلام بالاسم والإسلام الحقيقي. فلا يقصّر من له القدرة والإمكانية في هذا المجال، وهذا العمل واجب عيني، ويجب عدم التقصير في هذا السبيل. فيجب على المؤمنين والمؤمنات، بالخصوص الشباب، وبالأخص المثقّفين منهم، في الحوزات والجامعات، أن يبذلوا الهمم في هذا الطريق.
كما مرّ ذكره، في الحديث الشريف: (عدّ نفسك من أصحاب القبور)، فلو أنّ أحد أهل ذلك الزمان، كان مطّلعاً ويعرف، وكانت له القدرة على العمل، لكنّه قصّر، فما هو جوابه أمام الله تعالى والرسول الكريم صلى الله عليه وآله وأهل البيت صلوات الله عليهم؟ فالاهتمام بالتبليغ والسعي بصدده طول السنة، هو واجب عيني على الجميع وعلى عواتقهم، وشهر رمضان العظيم، ربيع للقيام بذلك.
الاقتداء بالنبي والوصي
في الختام، أوصي الجميع بتهذيب النفس، وتعريف الإسلام الحقيقي في هذا الشهر المبارك. فكل شاب بإمكانه أن يصمّم الآن على أن لا يترك أي واجب إلى آخر عمره، ولا يرتكب أي حرام. فيجب معرفة الواجبات والمحرّمات. فيجب على الأزواج أن يعرفوا ماهو الواجب عليهم، وماهو الحرام، وهكذا بالنسبة للسيّدات والنساء والفتيات. ويجب أن يستمر هذا العمل، حتى لا يرتكب أحداً حتى مكروه واحد، ويلتزم بالمستحبّات.
أسأل الله تبارك وتعالى، أن يمنّ علينا جميعاً بالتوفيق، بالخصوص على الشباب والأشبال والبنين والبنات، للاستفادة من الإمكانيات الموجودة اليوم والمتوفرة أكثر من الماضي، رغم وجود الصعوبات والمشاكل، لكي يفرّقون بين الإسلام المزيّف الاسمي، والإسلام الحقيقي، ويعرّفون الدنيا على الإسلام الحقيقي. فيجب البدء بهذا العمل من العائلة، بلا تعدّ أو إلحاق ضرر بأحد. فلا يحقّ لأحد أن يجبر أحداً على الإسلام، وعلى أن يكون من المسلمين. وكذلك لا يحقّ إجبار أحد على أن يكون مؤمناً أو يجبره على الصلاة. فيجب التعامل وفق سيرة وطريقة نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، أي بالأخلاق، كما صرّح القرآن الكريم، وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)، والأسوة تعني الاقتداء. فيجب لأجل تبليغ الدين، الاقتداء برسول الله وكذلك بالإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، فالإمام علي صلوات الله عليه هو نفس رسول الله صلى الله عليه وآله. علماً أنّ كل المعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم هم قدوة وأسوة، ولكن بما انّ النبي والإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما قد حكما، لذا أوصي الجميع بالتعلّم منهما والاقتداء بهما.
فتوحات غير إسلامية
كما على الحكومات الإسلامية أن يكون لها مقداراً من الغيرة، ويتعلّموا من النبي الكريم ووصيّه الإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما. وهنا أقول: إنّ ما يسمّى بالفتوحات الإسلامية، هي مردودة وخطأ في منظار الروايات، لأنّها خالفت السيرة النبوية الشريفة. فنبي الإسلام صلى الله عليه وآله لم يفتح أي مدينة ولا أي بلد بالقوّة وبالحرب، وكانت كل حروبه دفاعية، وأنا شخصياً ذكرت ذلك كراراً في مناسبات مختلفة.
لقد ألّف المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي، كتابين قيّمين، أحدهما بعنوان (الهدى إلى دين المصطفى صلى الله عليه وآله) و(الرحلة المدرسية والمدرسة السيّارة في نهج الهدى)، ذكر فيهما حروب النبي الكريم صلى الله عليه وآله. وبمطالعة الكتابين المذكورين، ستعرفون أنّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله لم يبدأ بقتال أو حرب أبداً، وكل حروبه كانت دفاعية، وهذا الأمر يجب أن تعرفه الدنيا.
يجب أن تعلم الدنيا، من هم بنو أميّة وبنو العباس. فتاريخ بني أميّة وبني العباس، وأمثال معاوية والمأمون والمتوكّل في متناول الدنيا، وهذا التاريخ عن المذكورين من الحكّام قد تسبّب بأن تولّي الدنيا وجهها عن الإسلام، فيجب القيام بالفعاليات في هذا الصدد، ولأجل تبيين حقيقة الإسلام الاسمي، وحقيقة الإسلام الحقيقي.
وصلّى الله عليه سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.