نصّ المطارحة العلمية الثامنة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في ليالي شهر رمضان العظيم 1444 للهجرة، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، بحضور ومشاركة الشخصيات العلمية، ووكلاء مراجع التقليد الأعلام، وناشطين دينيين وثقافيين، وطلبة العلوم الدينية، مساء يوم الخميس 8 شهر رمضان العظيم1444 للهجرة (30/3/2023م):
بسم الله الرحمن الرحيم
1ـ ما حكم صوم الفتيات اللاتي لا طاقة لهنّ في الصوم بالسنة الأولى لتكليفهنّ الشرعي؟ ومن يشخّص ضعفهن عن الصوم؟
ج ـ إذا كان الصوم بالنسبة للبنت التي تصوم لأول مرة ولا طاقة لها بذلك ضررياً وحرجياً فانه يسقط الصوم عنها فان القاعدة تقول: «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام» (مختلف الشيعة، ج3، ص283) وكذلك قوله تعالى «مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج، 78) وكذا قوله تعالى: «يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيسْرَ وَلَا يرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر» (البقرة، 185).
بالنسبة إلى تشخيص ضعفها عن الصوم، فإن عرفت ذلك من نفسها بأنَّ الصوم خارج عن طاقتها أو قال الطبيب الثقة لها ذلك، يكون ذلك حجة لها في ترك الصوم. نعم إذا كانت أصغر من ذلك ولا تقدر على تشخيص مثل هذه الامور وكان تشخيص والدها أو غيره بأنَّ الصوم ضرري أو معسور لها يأمر الأب بنته بعدم الصيام وإن كان لا ولاية له عليها في هذا الامر.
2ـ لو خرج شخص من بلده قبل الزوال وكان ناوياً السفر، متى يجوز له الافطار اذا بلغ حدّ الترخص؟
ج ـ إذا وصل إلى حدّ الترخص قبل الزوال وكان ناوياً للسفر فحينئذٍ يجوز له الافطار، وإن وصل إلى هذا الحدّ بعد الزوال فصومه صحيح ولا يجوز له الافطار.
لا بد من الاشارة إلى أنَّ حدّ الترخص يعني أن يبلغ المسافر موضعاً لا يرى بعينه المجرّدة البيوت المتعارفة المبنية من طابق أو طابقين أو أن لا يسمع بأذنه المتعارفة صوت الاذان المتعارف من غير الاجهزة ومكبّرات الصوت.
نعم عند مثل صاحب العروة وقليل نادر من الفقهاء الذين ذهبوا إلى الفصل في الحكم بين البلاد الكبيرة والصغيرة حيث يرون شروع السفر في البلاد الكبيرة من بيت المكلف ويصدق عليه عندهم مسافراً من حدّ بيته فأمثال هؤلاء لا يرون حدّ الترخص ملاكاً في الافطار وإن كان هذا الرأي غير تام وقد أشرنا إلى ذلك مراراً.
3ـ ما هو الفرق بين ربا الاشخاص وبين ربا البنوك؟
ج ـ العقود تابعة للقصود فلا فرق بين الموردين فكلاهما حرام شرعاً والمرتكز عند المتشرّعة هو كذلك، لقد عدّ القرآن الكريم أخذ الربا محاربة لله ولرسوله، وقال عزّ وجلّ: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (البقرة، 279) وورد في رواية أنه: «لعن رسول الله صلى الله عليه وآله في الربا خمسة: آكله، وموكله، وشاهديه وكاتبه» (وسائل الشيعة، ج18، ص127، ح23300) فالقرض الذي تقرضه البنوك وكذلك الارباح التی تعطیها على الأموال المودعة في الأرصدة يجب أن تدخل ضمن العناوين الشرعية لتكون جائزاً ومثاله ما لو كان العقد بين البنك وصاحب المال مضاربة فيتاجر بالاموال المودعة لدى البنك والربح يكون بحسب الربح في التجارة لا بنسبة الاموال المودعة لدى البنك، وفي غير هذه الصورة فأخذُ الربح أو اعطاؤه للبنك لا يجوز شرعاً.
كذلك لو أودع شخص مالاً لدى البنك لا بنيّة أخذ الربح عليها ولكنه يعلم تعلّق الربح بها لا محالة بحسب نظام البنك فان ايداعه للمال لم يكن جائزاً.
نعم الربح الذي تخصّصه البنوك الدولية للأموال المودعة عندها يكون حكمه حكم المال المجهول المالك ويرجع أمره إلى الفقيه ويحق للفقيه المصالحة عليها، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى حلية الربح بعد تخميسه ويظهر لنا تمامية هذا القول.
كذلك لو كان المكلّف مضطراً عرفياً في أخذ القرض من البنك فنظراً إلى ما استثني منه كما لو كان ضرورة بنص القرآن الكريم وهو قوله تعالى: «إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ» (الأنعام، 119) وكذا ما ورد في الروايات أنه «ليس شيء ممّا حرّم الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه» (وسائل الشيعة، ج5، ص483، ح7119) فان أخذ القرض من البنك جائز له بل لو كان الامر من باب العسر جاز كذلك.
هنالك فرق فارق بين الربا والزنا، ففي ارتكاز المتشرعة لا يحلّ الزنا وإن كان اضطرارياً خلافاً لما هو موجود في الربا والغيبة والكذب وامثال ذلك وإن كان ورد في الآية المباركة: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» (البقرة، 279) وكذا «الغيبة أشد من الزنا» (وسائل الشيعة، ج12، ص284، ح16317) و«جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب» (بحار الأنوار، ج69، ص263، ح46 وح48) فانه بحسب ارتكاز المتشرعة يرتفع حكم الحرمة عنها.
4ـ لو قال المصلّح للأدوات المنزلية للمالك: أنّ تصليح هذه الآلة متوقف على شيء ما من القطعات وذهب المالك واشترى تلك القطعة ثم بعد ذلك قال المصلّح قد اخطأت في التشخيص ولا حاجة الى القطعة المذكورة والبائع لا يقیل المالك فهل المصلِّح ضامن لقيمة القطعة تلك؟
ج ـ كلّا، لا یكون المصلّح ضامنا لقيمة القطعة لانه ليس ذلك من باب التسبيب لأنه حاصل في غير الفاعل المختار والمفروض أنَّ المالك كان مخيراً في امتثال امر المصلّح وعدمه.
كذلك لو استشار المكلّف شخصاً في خصوص ثالث بانه امين أو لا؟ فقال: إنّه امين فاعطى المكلف امواله لذلك الثالث اعتماداً على قول المستشار ثم خان الأمين بالامانة فإن المستشار لم يكن ضامناً للمال إلا إذا قال من البداية: إنّه يضمن له ففي هذه الصورة يكون ضامناً بلا خلاف بين الفقهاء.
لقد ذكر العلامة الحلّي نظیر هذه المسألة في بعض كتبه انه لو كان البحر متلاطماً فقال شخص للآخر ارم بأمتعتك في البحر وانا ضامن لك أو ضامن للأمتعة فإذا رمى المالك امتعته في البحر يكون الآمر ضامناً وإن ذهب بعض الفقهاء إلى عدم ضمانه إلّا أن رأي الشيخ الحلّي هو الصواب.
لا بد من ذكر هذه المسألة هنا أنّه لو تواطأ المصلِّح مع بايع القطعات أو الطبيب مع الصيدلية ففي هذه الصورة يكونان ضامنين إذا كان الضمان من ارتكاز المتشرعة في ذلك.
5ـ هل الطبيب ضامن لخطئه؟
ج ـ الطبيب والخاتن ضامنان مطلقاً إلّا إذا أعطي البراءة لهما قبل العمل. كما يفعل في بعض المستشفيات انهم يعطون استمارة لولي الدم ومن الموارد المذكورة في بعض بنودها أنَّ الطبيب بريء من ضمان الخطأ فإن كان توقيعه مؤيداً لما في الاستمارة حتى وإن لم يكن عارفاً ببراءة الطبيب من الضمان كان ذلك مبرءاً للطبيب من ضمان الخطأ.
6ـ في صورة دوران الأمر بين التمسك بالاطلاق المقامي والاطلاق اللفظي، أيهما يكون مقدّماً؟
ج ـ التمسك بالاطلاق اللفظي يكون بعد عدم وجود دليل أقوى والاطلاق المقامي قرينة عرفية على عدم ارادة الاطلاق اللفظي ففي هذه الصورة الاطلاق المقامي مقدّم بلا إشكال. وقد اشار الشيخ النجفي في مواضع من كتاب الجواهر إلى ذلك من دون تسميته بالاطلاق المقامي واختار هذا القول فيها.
7ـ ما حكم صوم الزوجة ما لو منعها الزوج من الصيام أداءً وقضاءً؟
ج ـ يجب عليها الاتيان بالصوم قدر الامكان وبالنسبة لباقي الايام فيجري حكم «إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ» (الأنعام، 119) وقوله عليه السلام: «ليس شيء مما حرّم الله إلّا وقد أحله لمن اضطر إليه» (وسائل الشيعة، ج5، ص483، ح 7119) فإن لم تتمكن من الاتيان بقضاء الصوم إلى القابل اداءاً أو قضاءاً يسقط عنها وتجب الفدية عن تأخير القضاء ولا قضاء ولا كفّارة عليها. وهذه الفدية وضعت لاجل تأخير القضاء سواءٌ كان التأخير اختيارياً أو اضطرارياً.
نعم ذهب بعضهم إلى أنَّ الملاك في تأخير القضاء اختياراً أو اضطراراً انما هو استمرار المرض المانع من الصوم وذهب غيرهم إلى أنّ الملاك فيه هو استمرار المرض مطلقاً سواءً تُرك لأجله الصوم أو لغيره وبعضهم كالمرحوم الأخ (آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي) وصاحب المستند جعلوا مطلق العذر ملاكاً ويظهر أنه هو الصحيح.
8ـ ما هو حكم الشهادة بولاية أمير المؤمنين والسيدة الزهراء عليهما السلام في تشهّد الصلاة؟
ج ـ قال سماحة المرجع حفظه الله: إن كان ذلك على نحو الدعاء، مثلاً لو قال: «اللهم صلّ على أمير المؤمنين علي وسيدتنا فاطمة الزهراء والائمة المعصومين من ولدهما» وما شابه ذلك فلا إشكال فيه ولا يجوز الاتيان بذلك على نحو الشهادة، نعم الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين من غير لفظ «أشهد» جائز لما ورد في رواية مصباح المتهجّد فيقول بعد الشهادة للنبي بالرسالة: «وأنَّ علياً نعم الولي» (جامع احاديث الشيعة، ج5، ص331).
9 ـ ما حكم المعاملة بالعملة الرقمية أو المعاملة في البورصة حيث يتم احتساب الربح أو الخسارة غالباً تقديرياً؟
ج ـ يظهر أنها جائزة ولا إشكال فيها.
10 ـ ما هو رأي سماحتكم في عبد الله بن عباس هل هو من الممدوحين أو من المذمومين؟
ج ـ عبد الله بن عباس شخصية وقع الخلاف في تقييمها وقد ألّف بعضهم كتباً في ذلك وأقوال الفقهاء فيه مختلفة ولا أملك فيه رأياً خاصاً.