سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
عندما مرضت فاطمة الزهراء عليها السلام في آخر مرّة، بالمرض الذي أقعدها في فراش الموت بسبب إیذاء القوم لها، قامت بعیادتها جمع من نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: كيف أصبحتِ من علَّتك يا ابنة رسول الله؟
فحمدت الله، وصلّت على أبيها، ثم قالت (أصبحتُ والله عائفةً لدنياكنَّ)، ثم استرسلت بالحديث إلى أن قالت: (وَأَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ وَهَرْجٍ شَامِلٍ وَاِسْتِبْدَادٍ مِنَ اَلظَّالِمِينَ)(1).
هذه القراءة المستقبلیة للأحداث والرؤيا النافذة التي تنبّأت به مولاتنا الزهراء صلوات الله عليها حول ما سیجري للمسلمین في المستقبل قد تحققت وظهرت إلی الواقع حرفاً بحرف وجزءاً بجزء.
فما أن مضى رسول الله صلی الله علیه وآله شهيداً حتی بدأ القوم بالمظالم في حق سيدة النساء، واستمرت هذه المظالم كما أخبرت بها بنت رسول الله في خطابها لنساء المهاجرین والأنصار.
إن إستخدام عبارة البشارة عادة تشير إلى الوعد، لكن البشارة في البلاغة تشير إلى الوعيد. فقد أرادت الزهراء صلوات الله عليها بهذه العبارة أن تذكر نساء المهاجرين والأنصار بالأيام السوداء التي تنتظرهم بسبب إنحراف الأمة عن مسارها الإلهي الذي رسمه وأسسه النبي، واصفة ذلك بقولها: (وَأَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ).
بمعنى أن المسلمين سوف يتلقون في المستقبل سيف صارم قاطع (وَهَرْجٍ شَامِلٍ) بمعنى هرج يشمل الجميع وفي كل مكان وزمان (وَاِسْتِبْدَادٍ مِنَ اَلظَّالِمِينَ) أي بمعنى إستبداد الظالمين بالحكم في إدارة الحکم ورئاسة الدولة الإسلامیة، فيجعلون الحكم مستبداً وظالماً.
بدایة المظالم کما تنبّأت بها الزهراءعليها السلام
نعم، کانت البدایة للمظالم کما وعدت بها الزهراء علیها السلام من بيتها، فقد هجم القوم علی دارها وقاموا بإحراق باب الدار وهددوا بإحراق من في البيت جمیعاً، بما في ذلك ابنة رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين.
ثم إستمرت المظالم وتفاقمت وتحوّلت إلی حروب عدیدة وقعت بين المسلمين، فصار بعضهم یقتل بعضاً في زمن بني أمية وبني العباس للإستیلاء علی الحکم والسلطة، بإستثناء حكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه التي کان هدفها إقامة الحق واستمرت قرابة خمسة سنين.
فبإستثناء حکومة أمیر المؤمنین علیه السلام، نری جميع الحكومات مصداقاً لقول الزهراء علیها السلام، فقد كان الحكم مُصاحباً بالسيف الصارم والهرج الشامل والإستبداد.
فالذي يتصفح تأريخ المسلمين منذ أربعة عشر قرناً يرى مئات الألوف من الإنتهاکات والمظالم التي مارستها الحكومات باسم الإسلام وباسم رسول الله وسيرته المبارکة. لکن الرسول الأکرم وحكومته وكذا سيرة أمير المؤمنين وحكومته بريئة من تلك الأفعال.
لقد ذكر الرواة أن حرق بيت الزهراء صلوات الله عليها جاء بعد أيام قليلة من إستشهاد رسول الله صلی الله عليه وآله، ثم أصبح الحرق أمراً موروثاً في زمن معاوية، واستمر في زمن يزيد أيضاً.
ففي قصة عاشوراء وإستشهاد سيد الشهداء صلوات الله عليه اعتبروا ذرية رسول الله وبناته الطهر صلوات الله عليهم ظالمين خوارج، حتى أن أحد الظلمة صاح في غروب يوم العاشر من المحرّم: (أحرقوا بيوت الظالمين)، فشبّوا النار في مخیّم آل الرسول حتى إلتهمت النيران ثیاب بنات الرسالة.
وهكذا إستمرت المظالم وإمتدّت من بني أمية وبني العباس وغيرهم، ولا زالت مستمرة إلی الآن ونراها تحدث هنا وهناك باسم الإسلام.
فالیوم نری عصابات التکفیر من الإرهابیین یقومون بالقتل والحرق والذبح، فالقوم أبناء أولئك، إنهم يسيرون على طريقتهم ویمضون علی سیرتهم الدمویّة.
لا ترويع سياسياً في الإسلام:
لو قارنّا بين صفحات التأریخ السوداء من حكم (بني أمية وبني العباس) وأمثالهم، وبین حكومة رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، فإننا سنجد فارقاً کبیراً في طریقة الحکم بین الحکومتین.
ففي حکومة النبي والوصي لانجد مثالاً واحداً للحکم بالسيف الصارم ولا شيئاً شبیهاً بالهرج والإستبداد کما في حکومة بني أمیّة وبني العباس اللتین قامتا علی حد السیف والقهر والإستعباد.
بینما من یراجع طریقة حكم رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، لایری إلاّ الرحمة والشفقة والخير والإحسان للمسلمين ولغیرهم من الدیانات الأخری.
فلا نجد مورداً واحداً للقتل السياسي على الإطلاق، کما يُقتل المواطنین الیوم بتُهم سياسية مثل إنتقاد السلطة علی ممارساتها، أو عدم الخضوع للحاکم أو بحجة الخروج عن دائرة الطاعة للسلطان وغیرها من التهم السیاسیة المفبرکة.
فالذين قُتلوا في زمن الحکومة الإسلامیة والإمام علي صلوات الله علیهما، كانوا جُناة هاجموا الرموز وحاولوا إغتیالهم، ولم یقتلوا إلاّ في حالة الدفاع.
کما ولم يذكر التأريخ مثالاً واحداً لسجين سياسي واحد في حكومة رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، فنادراً ما کان یلقی أحدهم في السجن لأن السجن کان نادراً جداً وشبه معدوم في منهج الإسلام.
وأما الموارد النادرة فکانت للجرائم فقط، ولم تشمل الذین كفّروا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وشتموه في وجهه في أیام خلافته وحكومته.
وهذا التعامل لم یکن له نظير في تأريخ البشرية ولا في تأريخ الأنبياء (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)(2).
أما الذين حكموا باسم الإسلام لأكثر من ألف عام، نجد في تأریخهم صفحات سوداء جُمِعت فیها عشرات الألوف من عملیات القتل والتعذیب والسجن السياسي، مما جعل الکثیر من الناس الأبریاء یفرّون من بلادهم ویهاجرون إلی أرض الله الواسعة.
بينما کانت بلاد المسلمین في زمن النبي والإمام محطّة للجوء الفارّین من الظلم، لأن النبي والإمام عملا بأمر الله تعالى وبالخطاب الذي وجهه الله: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)(3).
هل یوجد الیوم نظیراً لهذا التصرّف في البلدان التي تدّعي الحرية، هل یُترك في هذه الدول المسماة بـ (الدول الدیمقراطیة) من لدیه مشکلة سیاسیة، فلا یقتل ولا یؤذی ویصل إلی مأمنه بسلام!!
هكذا خططت السيدة فاطمة (صلوات الله عليها)
کانت الزهراء صلوات الله عليها تنظر إلی المستقبل البعيد والمظالم التي إستمرّت إلی یومنا هذا ولا نعلم متى ستنتهي، حيث كانت ترى السيدة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها أن هذا التأريخ الطويل مليء بإستبداد الظالمين.
فنرى أن السيدة فاطمة (صلوات الله عليها) وضعت خططاً أساسية لأمرين:
الأمر الأول: إجراء حكم الله تعالى المتمثل بالعدل الذي حكم به رسول الله صلوات الله عليه وآله،وحكم به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).
والأمر الثاني: نتائج الإنحراف عن حكم العدل ومايتبع ذلك من مخلفات.
دعوة لقراءة تأريخ حكومتي الإسلام
يجب على الجميع ـ إما وجوباً عينياً أو كفائياً ـ وحسب المقتضیات الدینیة، أن یقوموا بتبليغ الرسالة الإسلامية إلى بلدان العالم، ويبينوا بأن ماذُكِر من تأريخ بني أمية وبني العباس لا يمثل الإسلام، ولم يرد في تأريخ حكومة الرسول الأكرم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. ولذا فأنا أدعوا الغربيين والشعوب غير الإسلامية سواء كانوا ملحدين أو مشركين لقراءة تأريخ حكومة النبي والوصي، حتى يُتحِفوا بلادهم وتأريخهم ومستقبلهم بالصفحات المشرقة من هذه الحکومة، ويتعلموا من تأريخ حكومتي الإسلام العظيمتین، فإن رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) معصومان ولا أحد يستطيع بلوغ مقامهما، ولكن يمكن الإقتداء بهم وبسيرتهم، فقد أكد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالی: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(4) أي تعلموا من رسول الله.
فإذا لم يكن ذلك ممكناً، لما دعى القرآن الكريم إلى الإقتداء به وبسيرته وبتأريخه (صلوات الله عليه وآله)، فليتعلم الكفّار وغير المسلمين من ذلك، وأنا أدعوهم إلى قراءة تأريخ حكومة رسول الله وسيرته وتعاطيه مع الجميع مع مسلمين وكفار وغيرهم، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها كان رسول الله صلی الله عليه وآله لايعاقب أحداً بشيء، حتی لو کان مجرماً وجرمه سياسي. فالجرم السياسي غير موجود في قاموس رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. لأن هذا الجرم موجود فقط في تأريخ حكومات بني أمية وبني العباس وأمثالهم.
على الجميع أن يصبوا طاقاتهم وإمكانياتهم في إيصال تأريخ حكومة النبي والإمام، فلا شك في أن البشر أناس لهم وجدان وطهارة في النفوس، ويمكنهم أن يتعلموا من ذلك فيُتحفوا بلدانهم بالخير والرفاه والصلاح.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1)بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي،ج43 ص159.
(2)سورة البقرة: 285.
(3)سورة التوبة: 6.
(4)سورة الأحزاب: 21.