سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
أهمية مجالس العلم في هداية الناس
سأل أحد الأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان هناك تشييع جنازة، وفي الوقت نفسه کان هناك مجلس علم، فأيهما يُقدّم؟
مجلس العلم أفضل، أم تشييع الجنازة؟
فقال صلى الله عليه وآله: إن كان هناك من يقوم بتجهيز الميت من تشيیع ودفن وسائر الواجبات الأخری الضروریة لتجهيزه الميت، فحضور مجلس العلم أفضل من تشييع ألف جنازة، وعيادة ألف مريض، وقيام ألف ليلة، وصيام ألف يوم.
ثم قال صلى الله عليه وآله: إن خير الدنيا والآخرة في العلم، وشر الدنيا والآخرة في الجهل.(1)
نعم إنّ العلم نور، والعلم النافع الصحيح مثله کمثل النور في الظلمة الحالکة.
فإذا كان الإنسان لدیه نور سوف يتجنب الکثیر من المشاكل والمصاعب والأمور التي قد تقضي عليه وتسبب له الموت والهلاك. بل ويستطيع بسبب ذلك النور أن يهتدي إلى ماينفعه وما يجرّه إلی الخير والصلاح.
فإذا كان النور موجوداً سوف یدرأ الإنسان عن نفسه خطر الأفعى القاتلة، والعقرب السامّة، ویتجنّب السقوط في الوادي ویفرّ من السبع الضاري.
أما الجهل فحكمُه حُكم الظلام لايرى فیه الإنسان ماينفعه وما يضره، ولايمیّز بین ما ينجيه من الموت أو ما يجرّه إلی الموت.
إن تشييع ألف جنازة له من الثواب والأجر العظيم، لكن العلم يهتدي به الناس وتكون دنياهم وآخرتهم بخير وصلاح.
کما أن عيادة ألف مريض فيه ثواب کبیر، ولكن العلم يهتدي به الناس ویؤدي إلی شفاء المرضی.
أما قيام ألف ليلة، فذلك یعني قيام الإنسان من أول الليل إلى الصباح مستيقظاً ومشغولاً بالعبادة وبالصلاة وبالتهجد وبقراءة القرآن الكريم وبالدعاء والبكاء من خشية الله تعالى أو بالبكاء على ذنوبه، فهذا له ثواب أعظم وأکبر لامحالة ـ ولكن مع ذلك کلّه فإن مجلس العلم أفضل لأن فیه هداية الناس، ونجاتهم من التیه والضلال.
وهكذا الحال في صيام ألف يوم، أي ما يقارب ثلاث سنوات من الصوم ففي ذلك له ثواب عظيم، لکنه لایرقی إلی الهدایة.
السيد بحر العلوم وهداية أحبار اليهود
ذكروا أن العلامة الفضيل السيد بحر العلوم (رضوان الله تعالی عليه) كان ذات مرّة في سفره من النجف الأشرف إلى کربلاء المقدّسة لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، قد مرّ على مدينة صغيرة في وسط الطریق إسمها (الكِفل) وتطلق هذه التسمیة نسبةً إلى موضع دفن نبي الله ذي الكفل. حیث كانت المدینة آنذاك مركزاً لعلماء اليهود عبر مئات السنین.
في الطریق إلتقى السيد بحر العلوم بعدد من أحبار اليهود وعلمائهم، ودار بینه وبینهم نقاش علمي ومناظرة حول الدین الإسلامي ومعتقداته، وکانت نتیجة النقاش هداية أحبار اليهود إلى الإسلام وإلى مذهب أهل البيت عليهم السلام کما ورد في سیرة السيد بحر العلوم وأحواله.
أفلا یُعدّ هذا المحضر العلمي أفضل من تشييع ألف جنازة كما ورد في حدیث رسول الله صلوات الله عليه.
إنّ تشييع ألف جنازة له ثواب عظیم ولكن لايرتقي إلى هداية الناس كما حصل في هداية أحبار اليهود ويعلم الله كم اهتدى بسبب هؤلاء الأحبار فیما بعد.
مجلس علم صار سبباً في هداية ابي ذر
لقد كان أبو ذر الغفاري (رضوان الله عليه) مشركاً في بدایة الدعوة الإسلامیة ویعیش في حي بني غفار في قرية من قرى الجزيرة العربية، ولما سمع أبو ذر أن هناك من يدعي النبوة في مكة المكرمة جاء إلى رسول الله صلوات الله عليه وآله وجلس في محضره مرّة، فذكر له الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله من العلم ما صار سبباً لهدايته، وأصبح أبو ذر بدوره سبباً لهداية الملايين والملايين عبر التأريخ وإلى يومنا هذا.
العياشي اهتدى بسبب مجالس العلم
لقد كان العياشي من علماء العامّة المخالفین لمذهب أهل البيت عليهم السلام، فقد ذكروا في تأريخه أنه کان من رواة العامة وكانت له عشرات کتب في ذلك الزمان. ولکن نتيجة حضوره في مجالس العلم إهتدی العیاشي إلى خط أهل البيت عليهم الصلاة والسلام وبسبب تلك الهدایة صار سبباً لهداية الالوف والالوف إلى خط أهل البيت عليهم السلام منذ ذلك الزمان وإلى يومنا هذا، وجرت الهدایة عبر كتبه وكتب تلاميذه وعبر کتب تلاميذ تلاميذه.
مجالس علوم اهل البيت عليهم السلام هي المجالس النافعة
المقصود من حديث رسول الله صلوات الله عليه وآله:
(فَإِنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِ أَلْفِ جَنَازَةٍ، وَمِنْ عِيَادَةِ أَلْفِ مَرِيضٍ، وَمِنْ قِيَامِ أَلْفِ لَيْلَةٍ، وَمِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ) هو العلم النافع والعلم المفيد وليس المقصود العلم الذي يوجب الضرر للمجتمع ويوجب الضرر للحرث والنسل فذاك يطلق علیه (علم) لكنه في الحقیقة ليس بعلم.
ولكن عندما يقول الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله: (حُضُورَ مَجْلِسِ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِ أَلْفِ جَنَازَةٍ، وَمِنْ عِيَادَةِ أَلْفِ مَرِيضٍ، وَمِنْ قِيَامِ أَلْفِ لَيْلَةٍ، وَمِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ) فالمراد من ذلك العلوم النافعة التي ینتفع بها الناس وتکون سبباً لهدایتهم وتقدّمهم، وعلی رأسها علوم القران الكريم وعلوم رسول الله صلوات الله عليه وآله وعلوم العترة الطاهرة عليهم السلام، فهي حقاً علوم نافعة.
اغتنموا الفرص لحضور مجالس العلوم النافعة
على الجميع: رجلاً كان أم امرأة، تاجراً أم كاسباً أو موظفاً بل کلّ من سنحت له الفرصة، أن يستغل مايمكنه من الفرص لتعلم العلم فإنه سبب لهدايته وهداية الآخرين بمقدار ذلك العلم.
فالتشييع للجنازة فيه فضل لكنه ليس سبباً لهداية إنسان ما، وكذلك قيام ألف ليلة فيه فضل، وعيادة ألف مريض فيه فضل، وصيام ألف يوم فيه فضل، وقيام ألف ليلة فيه فضل ـ لكنها ليست سبباً في هداية الآخرين.
ولذا على الجميع أن يغتنم الفرص الممكنة لحضور مجالس العلم وعلوم العقائد وعلوم الأخلاق وعلوم الأحكام إن كان ذلك في بلده أو بلد آخر وفي أي مناسبة، حتى يكون بالإضافة إلى ذلك سبباً لهداية نفسه وهداية غيره، ويكون قد انتخب الأفضل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)بحار الأنوار ج1 ص204 باب مجالسة العلماء والحضور في مجالس العلم و المذاكرة فيه، وذم مخالطة الجهّال / الرواية: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ اَلْأَنْصَارِ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ إِذَا حَضَرَتْ جَنَازَةٌ وَمَجْلِسُ عَالِمٍ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَشْهَدَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: إِنْ كَانَ لِلْجَنَازَةِ مَنْ يَتْبَعُهُا وَيَدْفِنُهَا فَإِنَّ حُضُورَ مَجْلِسِ عَالِمٍ أَفْضَلُ مِنْ حُضُورِ أَلْفِ جَنَازَةٍ، وَمِنْ عِيَادَةِ أَلْفِ مَرِيضٍ، وَمِنْ قِيَامِ أَلْفِ لَيْلَةٍ، وَمِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ، وَمِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى اَلْمَسَاكِينِ، وَمِنْ أَلْفِ حَجَّةٍ سِوَى اَلْفَرِيضَةِ، وَمِنْ أَلْفِ غَزْوَةٍ سِوَى اَلْوَاجِبِ تَغْزُوهَا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ اَلْمَشَاهِدُ مِنْ مَشْهَدِ عَالِمٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اَللَّهَ يُطَاعُ بِالْعِلْمِ وَيُعْبَدُ بِالْعِلْمِ؟ وَخَيْرُ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ مَعَ اَلْعِلْمِ، وَشَرُّ اَلدُّنْيَا وَاَلْآخِرَةِ مَعَ اَلْجَهْلِ؟