LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: العلم
رمز 50252
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 14 شعبان المعظّم 1446 - 13 فبراير 2025

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام يؤكّد أهمية العلم والعقيدة

قال الله عز وجل في القرآن والحكيم: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا)(1).

الإسلام هو الصيغة النهائیة لرسالات السماء الكبرى التي وضعها الله تعالى، بل هو أفضل الصيغ التي أرادها الله لعباده. وبناءً علی هذه الإرادة السماویة فإن نبيّنا محمداً صلى الله عليه وآله هو خاتَم الأنبياء وخاتِمهم.

لقد أکّد القرآن الكريم على ممارسة العلم في كل مراحل الحیاة ویری أن علی الإنسان أن ینطلق من منطلق العلم في جمیع مجالات عمله.

وبما لایقبل التردید إن الإنسان لاينطلق في عمله من الشك أو الظنّ، أو مما يتوهم ويتخيل، بل ینطلق من المعلوم والمؤکّد والمتیقّن إذ قال تعالی: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) بمعنى لاتتبع الشيء الذي ليس لك فیه علم ولا الذي ليس لك فیه يقين، حتی یحصل ذلك. وهذا النهي الإلهي یشمل جمیع مجالات الحیاة في كل زمن ومهما إختلفت الملابسات.

وعبارة (وَلَا تَقْفُ) بمعنى لاتتبع ما ليس لك به علم، فأهم شيء في الإنسان (العقيدة)، لکن من أي مکان ينطلق الإنسان في عقیدته ؟

يجب علي الإنسان أن ينطلق في عمله وفکره من العلم واليقين، والإسلام يركز على ذلك ويؤكد هذا المعنی في كل مجالات العقيدة، لأن العقیدة هي الأساس في کل الأعمال والأفعال ومنطلقاتهم في الحياة الدنيا. والعقيدة هي الرکن الأساس في مجال العائلة والإقتصاد والإجتماع وبقیة المجالات، إذ إنّ الإنطلاق من العلم واليقين هو الأهم..

بالدراسة والعلم واليقين اتبعنا الإسلام

ینقل أحد العلماء المعاصرين قصّة عن عالمین أحدهما مسلم والآخر مسیحي إلتقیا عن طریق الصدفة.

في لقاء الذي جری من غیر میعاد، ولم یکن يعرف هذان العالمان أحدهما الآخر.

يقول ذلك العالم المسلم: سألت ذلك الرجل عن إسمه ولم أكن أعلم أنه عالم نصراني؟

فذکر لي إسمه.

ومن خلال اسمه: علمت أنه مسیحي.

وسألته عن عمله فتبين أنه عالم.

يقول العالم المسلم: فقلت لذلك العالم المسیحي مبتسماً أنت عالم وأنا عالم، أنت مسيحي وأنا مسلم، نحن الإثنین على دينين مختلفین، لکنّ كلانا لايدخل الجنة!!

فالعالم یجب أن يعرف كل شيء، مَن یدخل الجنة ومَن يدخل النار.

أنا بصفتي عالم مصلح لا أرجو لك أن لا تدخل نار جهنم.

لقد جئت إلى هذه الدنيا بفضل الله تعالى عليك إذ خلقك، ثم کبرت ودرست وصرت عالماً.

أنا ومن صمیم قلبي لا أرجو لك أن تدخل النار، وآملُ منك أن لاترجو لي ذلك أیضاً.

فلنتناقش إن كان الإسلام هو الحق، أسلم وإعتنق الإسلام. وإن كان الإسلام ليس بحق، فدونك ذلك.

أنا لم أسلم بالتقليد أو بسبب أني نشأت في بيئة مسلمة، ولكن قبلت به بعد دراسة وبحث وتحقیق.

فوجدت أن الاسلام هو الدين الصحيح، ولذا تراني الآن مسلم.

يقول العالم المسلم قلت للعالم المسیحي:

انتم كيف تجمعون بين عقيدتكم للسيد المسيح (عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام) وبين عقيدة (هولي بايبل) الكتاب المقدس؟ إذ إنّ الكتاب المقدس يسبُ السيد المسيح!!

فقال لي العالم المسیحي: ليس في الكتاب المقدس سبّ للسيد المسيح، فكيف تتهم الكتاب المقدس بذلك؟؟

قلت له: كلمة اللعن التي تنسب إلى شخص هل هذه سبّة أم لا؟

إذا رآك شخص ما في الشارع وقال لك يا ملعون أليست هذه مسَبّة؟

قال لي: نعم هي إنّها مسبّة وشتیمة.

فقلت له: أنظر إلى الكتاب المقدس بالنص، يقول عيسى ملعون!!

ونحن علماء المسلمين نقدس السيد المسيح وأمّه عندنا قدّیسة، في حین كتابکم المقدس يسب السيد المسيح!! ألیس هذا شيء عجیب!!

ثم قلت للعالم المسيحي: في كتبنا مذکور إن من يسبّ السيد المسيح من المسلمين له عقوبة كبيرة وشديدة مع أن من یسبّ يؤمن برسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) كآخر رسول وآخر نبي. نحن لانرضی بذلك لأننا نحترم السيد المسيح إلى حد کبیر.

ولكي تصدق كلامي تجد أن کتبنا تفرض عقوبة علی من یسبّ المسیح، راجع کتاب (شرائع الإسلام) وهو من تألیف أحد كبار فقهاء الشيعة ذكر فيه: أن من يسبّ السيد المسيح من المسلمين له عقوبة كبيرة شديدة، وطلبت منه مراجعته.

فقال العالم المسيحي: نعم لديّ هذا الكتاب. ولکن من قال إنّ الكتاب المقدس یلعن المسیح؟

قلت له: أنا عالم وادعي شيئاً وآسف أن تنكر ما أنا أدعيه، قبل أن تطلب مني الحجة والإثبات.

فقال العالم المسيحي أنا أعلم أن ذلك غير موجود في الكتاب المقدس!!

قلت له: إذا کنت تنکر فعليّ الإثبات فأطلب مني ذلك وسوف أثبته لك.

وإن لم أثبته بالحجة والبرهان فلك الحق فیما تنکر.

قال العالم المسيحي: یوم كنت صغيراً کنت أدرس الإبتدائیة كانت لي جدة توصيني أن أقرأ شيئاً من آيات الكتاب المقدس لدی خروجي من المنزل، ولازلت أقوم بذلك حتی یومي هذا، أقرأ بعض آيات من الكتاب المقدس قبل خروجي من البيت.

وفي السنة أحياناً اختم الكتاب المقدس أكثر من مرة، لکنّي لم أجد ذلك في الكتاب المقدس، فمن أين لك ذلك؟

يقول العالم المسلم فقلت له: أنا آسف وأكرر أسفي لأنك عالم أيضاً وأنا أدعي أمامك، ولكن أطلب مني إثبات ذلك لأثبت لك!

يقول العالم المسلم: فتبسم العالم المسيحي وقال: أخاف أنكم ياعلماء المسلمين طبعتم نسخة جدیدة من الكتاب المقدس وجعلتم فيه آیة لعن السيد المسيح، حتى تقولوا لنا أن في الكتاب المقدس لعن السيد المسيح!!

فقال العالم المسلم للمسیحي لك أن تدّعي ذلك وتتصور هذا التصور، ولکن لي جوابان علی ذلك.

الجواب الأول: أن التلاعب بكتب السماء ليس من عملنا نحن المسلمين بل هو من عملكم أنتم النصارى، تزیدون وتنقصون بکتبکم السماویة حیث تشاؤون، وإذا أردت التفصيل فصّلت لك بذلك!!

وأضاف العالم المسلم: إن علماء النصارى على مستوى الكرادلة والقساوسة الكبار يجتمعون في قمة تعقد كل مئة عام يغيرون ويبدلون في الكتاب المقدس، ما يرونه لایتناسب مع مقتضیات زمانهم ويسمى ذلك المجمع بـ(المجمع المسكوني).

وبناءً علی ذلك المجمع تقومون بطباعة كتاب خاص للمقالات التي ألقيت وتغیّرون بعض النصوص التي جاءت في الكتاب المقدس، وإن كنت لاتعلم بذلك، اُفصّل لك بيانه.

فقال العالم النصراني: نعم أعلم.

فقلت له: التلاعب بكتاب الله كتاب السماء الكتاب المقدس هو من عملكم أنتم.

وأنت قلت: إن في دارك كتاباً مقدساً و قبل خروجك من دارك تقرأ بعض آيات ذلك الكتاب، وذلك الكتاب الذي نقرأه نحن المسلمين لم نطبعه، بل طبعتموه أنتم وغیّرتم فیه بعض المفاهیم.

فذكر العالم المسيحي إحدی طبعات ذلك الکتاب المقدّس، فقال العالم المسلم: ماذا لو سمحت لي وجئت إلى دارك وأخرجت منه ذلك الكتاب الذي فیه لعن السيد المسيح؟!

يقول العالم المسلم فقلت له: هذا النص العربي للكتاب المقدس في قسم الرسالة (رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية) في القسم الثالث الآية (غل 3: 13)

يقول النص: (اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ)

الناموس هو الله تعالى،  (مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ) بمعنى كل من صلب، وأنتم تعتقدون بصلب السيد المسيح ومن صُلب فهو ملعون.

قلت له: فكيف تجمعون بين السيد المسيح وبين الإعتقاد بالكتاب المقدس الذي يسبّ السيد المسيح ويقول إنه (ملعون)!!!...

الانطلاق من العلم يقينا الخطأ والاشتباه

إن الإنطلاق من العلم، هو الوسیلة لتجنّب الخطر والوقوع في دائرة الإشتباه.

هذا هو الأساس في الإسلام، فالقرآن الكريم وبكل صراحة یخاطب البشر فیقول: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي لا تعمل بشيء لیس لك به علم ویقین، وهذا النهي یجري في معاشرة الزوجين ومعاشرة الأرحام وفي البيع والشراء وفي الدراسة والعلم وفي الأمور السياسية والإجتماعية والإقتصادية.

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) بل انطلق من العلم في كل شيء، ويعلل ذلك القران الكريم (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) فالذي يسمعه الإنسان ويبصره مسؤول عنه، وعليه أن لايقبل بكل مايسمعه ويبصره من دون علم به، بل يجب عليه أن يخضعه للعلم واليقين ومن قبله الفؤاد.

ویجب أن یتأمّل الإنسان في عمله إن كان علماً ويقيناً يقبله وإلا من دون علم وبلایقین فلیمتنع عنه (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

علیه أن یسأل عن عمله إن كان مع علم فلا إشكال في ذلك، وإن کان عمله من دون علم فلماذا تكلم بما لا يعلم، ولماذا عمل بما لايعلم، ولماذا شهد بما لايعلم، ولماذا درّس ما لايعلم، ولماذا كتب ما لايعلم.

كل ذلك مسؤولية، ومسؤولية الإنسان الأساسية أن ينطلق من العلم أولا؟

وإذا كانت إنطلاقة الإنسان بالعلم، قلّت أخطاءه، ویخطأ أیضاً، مَن كان علمه صادر عن جهل مركب، ومن یتصوّر أن عمله صادر عن علم، بینما هو صادر عن جهل، وهذا العمل بالطبع نادر.

والإنسان غير مسؤول إذا كان علمه عن جهل مركب ولم يكن عن تقصير في المقدمات لأن ذلك ليس بعلمه.

دعوة لقراءة تأريخ الاسلام بعلم واتقان

الذين يقرأون التأريخ ويتصفحونه بدقّة ویبحثون جوانبه بکلّ سعة، یجدون في التأريخ أمثلة کثیرة لإنتصار العلم علی الجهل، فكلما كانت هناك مناقشة حرة وبريئة ومعقولة وشفّافة بين عالم مسلم وبين عالم غير مسلم كان الإنتصار في نهایة المطاف للعالم المسلم، ولطالما خضع الطرف الآخر للنقاش وأدلته فاسلم.

لذا فأنا أوصي الجميع بقراءة تأريخ الإسلام وتأريخ الأديان والمذاهب الأخری وجميع الأفكار القديمة والجديدة لکي ينطلقوا في مسیرتهم الدینیة من العلم والتحقیق لا من التقلید الأعمی.

وأدعو إلی دراسة الإسلام دراسة يقين وتأمل، وأدعو جميع النصارى واليهود والمجوس والعلمانيين وغيرهم في كل مجال وفي كل مكان إلى دراسة الإسلام دراسة متقنة حتى يصلوا إلى اليقين.

وأننا لنجد في طول التأريخ عشرات الملايين ممن درسوا الإسلام قد وصلوا إلى العلم النافع واقتنعوا به يقيناً فهو الدين الإلهي الذي يجب على الناس إتباعه، قال الله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الإسراء: 36.

(2)سورة آل عمران: 19.