سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
المهتم بأمور المسلمين يتحمّل هّمومهم ومشاكلهم
ورد في الحديث الشريف: (مَنْ أَصْبَحَ لاَ يَهْتَمُّ بِأُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ) .
هذا الحديث الشريف نقل متواتراً عن رسول الله والعترة الطاهرة صلوات الله علیهم أجمعین بتعبيرات مختلفة. لكن المضمون والمعنى کان واحداً، هو الإهتمام بأمور المسلمین.
ومعنی هذا الإهتمام بأمور المسلمین، هو أن يجعل الإنسان ذلك الإهتمام هماً له في حیاته، فإذا کان الإنسان مهموماً ومغموماً في عمل تراه ینجزه بشکل جیّد، ویبذل من أجله جهداً کبیرا.
وفي مقابل ذلك، یجب علیه أن یبذل نفس الجهد لقضاء حوائج الآخرین وبنفس المستوی.
بطبیعة الحال فإن للمسلمین حاجات ومشاکل في الحياة الدنيا، وعلینا أن نقوم برفع مشاکلهم ونهتم بهم کما لو کنّا نهتم بأنفسنا، لو كان أحدنا مريضاً ماذا كان يصنع لنفسه؟
لو كان مديوناً ماذا يصنع لقضاء دینه؟
لو کانت لدیه مشکلة کیف یقوم بمعالجتها؟
علیه أن يفكر ويسأل ويستشير ويحاول ويبذل کل جهوده من أجل رفع مشاکل الآخرین من مرض ودین ومشاکل سياسية وإجتماعية ونفسية، علیه أن یحبّ ما یحبّ لنفسه. ویجري هذا التعامل مع الآخرین أیضاً، کحاجته للزواج والدواء والسفر.
إنّ الإهتمام بأمور المسلمین وحاجاتهم ينبغي أن یکون کما يهتم الإنسان لحاجات نفسه.
أما إذا لم یهتم الإنسان بالمسلمین کما أراد الحدیث الشریف: (مَنْ أَصْبَحَ لاَ يَهْتَمُّ بِأُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ) فهو قطعاً لایبلغ الدرجة الرفیعة من الإسلام.
درجات الاهتمام بأمور المسلمين
إن درجات الإهتمام بأمور المسلمين متفاوتة، فأحیاناً یکون الإهتمام واجباً عينياً، وآخر یکون واجباً كفائياً.
ویأتي هذا الإختلاف متماشیاً مع إختلاف الظروف ونوع المشاکل والملابسات.
فمثلاً، الشخص الذي یتعرّض للقتل یکون الإهتمام به واجباً عینیاً، إن لم یكن هناك من یقوم بالواجب الکفائي. وكذلك من یتعرّض لهتك العِرض يكون الدفاع عنه واجباً عينياً في غیاب الواجب الکفائي، ویجب علی الإنسان عند حدوث هذه الأمور الخطیرة العاجلة أن يؤجّل أعماله الشخصية ویبادر إلی أداء ذلك الواجب العيني.
نوعان من الهتمام بأمور المسلمين:
ثمة نوعان من الإهتمام بأمور المسلمين: فردي، وعام.
فأما الفردي فهو خاص، ویشمل الإهتمام بأمور المرضی والمديونین أو أي شخص لديه حاجة ومشكلة سياسية کانت أم إقتصادیة أم عائلیة أم ما أشبه ذلك.
وأما العام فهو في الأمور المرتبطة بعامة المسلمين من سلم وحرب ومن إقتصاد وسياسة ومن علم وتربية وغير ذلك مما فيه مصالح المسلمين العامة، لأن في ترك ذلك مفاسد عامة للمسلمين.
ولاشك أن الإهتمام بالأمور العامة أولى مما عليه في الأمور الفردية والشخصية، مع ضرورة العمل بکلیهما، ولنا خیر مثال وهو النبي الأکرم صلى الله وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعین.
المعصومون ضحوا من أجل المصلحة العلیا للإسلام والمسلمين:
کان المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين یقدّمون مصالح المسلمين علی أنفسهم ومصالحهم، ولذلك فقد ضحوا بكل شيء حتى في دمائهم الغالیة من أجل إعلاء کلمة الله وتحقیق مصالح الإسلام العلیا.
رسول الله صلی الله عليه وآله وکما تذکر الروايات المتواترة لم يمت میتة فراش بل قُتل، وقاتله مذكور في محله. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقیقة: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ)(2).
فهذه إشارة إلى أنه ممكن ان يكون موت رسول الله بالقتل، وهذا مادلت عليه الروايات الشريفة وأشار له القرآن، لکن عدم التصریح بذلك علناً هو لمصلحة خاصة، وإلاّ لماذا تقتل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ويقتل ولدها المحسن (عليه السلام) وفي سبيل ماذا؟
أفي سبيل حاجات شخصية؟!
کلاّ، قُتِلوا جمیعاً وقتل أمیر المؤمنین والأمامان الحسن والحسین في سبيل إحیاء الدين، وفي سبيل البيان العملي للخطوط العامة للإسلام والمسلمين.
في حديث مروي عن رسول وأهل بیته الأطهار صلوت الله عليهم أجمعين: (مَا مِنَّا إِلاَّ مَسْمُومٌ أَوْ مَقْتُولٌ)(3) هؤلاء ضحوا جمیعاً بأموالهم وبأنفسهم ومختلف الأمور من أجل إقامة الدين، ولکي یَعرِضوا الإسلام على جميع الناس (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)(4).
وليتحقق هذا الأمر الإلهي المهم ويصل واقع الإسلام الصحيح إلى جميع الناس، وليصل دین الإسلام دين الله القویم إلى جميع شرائح المجتمع كما أراد الله تعالى وأنزل له القرآن الكريم.
فإهتمام العترة الطاهرة یأتي تبعاً لإهتمام رسول الله(صلوات الله عليه وعليهم أجمعين) بحیث إنّهم قُتلوا جمیعاً. ففي الحديث الشريف أن سيدنا ومولانا الإمام بقية الله الأعظم المهدي الموعود صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف بعد ظهوره يُقتل أیضاً، فهل يقتل لأمور شخصية لدار أو مال؟!
بالطبع لا یُقتل لهذه الأمور، بل إن هذه التضحيات جميعها من أجل إقامة دين الله تعالى لكي يبلّغ دين الله تعالى بشکل صحیح كما أراد الله تعالى لأكثر قدر ممكن.
هذا التكليف من الإهتمام بالأمور العامة من المسلمين أهم من الأمور الشخصية والفردية وإن كانت هي الأخرى لها أهمية أيضاً.
الاهتمام بأمور المسلمين من أوليات المسلم
يجب على جميع المسلمین كلاً بمقدار إستطاعته وقدرته أن يساهم في قضاء أمور المحتاجین وتوفیر مستلزماتهم العامة سواء کانوا في البلاد الإسلامية أو في غیرها.
اليوم نحمد الله أن نری المسلمین منتشرین في أرجاء الأرض في كل القارات والدول وبلاد العالم.
علی المؤمنين والمؤمنات أن يهتموا بأمور المسلمين العامّة حتى تکون عقائد المسلمین صحيحة وأخلاقهم صحيحة، ولکي يعرفوا أحكامهم ويعملوا بها.
ولذا ينبغي أن یکون من أولوية المؤمنین القيام بهداية المجتمع وهداية المسلمين إلى ما أراده الله تعالى منهم، وهداية غير المسلمين أیضاً.
فإذا تصدى شخص لهداية غير المسلمين، فهذا يعتبر من أمور المسلمين ولیس خارجاً عنهم، فعلى الآخرين أن يعينونه علی ذلك، وأن یقدّموا له الدعم الکافي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)أصول الكافي: ج2: ص163.
(2)سورة آل عمران: 144.
(3)کفایة الأثر، ص162.
(4)سورة الأنفال: 42.