LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في كلمته بمناسبة شهر رمضان العظيم 1446 للهجرة:"
أفضل الناس من نفع آخرة الناس
رمز 50567
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 1 رمضان العظيم 1446 - 2 مارس 2025

كالسنوات السابقة، ألقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، كلمة قيّمة بمناسبة قرب حلول شهر رمضان العظيم 1446 للهجرة، بجمع كبير من المبلّغين الدينيين، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر شعبان المعظّم 1446 للهجرة (23/2/2025م)، بيّن فيها دام ظله ما يجب اليوم على المؤمنين والمؤمنات كافّة من تزكية النفس والعمل على هداية الناس وإرشادهم، مؤكّداً على أنّ شهر رمضان العظيم هو خير فرصة لذلك.

فيما يلي النصّ الكامل لكلمة سماحته دام ظله:

تعريب: علاء الكاظمي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

أسأل الله عزّ وجلّ أن يعجّل بالظهور الشريف لسيّدنا ومولانا بقيّة الله الأعظم صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى في فرجه الشريف، حتى تزول بظهوره كل المشاكل التي ابتلي بها المؤمنون وغيرهم في العالم كلّه.

نحن في الأيّام الأخيرة من شهر شعبان المعظّم ولأجل استقبال شهر رمضان العظيم أذكر لكم بعض المطالب.

الأنفع للناس

يقول سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله: (خير الناس أنفعهم للناس). وتكمن في الحديث الشريف نقطة مهمّة، وهي أنه لم أجد في الروايات ما يشير إلى أنّ المعصومين عليهم السلام قد قالوا بأنّ أفضل الناس هو من يكثر من الصلاة، أو من يصوم الكثير من الأيام المستحبّة، أو حتى بالنسبة إلى من يطلق عليهم (صائم الدهر)، فلم أر مثل هذا التعبير. وفي فترة إقامتي في كربلاء المقدّسة، رأيت مثل هؤلاء الأشخاص، الذين كانوا يصومون طوال العام ولا يفطرون إلاّ في يومين من السنة، أي في عيد الفطر وعيد الأضحى. وكذلك الحال بالنسبة لمن يؤدّي فريضة الحجّ والعمرة كل عام، ويذهب بشكل مستمرّ لزيارة بيت الله الحرام، ويطلق عليه (مدمن الحجّ)، فهل تمّ ذكره في الأحاديث بـ(خير الناس)؟ وكذلك الشخص الذي يساعد الفقراء ويقدّم لهم الطعام، أو من يحقّق احتياجات الناس، هل تم الإشارة إليهم في الروايات بخير الناس؟

ما ورد في العديد من الروايات، ومن بينها الحديث الشريف: (خير الناس أنفعهم للناس)، يعني بأنّ أفضل الناس هو من يعود نفعه على الآخرين أكثر. ولنأخذ مثالاً بسيطاً: شخص يعطي شخصاً عطشاناً كوباً من الماء، وهذا الفعل عمل حسن وله ثواب عظيم، ولكن إذا قدّم شخص آخر كوبين من الماء لشخصين عطشانين، فإنّ عمل الثاني سيكون أكثر قيمة، لأنّه جلب نفعاً أكبر. وإذا حفر شخص بئراً ليستفيد منها العديد من الأشخاص على مدى سنوات، ألن يكون عمله أكثر قيمة من المثالين السابقين؟ أو شخص دفع إيجار منزل لشخص محتاج لمدّة شهر، فقد قام بعمل حسن، ولكن إذا دفع شخص آخر إيجار المنزل لشهرين، فقد جلب نفعاً أكبر وبالتالي ستكون قيمة عمله أعلى. وإذا اشترى شخص منزلاً لمحتاج، فإنّ عمله لا شكّ سيكون أفضل من كل ما سبق، لأنّ نفعه سيكون أوسع وأطول أمداً. وجميع تلك الأمثلة ترتبط باحتياجات الناس الدنيوية.

النفع الأفضل

ما تم ذكره يرتبط بالأمور الدنيوية للناس، وهي بطبيعة الحال أمور ذات قيمة، ولكن أعظم وأسمى نفع هو الذي يعود إلى آخرتهم، لأنّ الدنيا، في النهاية، ستنتهي يوماً ما، سواء عاش الشخص مئة عام أو أقلّ أو أكثر، فإنّ حياة الدنيا ستنتهي في النهاية، ولكن ماذا عن الآخرة؟ فكم من السنوات ستستمر الآخرة؟ وكم ستكون مدّة البرزخ؟ وكم سيستغرق يوم القيامة؟

يقول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم عن الظالمين: «وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ»، وقد تشير الآية إلى عذاب البرزخ، أي أنّ أولئك الظالمين الذين ظلموا في الدنيا لعدّة سنوات، سيكون عذابهم ليوم واحد في البرزخ يعادل ألف سنة من سنين الدنيا. فتخيّلوا أشخاصاً مثل حكّام بني أمية وبني مروان وبني العباس الذين ظلموا لسنوات طويلة، ما هو العذاب الذي سيواجهونه؟ إذا كانوا قد ظلموا فقط عشر سنوات، فإنّهم في البرزخ وفي الآخرة سيتعرّضون لعذاب يعادل آلاف السنين. فإذا كان بإمكان شخص أن يقدّم نفعاً يخلّص الآخرين من عذاب الآخرة أو يرفع درجات المؤمنين في دار البقاء، ألن يكون هذا النفع أعظم من كل المنافع الدنيوية؟

عندما ذكرنا بأنّ الآية الكريمة قد تشير إلى الأيام البرزخية، فإنّ ذلك يعود إلى أنّ الله تعالى يقول في آية أخرى بالقرآن الكريم عن يوم القيامة: «فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ». ووفقاً لهذه الآية من القرآن الكريم، سيكون يوم القيامة بقدر خمسين ألف سنة. فتأمّلوا يا من مرّت خمسون سنة من أعماركم، ماذا مرّ من أحداث في تلك الخمسين سنة! وما اللحظات السعيدة، وما المصائب والمشاكل التي عايشتموها! وإذا تم ضرب هذه الخمسين سنة في ألف، فما هو حجم الصعوبات التي ستواجهونها؟ هنا ندرك أنّ أعظم نفع هو الذي يعود إلى الآخرة ويمكّن الناس من النجاة من العذاب. ولذلك، فإنّ أعظم من معالجة احتياجات الناس الدنيوية هو الاهتمام بآخرتهم، والعمل على إنقاذهم من العذاب في البرزخ والقيامة.

أفضل فرصة لهداية الناس

إنّ شهر رمضان العظيم هو موسم مميّز وفرصة ثمينة لمثل تلك الأمور. والدعوة إلى الدين، وتعليم المعارف الإلهية، وهداية المجتمع في هذا الشهر الكريم تحمل بركات خاصّة أكثر من أي وقت آخر. وأرى من المهم أن أذكر قصة من تاريخ المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله، لفهم أفضل لتلك الأعمال، وللتعرّف على ضرورتها وأهميتها، والقصة مذكورة في كتب عديدة.

كما تعلمون، عندما يسافر شخص من مدينة الكاظمية المقدّسة نحو مدينة سامراء المشرّفة، يرى أنّه يقع في منتصف الطريق، على بعد عدّة فراسخ، وبالتحديد على يسار الطريق مدينة شيعية تسمّى الدجيل. وفي السابق، كنت أسافر إلى هذه المدينة في أيام شهر رمضان، وأحضر بعض مجالس العزاء فيها. وبعد عدّة فراسخ من هناك، على يمين الطريق، يقع مرقد سيّدنا محمّد عليه السلام، وبعد مسافة أخرى نصل إلى مدينة سامراء. وفي الماضي، كانت الدجيل قرية يقطنها حوالي عشرين إلى ثلاثين ألف نسمة، وكان جميع سكّانها من الشيعة.

تضحية عالم

توجد قصة تذكر عن مدينة الدجيل وقرأتها في بعض الكتب، وتتعلّق القصة بالمرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله، صاحب الفتوى الشهيرة بتحريم التبغ، وعن أحد العلماء الآخرين من الذين كانوا زملاء له في درس المرحوم الشيخ الأنصاري رحمه الله في مدينة النجف الأشرف. وقد ذكر في الكتاب المذكور عن ذلك العالم بأنّه كان يمتلك ذاكرة وعقلاً واستعداداً علمياً في مرتبة عالية، حتى أنّه قال المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله عنه بإنّ ذلك العالم كان في تلك السنوات على مستوى ذاكرة واستعداد علمي مشابه له. ويتبيّن من كلام المجدّد رحمه الله، بأنّه إذا كان ذلك الشيخ العالم قد بقي في مدينة النجف الأشرف وواصل تحصيله العلمي، لكان من الممكن في المستقبل أن يصل إلى مقام مرجعية التقليد. وفي يوم من الأيام، جاء شخص من مدينة الدُجيل إلى النجف، وفي الجلسة التي كان يحضرها المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله وذلك العالم، قال الشخص: إنّ مدينة الدُجيل مدينة جميع سكّانها شيعة، ولكن لا يوجد من يعلّمهم أحكام الدين. فجعلت هذه الكلمات ذلك الشيخ العالم يتأمّل، ففهم أنّ تعليم الدين لاولئك الناس كان من الواجب الكفائي، ولكن بما أنّه لم يك شخص في تلك المدينة ليقوم بتلك المهمة، فقد أصبح هذا الواجب واجباً عينياً. وفي تلك الفترة، كان تحصيل العلم يعدّ من الواجبات العينية أيضاً، لكن أدرك الشيخ بأنّ الأولوية هي للتبليغ وإرشاد الناس، ولذلك اتخذ قراراً عظيماً وقال إنّه سيذهب إلى الدُجيل، وسيبدأ بتعليمهم الدين من البداية، من توحيد الله تعالى، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد، التي يُطلق عليها (أصول الدين)، وكذلك من واجبات ومحرّمات، وتفسير القرآن الحكيم وغيرها. فترك الشيخ الفاضل النجف الأشرف ودروس الخارج في الحوزة وذهب إلى الدُجيل. وعندما وصل إلى الدُجيل، أعلن للناس أنّه حينما يكونون مشغولين في العمل، أن يرسلوا أطفالهم إليه، ليعلّمهم القرآن وأحكام الدين خلال النهار. وهكذا بدأ الشيخ عمله من أبسط المفاهيم، لأنّ العديد من أطفال تلك المنطقة لم يكونوا قد تعلّموا حتى الصف الأول، ولم يعرفوا الحروف الأبجدية. وهكذا، ضحّى ذلك العالم الجليل بموقعه العلمي، وكرّس جهده لإحياء الدين في قرية شيعية، وبدأ بتربية الناس وتعليمهم أصول ومعارف دينهم.

يُقال إنّه في وقت لاحق، عندما وصل المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله إلى مرجعية الشيعة، وكان يدير شؤون الشيعة في العالم من مدينة سامراء، قال عن ذلك الشيخ العالم: سأكون سعيداً إذا تبادل الله عزّ وجلّ ثواب أعمالي مع ثواب ما فعله ذلك العالم.

من خدمات المجدّد الشيرازي الكبير

لتوضيح أبعاد وعظمة كلام المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله، من الجيّد أن نتعرّف على بعض خدماته، لنفهم عظمة كلامه وأهمية العناية بشؤون الدين للمستضعفين.

بعد وفاة الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله، انتقلت مرجعية الشيعة إلى المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله، وبعد فترة من إقامته في النجف الأشرف، قرّر المجدّد التوجّه إلى سامراء، حيث أسّس فيها حوزة علمية، ومع مرور الوقت، حدثت أحداث هامة في حياته في سامراء، واحدة تلو الأخرى. وقد روى لي تلك الأحداث المرحوم آية الله مرتضى الحائري رحمه الله، وربما قد رواها لآخرين أيضاً. وكان آية الله مرتضى الحائري رحمه الله نجل آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري رحمه الله، مؤسّس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة، وكان شخصية نادرة، وشهد بذلك جميع من عاشوا معه.

كان المرحوم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي رحمه الله من أبرز تلامذة المجّد الشيرازي رحمه الله في سامراء. وبعد سنوات من الدراسة العلمية والتدريس، هاجر إلى مدينة قم المقدّسة وأسّس فيها حوزة علمية، وتعتبر اليوم واحدة من أهم المراكز العلمية في العالم الشيعي.

روى المرحوم آية الله الشيخ مرتضى الحائري رحمه الله، نجل مؤسّس حوزة قم، أنّه في الأيام التي كان فيها في حوزة قم أكثر من ألف طالب علم، قال يوماً لوالده: أنتم دائماً تتحدّثون عن حوزة سامراء، فكم كان عدد طلبتها؟ فأجاب والده: حوزة سامراء كان بها ثلاثمائة طالب. فقال مرتضى الحائري رحمه الله بدهشة: ثلاثمائة فقط، بينما حوزة قم بها أكثر من ألف طالب؟! لكن والده أجابه بعبارة تبرز عظمة حوزة سامراء العلمية، وقال: نعم، كانت حوزة سامراء بها ثلاثمائة طالب، ولكنها خرّجت ثلاثمائة مجتهد! وهذه الكلمات للمرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي رحمه الله تم نقلها في كتب مختلفة، ولكنني أنقلها من نجله، وهذه العبارة تدلّ على المستوى العالي لحوزة سامراء والمستوى العلمي لطلاب المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله. وقد ذكر المرحوم الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله في كتابه (هدية الراضي) أسماء ثلاثمائة مجتهد بارزين تخرّجوا من حوزة سامراء المشرّفة، وذلك بالتفصيل، وقد جاء ذلك الإنجاز من حوزة علمية أسّسها المرحوم المجدّد الشيرازي رحمه الله.

نظام التعليم في الحوزات بالماضي

بعد أن تحدّثنا عن حوزتي سامراء و قم وعن اجتهاد العلماء وطلاب العلوم الدينية في العصور الماضية، من الجيّد أن أذكر أيضاً أنّ إحدى الميّزات البارزة للحوزات العلمية التقليدية هي الاستمرارية في الدراسة والتدريس. فحتى حوالي خمسين سنة مضت، لم يكن هناك عطلات صيفية في الحوزات العلمية، وحتى أنّ مراجع التقليد، رغم تقدّمهم في السن ومع ابتلائهم لأمراض متعدّدة مثل أمراض القلب، لم يكونوا يوقفون دروسهم. وفي ذلك الوقت، لم تك هناك وسائل تبريد حديثة كما اليوم، بل كان يتم استخدام بعض المراوح البسيطة في دروس بعض المراجع، ولكن بطريقة جعلت بعض الطلاب يتجنّبون الجلوس تحت المروحة، لأنّ الهواء الساخن الصادر منها كان يزعجهم. وقد شاهدت بنفسي مثل تلك الحالات، حيث كان بعض الطلاب يفضّلون تحمّل حرارة الجوّ بدلاً من الجلوس تحت المراوح. وفي مثل تلك الأوضاع، كان العديد من كبار العلماء في الحوزة، حتى مع الأمراض الخطيرة مثل المشاكل القلبية، يرفضون إيقاف الدروس حتى ليوم واحد كعطلة صيفية، رغم أنّ بعضهم كان قد سافر للعلاج في الخارج ولكن دون أن يحصلوا على نتيجة من ذلك. وكان المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله يواصل دروسه طوال العام في حوزة سامراء، سواء في الصيف أو الشتاء. وقد أخبرنا والدنا (آية الله العظمى السيد الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي قدّس سرّه) بناءً على نقل طلاب المرحوم المجّدد الشيرازي الكبير رحمه الله، أنّه كان يوقف الدروس فقط في شهر ذي الحجة، وكانت هذه العطلة ليست للراحة، بل لإتاحة الفرصة للطلاب لأداء الزيارات، حيث أنّ شهر ذي الحجة يتضمّن زيارات مهمّة مثل: زيارة عرفة، وزيارة عيد الأضحى، وزيارة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في يوم عيد الغدير. ونظراً لأنّ السفر من سامراء إلى الكاظمية، وكربلاء، والنجف كان يستغرق عدّة أيام ويكون عبر الدواب، كان الطلاب بحاجة إلى شهر كامل لإتمام السفر والعودة، ولذلك كان يتم تعطيل الدروس في هذا الشهر فقط.

أخلاق ومرجعية المجدّد الشيرازي

لقد كان المجدّد الشيرازي الكبير معروفًا بأخلاقه الخاصّة ومرجعيته الفريدة في سامراء، وقد استطاع أن يحصل على أعلى مكانة بين الناس. وفي هذا السياق، يروي المرحوم آية الله السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله في كتابه (أعيان الشيعة) قصة تُظهر شخصية وسلوك المجدّد رحمه الله. ويبدو أنّ المرحوم السيد محسن رحمه الله كان مقيماً في النجف الأشرف ولم يتسنّ له حضور دروس المرحوم المجدّد رحمه الله في سامراء. وفي يوم من الأيام، سافر إلى سامراء وزار بيت المرحوم المجدّد الشيرازي رحمه الله. وفي هذا السياق، ذكر تعبيراً لم أجد مثله فيما يتعلّق بأي مرجع آخر. فقد كان الناس في بيت المجدّد رحمه الله يحظون باحترام شديد، لدرجة أنّ المرحوم السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله ذكر أخلاق خادم المجدّد رحمه الله بشكل جيّد للغاية، وهذه ملاحظة غير مألوفة، لأنّ الخدم عادة ما يسمحون لبعض بالدخول إلى مجلس العالم بينما يرفضون آخرين، وقد يتمّ رفض طلبات بعض الأشخاص للقاءه بذريعة مرضه، ولكن خادم المجدّد رحمه الله، الذي كان يُدعى نصر الله، كان يتمتع بأخلاق عالية لدرجة أنّه نال الثناء والاحترام، وذكره السيد محسن الأمين رحمه الله في كتاب (أعيان الشيعة) بكل احترام.

خدمات للمجدّد الشيرازي لم تُذكر

لم يك للمرحوم المجدّد الشيرازي الكبير تأثير فقط في علم الفقه والمرجعية بل كذلك في القضايا الاجتماعية والسياسية. وسوى حادثة تحريم التبغ، مرّت فترة حياته بأحداث كبيرة أخرى التي رغم أهميتها لم تكتسب الشهرة اللازمة مثل حادثة تحريم التبغ. وإحدى تلك الحوادث تتعلق بقضية في أفغانستان. ففي فترة حكم حاكم ظالم على أفغانستان وكان يظلم الشيعة ويعتدي على بناتهم ويقتل رجالهم بطرق وحشية، فتدخّل المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله وقام بإجراءات فعّالة لإيقاف ذلك الحاكم الظالم عن التعرّض للشيعة. وعلى الرغم من أنّنا لا نستعرض تفاصيل تلك الحادثة هنا، إلاّ أنّه يمكن الرجوع إلى الكتب التاريخية للحصول على مزيد من المعلومات حول تلك الواقعة.

مقايضة جميلة

على أي حال، يروي المرحوم سيد محسن الأمين العاملي رحمه الله في كتابه قصة تتعلق بالعالم الفاضل الذي كان في السابق طالب علم مع المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله في النجف، الذي ترك النجف ليتوجّه إلى مدينة الدجيل لتعليم الناس المعارف الدينية. فيذكر السيد محسن الأمين العاملي رحمه الله بأنّه في يوم من الأيام سافر ذلك الشيخ لزيارة سامراء، ورفع المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله يديه إلى الله وقال: إذا كانت قد خصّصت لي أي أجر أو ثواب مقابل جميع الخدمات الدينية والعلمية التي قدّمتها للمجتمع، فسيكون من دواعي سروري أن يتمّ تبادل ذلك الأجر مع ثواب الشيخ الذي ذهب إلى الدجيل ليعلّم الناس أمور دينهم. وصدرت تلك الكلمات عن المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله في وقت كان من كبار فقهاء تاريخ الشيعة، وبذلك لم يك ليتكلّم بلا حساب أو تدبير.

فرصة لا مثيل لها

شهر رمضان العظيم هو فرصة مناسبة للتحضير لتلك الأمور الدينية والروحية، على الرغم من سائر الأيام الأخرى التي يمكن فيها العبادة والتقرّب إلى الله، إلاّ أنّ الجو الروحي الخاص للشهر الفضيل، أكثر من باقي الأشهر، فإنّه شهر يدفع الإنسان للتفكير في أصدقائه وأقاربه والمقرّبين إليه.

في السياق المذكور، وبمناسبة نقل قصة المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله وذلك الشيخ الفاضل، أودّ أن أشير إلى نقطة حول المرحوم صاحب الجواهر. ففي مقدّمة كتاب (جواهر الكلام)، تمّ الإشارة إلى أنّ صاحب الجواهر أمضى أكثر من خمسة وعشرين عاماً في كتابة عمله القيّم. ومنذ بداية الغيبة الكبرى وحتى عصر صاحب الجواهر، قام المئات من فقهاء الشيعة بكتابة كتب فقهية، ولقد رأيت العديد من تلك الكتب في المكتبات المختلفة، وإذا أردتم، يمكنكم العثور على فهرس تلك الكتب في كتاب (الذريعة) للمؤلّف المرحوم الشيخ آقا بزرك الطهراني رحمه الله. وكانت أعمال الكثير من الفقهاء الذين كتبوا في الفقه الكامل أقلّ حجماً من (جواهر الكلام)، مثل كتاب (الرياض) الذي، بالمقارنة مع الجواهر، له حجم أصغر، أو (شرح اللمعة) الذي على الرغم من أنّه كامل، إلاّ أنّه يعتبر مختصراً نسبيّاً. ومن ناحية أخرى، كتب بعض الفقهاء أعمالاً مفصّلة وموسّعة، مثل (الجواهر) و(ذرائع الأحلام) و(الحدائق) أو (المستند) للمرحوم النراقي رحمه الله، لكنّهم لم يتمكّنوا من إنهاء أعمالهم لأنّه وافاهم الأجل. وفي هذا في السياق، ومنذ ما أعيه، وخلال الألف عام الماضية، كان الوحيد الذي استطاع كتابة فقه كامل وموسّع بشكل كامل هو صاحب الجواهر رحمه الله، ومع ذلك، سمعت أنّ المرحوم الشيخ عبد الله المامقاني رحمه الله كان قد وضع دورة فقهية كاملة، وتم نشر بعض من مجلّداتها مثل (الصوم) و(الزكاة)، لكنّني لا أملك معلومات دقيقة عن مدى توسّع هذه الدورة.

ما تمنّاه صاحب الجواهر

علماً بأنّ المرحوم العلامة الحلّي رحمه الله كان من بين فقهاء الشيعة الذين تركوا آثاراً كثيرة، أيضاً، لكن بين أعماله، هناك عملين فقهيين كاملين، إلاّ أنّها قد كُتبا بشكل مختصر، ولا يتمتعان بالطول والتفاصيل مثل (جواهر الكلام)، ولم يك عمره كافياً لجمع عمل بحجم (الجواهر)، وكانت بعض أعماله مثل: (التكملة) وغيرها، غير مكتملة، كما أنّ بعض كتبه الأخرى مثل (التبصرة) كتبت بشكل مختصر ولم تك استدلالية. وعلى أي حال، تم في مقدمّة الكتاب المكوّن من ثلاثة وأربعين مجلّداً وهو (الجواهر) الذي هو متاح اليوم، الإشارة إلى شخص شيعي عاش قبل صاحب (الجواهر) بحوالي أربعين أو خمسين عاماً، ولم يك من أهل العلم، بل كان شاعراً وأديباً، واسمه محمّد كاظم الأزري رحمه الله، وقد نظّم قصيدة تدعى (الأزريه)، التي يُقال إنّها كانت تتكون من ألف بيت، على الرغم من أنّ جزءاً منها قد ضاع، وبقي فقط بعض أبياتها. وتحتوي القصيدة على خلاصة من عقائد أهل البيت عليهم السلام، ومن الناحية الأدبية تُعتبر من الأعمال الفاخرة؛ حيث يظهر فيها التولّي والتبرّي. وفي مقدّمة كتاب (الجواهر)، نقل المرحوم الشيخ عباس القمّي رحمه الله وآخرون عن صاحب (الجواهر) قوله: سأكون سعيداً إذا منحني الله تعالى في يوم القيامة ثواب قصيدة الأزرية، وأعطى ثواب كتاب (الجواهر) للأزري. علماً بأنّ صاحب (الجواهر) لم يك شخصاً عادياً، ولا فقيهاً عادياً، بل كان من أبرز فقهاء تاريخ الشيعة، وهذا ما تم ذكره في مقدّمة (الجواهر) من عدّة أشخاص، بما في ذلك المرحوم الشيخ عباس القمّي، وقد قرأت ذلك في كتاب (الكنى والألقاب) للمرحوم الشيخ عباس القمّي رحمه الله.

إنّ الهداية والإرشاد للناس هي رسالة تحمّلها الأنبياء والأولياء، وإنّ إنقاذ الناس من مشاكل وآلام الآخرة هو أسمى هدف يمكن للإنسان أن يسعى لتحقيقه، ويجب علينا اليوم أن نؤدّي واجبنا في بيان ثقافة ومعارف الدين وأهل البيت عليهم السلام، سواء قبلها الآخرون أم لا، كما ورد في القرآن الكريم: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

شهر نشر معارف القرآن وأهل البيت عليهم السلام

شهر رمضان العظيم هو فرصة لا مثيل لها لنشر ثقافة القرآن وأهل البيت عليهم السلام، ويجب في هذا الشهر، على كل شخص أن يخطو خطوة نحو نشر المعارف الدينية بقدر استطاعته. ويتحمّل العلماء هذه المسؤولية الكبرى في نشر حقائق الدين، وأولئك الذين ليسوا من أهل العلم يمكنهم دعم هذا الجهد مالياً من خلال دعم إقامة المجالس الدينية، وإنشاء الحسينيّات، وتأسيس مؤسسات علمية ودينية. ويمكن للأغنياء أن يساهموا في هذا الطريق من خلال إنفاق أموالهم، بينما يمكن للآخرين أن يساهموا بتشجيع وتحفيز الآخرين على المشاركة، وبذلك يمكن لكل فرد أن يساهم في نشر المعارف الإلهية.

دور العالم في قوام الدين والدنيا

يوجد في الكتاب القيّم (نهج البلاغة) حديث معروف ذكره الخطباء والوعّاظ مراراً، وهو قول الإمام صلوات الله عليه: (قِوامُ الدّينِ وَالدُّنيا بِأَربَعَةٍ: عالِمٍ مُستَعمِلٍ عِلمَهُ) وهذا يعني أنّ استقرار الدين والدنيا يعتمد على أربعة أمور، وأحد أهم هذه الأمور هو العالم الذي يعمل بعلمه.  والعالم ليس فقط من يعرف بعض المسائل الفقهية أو لديه معلومات محدودة عن الدين، بل هو من وقّف عمره لتعلّم علوم أهل البيت عليهم السلام، من المعتقدات إلى الأخلاق، والأحكام، وتاريخ الأنبياء والأئمة عليهم السلام. وعندما نتحدّث عن العالم، فنقصد الشخص الذي يتعلّم تلك العلوم ويعمل بها كما قال مولانا الإمام الرضا عليه السلام: (يَتَعَلَّمُ عُلُومَنَا)، ولكن الأهم من المعرفة هو العمل، فالعالم الذي لا يطبّق علمه، لا يعود نفعه لا عليه ولا على الآخرين، لذلك من يتعلّم معارف أهل البيت عليهم السلام يجب عليه أولاً أن يلتزم بها بنفسه.

كيف تؤثّر الموعظة على القلوب؟

سألني أحد الوعّاظ: كيف يمكننا جعل كلامنا مؤثّراً؟ فأخبرته بما جاء في أحد الأدعية المنسوبة إلى مولانا الإمام الهادي عليه السلام، الذي رُوي لعّدة أيام من السبت إلى الثلاثاء، وطلبت منه أن يعمل بما فيه، وهو: (اللّهُمَّ اجْعَلْ مَا نَقُولُ بِأَلْسِنَتِنا نِيَّةً فِي قُلُوبِنا). فيجب أن نطلب من الله تعالى بأن يكون ما نَتَفَوَّه به على ألسنتنا نابعاً من أعماق قلوبنا وبنيّة صادقة. وقلت للواعظ: كلما خطبت أو وعظت، في تلك اللحظة، قرّر في قلبك أن تعمل بما تقوله، فإذا هكذا كان الأمر، فإنّ كلامك سيكون مفيداً لك أكثر، وستزداد فاعليته، لأنّ: الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب. ونشر الدين وتعميم معارف أهل البيت عليهم السلام هو واجب على الجميع طوال العام، ولكن شهر رمضان العظيم هو فرصة استثنائية ومميّزة لهذا الأمر. ففي الشهر الفضيل، تكون القلوب أكثر استعداداً والطبائع أكثر يقظة، وستكون تأثيرات الكلام الحقّ مضاعفة، ولذا يجب أن نستغل هذه الفرصة أكثر من أي وقت مضى ونعمل على نشر حقائق الدين.

الخطاب العام

تكرّر في القرآن الكريم مراراً عبارة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، وعلى الرغم من أنّني لم أقم بحساب العدد الدقيق لها، إلاّ أنّ تكرارها يدلّ على الخطاب العام والشامل الذي أعدّه الله سبحانه وتعالى لهداية البشرية. وقد خاطب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في خطبته في غدير خم، التي ألقاها عند العودة من حَجّة الوداع، الناس مراراً بعبارة (مَعَاشِرَ النَّاسِ). وفي نهج البلاغة، استخدم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام تعبير (أَيُّهَا النَّاسُ) في العديد من خطبه. وحتى السيّدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، عندما ألقت خطبتها في مسجد النبي صلى الله عليه وآله في حضور مجموعة من المهاجرين والأنصار، قالت مراراً: (أَيُّهَا النَّاسُ) وكان الحضور في ذلك المجلس من المسلمين فقط؛ ولم يك فيهم نصراني، ولا يهودي، ولا مجوسي، ولا عبدة أصنام، ولا عبدة الشمس، ولا منكرون للدين. فما هو المقصود بـ(الناس)؟ ومن هم الذين يخاطبهم القرآن الحكيم وأهل البيت عليهم السلام؟

إنّ كلمة (الناس) في خطابات القرآن الكريم وسيّدنا رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين ليست مقتصرة على فئة معيّنة من الناس في تلك الفترة، بل هي دعوة موجّهة إلى جميع البشر. ويقّدر اليوم عدد البشر بحوالي ثمانية مليارات نسمة، ونتساءل: هل وصلت هذه الدعوة في القرآن الكريم، التي نزلت منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، إلى جميع البشر؟ وهل وصلت رسالة النبي صلى الله عليه وآله التي ألقاها في غدير خم بعبارة (مَعَاشِرَ النَّاسِ) إلى جميع البشر؟ وهل وصلت كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، التي كانت تبدأ بـ(أَيُّهَا النَّاسُ)، إلى جميع الناس؟ هل وصل خطاب السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، التي خاطبت الناس بتلك العبارة، إلى جميع البشر؟ فمن المؤكّد أنّه حتى اليوم لم يتحقّق ذلك. فمن الذي يجب أن يحمل هذه الرسالة؟ ومن هم المسؤولون عن إيصال هذه الرسالة؟ وما هي مقدّمات تحقيق هذا الأمر؟

يقول مولانا الإمام الرضا عليه السلام: (فإنّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتّبعونا).

كما أمرنا القرآن الكريم في دعوته، علينا أن نتبع أسلوب البلاغ المبين، والبلاغ يعني الإيصال، والمبين يعني الواضح والمقنع، فإذا وصلت الرسالة بطريقة واضحة، ومقنعة ومؤثّرة إلى الجميع، فسيُفتح الطريق للهداية أمام الجميع.

وجوب الإيصال للعالمين

ثقافة أهل البيت عليهم السلام هي ثقافة القرآن الكريم نفسها وثقافة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله نفسها، وهي واجب كفائي يجب أن تُوصل إلى جميع البشر. ففي يوم إعلان ولاية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في غدير خم، توجّه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحاضرين وقال: (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ) وهذا التكليف ليس محصوراً في زمان ومكان معيّنين، بل هو واجب دائم ومستمر.

إذن، أليس من الواجب أن تصل هذه الرسالة إلى الكفّار، والمشركين، وعبدة الفئران، وعبدة الأبقار، وكل أولئك الذين لم يعرفوا الحقّ بعد؟ فهؤلاء جميعهم بشر، ولقد منحهم الله العقول وهم يبحثون عن الحقيقة. فلذا، ومن دون شكّ، فإنّ توصيل رسالة القرآن الحكيم وأهل البيت عليهم السلام هو واجب كفائي، ولا يوجد أيّ شكّ في هذا الأمر. فهل اكتفينا بما تم؟ وهل وصلت رسالة القرآن الكريم، ورسالة النبي صلى الله عليه وآله، ورسالة أهل البيت عليهم السلام إلى جميع سكّان الأرض الذين يبلغ عددهم ثمانية مليارات اليوم؟ والجواب هو: لا، لم تصل بعد. وهل يكفي ما تمّ نشره حتى الآن؟ بالتأكيد لا. فإذا كانت هذه الرسالة قد وصلت إلى الجميع، لما كنّا بحاجة إلى هذه الجهود المستمرة، ولكن، لا يزال الكثير من الناس في أنحاء العالم غير مدركين لحقيقة الإسلام وتعاليم أهل البيت عليهم السلام.

إذن، ما هي الواجبات الآن؟ وما هي المقدّمات اللازمة لتحقيق ذلك الهدف؟

مقدّمات التبليغ العالمي

كل فرد مسؤول بحسب استطاعته عن نشر تلك الثقافة، وكل ما يمكن أن يساعد في تحقيق ذلك الهدف فهو مقدّمة لتلك الواجبات. ومن بين المقدّمات توسيع الحوزات العلمية لتدريب علماء دين أكثر يمكنهم نقل تلك الرسالة إلى الناس، وزيادة الوسائل الإعلامية الدينية هي مقدّمة أخرى، من خلال إنشاء ودعم القنوات الفضائية، وطباعة وتوزيع الصحف والمجلاّت والكتب التي تشرح التعاليم الدينية للناس، وغيرها من وسائل الإعلام والتبليغ التي تهدف إلى نشر رسالة أهل البيت عليهم السلام عالمياً، فيجب أن نركّز على هذه الجهود. والاهتمام بهذه الأمور واجب لأنّه يشكّل مقدّمة للواجبات العينية. بمعنى آخر، إذا لم تُنفذ هذه الأعمال، فإنّ دعوة الدين ستظلّ ناقصة، وبالتالي ستكون المسؤولية على عاتقنا جميعاً، وهذه الأمور أمور قطعية ومؤكّدة يجب تنفيذها.

على من يجب العمل؟

لقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وآله في يوم غدير خم، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام قوله ووصيّته، ولكن هذه الرسالة لم تصل إلى جميع الناس بعد. وإذا مرَّ ألف وخمسمائة عام أخرى ولم تصل هذه الرسالة، فمن سيكون المسؤول؟ وإذا كان من لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فهو معذور، لكن يجب أن لا يقصّر أحد في بذل الجهد إذا كان قادراً، وهذه مسؤولية تقع على عاتق كل من لديه القدرة.

أحد أصدقاء المجدّد الشيرازي الكبير رحمه الله، وكان من الفضلاء، قام بالسفر إلى مدينة الدجيل، وربّى فيها رجالاً صالحين ومؤمنين، ولا أستطيع أن أقول بإنّ أهل الدجيل كانوا أكثر تديّنًاً من أهل النجف الأشرف أو كربلاء المقدّسة، لكنّني أعرف أنّ الدجيل كانت مدينة ذات أهل مؤمنين، ومنطقة شهدت الكثير من الصعوبات في التاريخ، وخاصة في العصور الظالمة الماضية، حتى أنّ الظالم الذي ارتكب مجزرة هناك قد حُكم عليه بالإعدام. وكان يعقد في المدينة مجالس دينية وكان الناس ملتزمين بالتعاليم الدينية. وبدلاً من أن يبقى في مكانه، قرّر ذلك الفاضل أن يذهب إلى الدجيل وينشر الدين ويعلّمه، وحقّق نتيجة عظيمة. والسفر هو أحد طرق نشر الدين في مناطق مختلفة، لكنه ليس الطريقة الوحيدة، فكل شخص له واجب: بعضهم يجب أن يتعلّم، وبعض يجب أن يلقي الخطب، وبعضهم يجب أن يكتب، وبعض يجب أن يدعم مالياً، وبعض يجب أن ينشئ وسائل إعلامية تبليغية. فكل شخص مسؤول بحسب استطاعته.

علماً بأنّه يوجد العديد من الواجبات العينية، وبعضها متعارضة ويجب الاختيار بينها، لكن نشر الدين هو واحد من تلك الواجبات العينية، والمهم هو أن يساهم كل شخص بقدر استطاعته في ذلك المسار. وإذا لم نتعامل مع تلك المسؤوليات بجدّ، فمن سيكون مسؤولاً عن إيصال رسالة الإسلام للعالم؟

منزلة الحارث بن المغيرة

من أهم النقاط التي وردت في روايات أهل البيت عليهم السلام هو دور العلماء في هداية المجتمع وتأثير أعمالهم على الناس. ويعلم العلماء أنّه بين الآلاف من الرجال الذين كانوا من أصحاب المعصومين عليهم السلام، لم يتم توثيقهم جميعاً، وإنّما تمّ توثيق بعضهم فقط بكلمة (ثقة). ومن بين اولئك، تمّ توثيق بعضهم بتأكيد خاص، ومنهم الحارث بن المغيرة، الذي وصفه علماء الرجال بأنّه (ثقة وثقة)، أي إنّ توثيقه مقبول دون شكّ وبتأكيد.

في حديث صحيح السند، نقل أنّ مجموعة من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام كانوا في حضرته، فقال لهم: «أما لكم من مفزع؟ أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟ ما يمنعكم من الحارث بن المغيرة؟»، أي هل ليس لكم ملجأ؟ وهل ليس لكم مكان تجدون فيه الراحة؟ فما الذي يمنعكم من الحارث بن المغيرة؟

كلمة (مفزع) مشتقة من (فزع)، التي تعني الملجأ أو المكان الذي يلجأ إليه الشخص عند الخوف أو الاضطراب، مثلما يلجأ الطفل إلى اُمّه عند الخطر، أو الشخص الذي يواجه هجوماً من أسد ويبحث عمّن ينقذه. والفزع في المصائب أمر مكروه إلاّ في مصيبة الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته عليهم السلام. وذلك الوصف يظهر المقام الرفيع للحارث بن المغيرة، حيث قدّمه الإمام الصادق عليه السلام كمصدر موثوق وملجأ للآخرين. وتثبت هذه الرواية الصحيحة السند المكانة العالية للحارث بن المغيرة عند أهل البيت عليهم السلام.

مسؤولية العلماء عن ذنوب الناس!

في مصادر عديدة مثل: الكافي، ووسائل الشيعة، وبحار الأنوار، وكذلك في سرائر ابن إدريس، توجد رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ذات أهمية خاصّة، وهذه الرواية لها عدّة أسانيد معتبرة، وبعضها صحي، ويرويها الحارث بن المغيرة، الذي كان من أصحاب الإمام الباقر، والإمام الصادق والإمام الكاظم صلوات الله عليهم ، وكان من أهل البصرة، ويقول:

كنت ذات يوم في الطريق، وكان الإمام الصادق عليه السلام قادماً من جهة أخرى. وعندما التقينا، قال لي الإمام دون أن أسأله: «لأَحمِلَنَّ – أو لأُحَمِّلنَّ – ذنوبَ سفهائِكم على علمائِكم»، أي إنّني سأحمل ذنوب الجهلة منكم على علماءكم. وبذلك، فإنّ ذنوب الشباب وغيرهم، من أهل وعيال وجميع الناس الجهلة، سواء كانت كذباً، أو زناً، أو غشّاً في البيع، أو سرقة، أو اغتصاباً، أو أي ذنب آخر، ستكون على عاتق العلماء في المجتمع.

يقول الحارث بن المغيرة إنّه تفاجأ من كلام الإمام صلوات الله عليه، وتساءل في نفسه: كيف يمكن أن يخطئ الجاهل، وتُلقى المسؤولية على العلماء؟ أليس في القرآن الكريم: «وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وَزْرَ أُخْرَى»؟! لكن بعد التفكير، ذهبت إلى الإمام وقلت له: «يا ابن رسول الله، ماذا قلت لي آنفًا؟!» فأجاب الإمام صلوات الله عليه تأكيداً: «نعم»، أي نعم، كما قلت.

لماذا يتحَمَّل العلماء خطايا الناس؟

تُظهر الرواية المذكورة بأنّ العلماء يتحمّلون مسؤولية كبيرة في المجتمع. فعندما يرتكب الجهّال الذنوب، فإنّ ذلك يكون بسبب تقصير العلماء أو إهمالهم في هداية المجتمع وإصلاحه. ويشكّل العلماء بكلماتهم وأفعالهم الجو الثقافي في المجتمع، وإذا انحرف هذا الجو الثقافي، فهذا يدلّ على ضعف العلماء في نشر الدين بشكل صحيح. وكما هو وارد في رواية الإمام الصادق عليه السلام، إذا بقي المجتمع في الجهل ولم يتعلّم الدين، فإنّ العلماء يتحمّلون المسؤولية، لأنّ مهمتهم ليست فقط تعليم الدين، بل وتوجيه المجتمع نحو الطريق الصحيح أيضاً. فمسؤولية العلماء هي أنّهم ليسوا فقط ناشرين للدين، بل كذلك يجب عليهم توفير الأرضية المناسبة والتهيئة لهداية الناس، فهم يؤثّرون بشكل مباشر وعميق على ثقافة الناس وسلوكهم. وعلى الرغم من أنّ الناس يجب أن يتحمّلوا مسؤولية أعمالهم، فإنّ العلماء يتحمّلون جزءاً من المسؤولية إذا لم يستطيعوا توجيههم بشكل صحيح، لأنّهم المسؤولون عن نشر علم الدين وتوضيحه بشكل سليم.

تأثير سلوك العالِم في المجتمع

قام النبي صلى الله عليه وآله بدعوة المشركين إلى الإسلام، فأسلم الكثير منهم وتركوا الشرك، ولكن في وسط هؤلاء، أصبح بعضهم منافقين، وهم الذين كانوا في البداية في صفّ المعارضة للإسلام، ولكنهم بسبب هداية النبي صلى الله عليه وآله، أسلموا ظاهرياً، لكنّهم كانوا في باطنهم منافقين. والنقطة الهامة هنا هي أنّ نفاق اولئك لم يك مسؤولية النبي الكريم صلى الله عليه وآله، لأنّه صلى الله عليه وآله قد أتم واجبه بشكل كامل، وقد بلّغ الرسالة بوضوح وبيان، وكانت مهمّته نشر الرسالة وهداية الناس إلى الطريق الصحيح، ولم يقصّر في ذلك.

أما بالنسبة للعلماء، فالأمر يختلف قليلاً، فعلى العلماء أن يقوموا بنقل رسالة الدين، ولكنهم مطالبون بتوفير الأرضية المناسبة والتهيئة اللازمة لهداية الناس، أيضاً.

يوجد حديث أخلاقي جَميل في هذا السياق يقول: (أزهد الناس في العالم أهله) أي أقلّ الناس إقبالاً على العالم هم أهل بيته، فلماذا هكذا يكون؟ ربما لأنّ أهل العالم هم أكثر الناس دراية بنواقصه وسلوكياته، والناس من خارج بيته يعرفون العالم من خلال كلامه ومظهره ويحترمونه، لكنّ أهل بيته يعرفون كل تفاصيل حياته، وقد يرون الفرق بين ما يقوله وما يفعله. فإذا كان العالم مؤثّراً في المجتمع لكنّه يعاني من ضعف في بيته، فإنّ هذا يُعدّ نقصاً. فيجب على العالم أن يكون قدوة أخلاقية ودينية في كلا المجالين، في المجتمع وفي بيته. وشهر رمضان العظيم فرصة ذهبية للإصلاح والنمو الروحي. ويجب ألا يقتصر هذا الشهر على الصيام فقط، بل يجب أن يكون فرصة لتصحيح السلوك. فمن المؤسف أن يمرّ يوم واحد من الشهر الكريم دون الاستفادة منه على أكمل وجه. لذلك، يجب على العلماء الدينيين أن يغتنموا هذه الفرصة ويعملوا على إصلاح أنفسهم وإصلاح المجتمع.

واجبان عينيّان

كما ذكرت سابقاً، هناك واجبان عينيان على كل إنسان: الأول هو تزكية النفس، وهو واجب عيني أساسي، فيجب على كل شخص أن يعمل على نفسه ويحرص على التزكية والتقوى. وأما الثاني فهو إرشاد الآخرين، الذي يكون في البداية واجباً كفائياً، ولكن لأنّه لا يتوفّر من فيه الكفاية دائماً، فيتحوّل إلى واجب عيني في كثير من الأحيان.

اليوم، وبعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام، لم تصل رسالة (معاشر الناس) من سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الجميع، ومن المحتمل أنّه حتى بعد مئة سنة لن تتحقّق تلك الغاية. فما هي مسؤوليتنا في هذه الحالة؟ هل يمكننا أن نقول إنّ هذا ليس من واجبنا؟ وهل يمكننا أن نتنصل من المسؤولية؟

إذا كان شخص ما قاصراً، أي ليس لديه القدرة على أداء الواجب، فهو معذور، ولكن إذا كان الشخص قادراً على أداء الواجب وقرّر التقاعس عن أداء المسؤولية، فإنّه سيكون مقصّراً أمام الله سبحانه وتعالى. ولذلك، يجب على كل شخص أن يساهم في هذا الطريق بقدر استطاعته: فبعضهم بقلمه، وبعضهم بالوعظ وبالكلام في الإرشاد، وبعضهم يكون قدوة في سلوكه وفعله، وآخرون يساهمون في تشجيع الآخرين على السير في طريق الهداية.

تأثير التربية الدينية على الأطفال

أريد أن أشارككم هذه النقطة من خلال نقل خاطرة عن والدي رحمه الله. ففي أواخر عمره كان يعاني من مرض شديد، وكان يعاني في المساء لكل ليلة من الألم لدرجة أنّه لم يستطع النوم. وحتى في الصباح الباكر، عندما كان جسده يهدأ قليلاً، لم يك يتمكّن من النوم. وفي إحدى المرّات، كان وضعه الصحّي في وقت صلاة الفجر سيّئاً لدرجة أنّه لم يكن قادراً على الوضوء، واقترب وقت شروق الشمس، لكنه لم يشعر بتحسّن، وقام وبصعوبة شديدة بالتيمم، لكنّه لم يكن قادراً على أداء ركعتين من الصلاة، ونطق بـ(الله أكبر) مرّتين فقط، وكان كل تكبيرة تتقطع إلى ستة أجزاء بسبب ضعفه وعدم قدرته على النطق بها مرّة واحدة. وبعد تحسّن حالته نسبيّاً، سألته: لماذا لم تتمكّن من النوم في مثل تلك الحالة؟ فأجابني: ذلك بسبب تربيتي في طفولتي، حيث كانت اُمّي توقظني في السحر من أجل صلاة الليل، وكانت تجلسني بجانبها وتقول لي: انظر إليّ، وكانت تعطيني بعض الحبّات من الحمص المطبوخ وتقول لي: كل واحدة تلو الأخرى، ولا تأكلها دفعة واحدة، وكانت تشدّد على أن ابتلع كل حبّة بعد أن أمضغها جيّداً، ثم آخذ الحبّة التالية، وكانت تهدف من ذلك أن أطيل وقت الطعام لكي أظل مستيقظاً بجانبها حتى نهاية صلاة الليل، وكان هذا جزءاً من تربيتها لي. وهذه هي ثمرة التربية الدينية الصحيحة التي تبقى تأثيراتها في الروح حتى في مرحلة الشيخوخة أو أثناء المرض. ويمكننا نحن كذلك أن نحقّق مثل هذه النتائج من خلال سلوكنا الصحيح، وكل منّا يمكن أن يساهم في ذلك بطرق مختلفة.

فضيلة الشهر وأهمية الورع

في الخطبة التي رواها مولانا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، تمّ ذكر العديد من الفضائل المتعلقة بشهر رمضان العظيم، حيث تناولت الخطبة ما بين ستة عشر إلى ثمانية عشر نقطة عن فضل الشهر العظيم. وفي نهاية الخطبة، سأل أمير المؤمنين عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله عن أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فأجاب صلى الله عليه وآله قائلاً: (الورع عن محارم الله)، أي إنّ أفضل الأعمال في شهر رمضان العظيم هو اجتناب المحرّمات الإلهية.

كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الخطبة نفسها: (ومن أدّى فيه فرضاً، كان له ثواب من أدّى سبعين فرضاً في غيره من الشهور)، أي أن من يؤدّي عملاً واجباً في شهر رمضان العظيم، سيكون له ثواب من يؤدّي سبعين عملاً واجباً في الشهور الأخرى. وبناءً على ذلك، إذا تمّ أداء صلاتي الظهر والعصر في شهر شعبان، فإنّ مجموعها سيكون خمسين أو ستين صلاة تقريباً، بينما في شهر رمضان العظيم، كل صلاة واجبة تعتبر كأنّها سبعون صلاة في الشهور الأخرى. وبالإضافة إلى الصلاة والصوم، فإنّ دعوة الناس إلى الدين وهدایتهم هي واجب أيضاً ويجب ألا نغفل عنه، كما ورد في الرواية بأنّه إذا لم يقم علماء الدين بالتبليغ بشكل صحيح ولم يوفّروا مقدّمات هداية الناس، فإنّ خطايا الجاهلين ستكون على عاتقهم. ولذلك، من الأفضل أن نستفيد من هذه الفرصة العظيمة في شهر رمضان العظيم لأداء الواجب، وأن نغتنم الأجر الكبير الذي يعطينا الله تعالى إيّاه في الشهر الفضيل، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفًقنا جميعاً للاستفادة من الشهر العظيم.

أرجو من جميعكم، سواء الذين حضروا في هذا التجمّع أو الذين سيستمعون إلى كلامي لاحقاً، أن ترفعوا أيديكم بالدعاء لي وللجميع.

وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين.