LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: أئمة العدل في المنظور الإسلامي الصحيح
رمز 50708
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 12 رمضان العظيم 1446 - 13 مارس 2025

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

إمام العدل، من وجهة نظر أمير المؤمنين صلوات الله عليه:

ورد في الحديث الشريف عن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه في وصف الإمام العادل أنه قال: (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ)(1)

بمعنی أن الإمام العادل الذي یرفض أن یکون إمام جور وظلم وإمام دنیا، علیه أن یعیش بمقدار ما یعیشه ضعفاء الناس في مأکلهم ومشربهم وملبسهم، وبمقدار ماینفقونه في سفرهم ومختلف شؤونهم الحیاتیة و (أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ اَلنَّاسِ)، أی یعیشوا بمستوی الطبقة الضعیفة من الناس من الناحیة الإقتصادیة، والفقراء هم طبقة معدومة في المجتمع، لیس دونهم طبقة.

ثم ذكر الإمام عليه السلام سبب أن یعیش الإمام بمستوی الفقر، معللاً (كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ) وکلمة (كي) هي بيان تعليل وبيان السبب.

والتبيّغ بمعنى الهيجان وهو أن لايهيج بالفقير الفقر، بمعنى أن يرى الفقير أن عِيشة إمام المسلمين مثل عيشته من ملبسه ومأکله وفراشه الذي يسكن عليه، فيعیش ویسافر ویأکل مثل ضعاف الناس.

وإذا كان إمام المسلمين یعیش بهذه الطریقة، فالفقير لا يضغط عليه فقره ولايهيج عليه ضیق عیشه، (كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ).

هذا المنهج الذي یجب علی إمام العدل إتباعه في المعیشة هو منهج ومنطق الفرض الإلهي أيضاً، فالإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: (إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ اَلْعَدْلِ) فالفرض الإلهي على الإمام هو الملاك في الإسلام في الإمام العادل، وهکذا فهو منطق ومنهج سيد الأوصياء أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي عبّر عنه القرآن بنفس رسول الله في آية المباهلة إذ قال: (وَأَنْفُسَنَا)(2).

العادل حقّاً

نقل الأصبغ بن نباتة أحد الأصحاب المقرّبین لأمير المؤمنين علیه السلام: أن الإمام صلوات الله عليه قال ذات يوم: (هذه أشمالي وراحلتي ورحلي أتيت بها ولو خرجت من عندكم بغيرها لكنت من الخائنين)(3).

ولو راجعنا معنی هذا الحدیث الذي جاء في کتب التأریخ، فالأشمال هي الملابس التي کان الإمام یرتدیها، فقد عاش أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في المدينة المنورة، لکنه غادرها في السنوات الأخیرة من عمره الشریف بسبب الحروب الثلاث الظالمة التي فرضت عليه فاضطر لدخول الكوفة وبقي فيها سنوات حتى قضی شهیدا.

فالأصبغ بن نباتة ينقل أن أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أشار إلى ثيابه، حیث قال: (هذه أشمالي أتيت بها) بمعنى أنه لم يشترها من الكوفة ولیس من المدينة المنورة، وأضاف (راحلتي ورحلي) فالراحلة هي الفرس بمعنى و (الرحل) حوائج الإنسان التي يعيش فيها.

فقال (أشمالي وراحلتي ورحلي) قد أتيت بها من المدینة ولم أشترها من الكوفة، ولو أني تملّکت بأکثر منها في نهایة عمري کأن حصلت على راحلة ورحل وأشمال أخرى (لكنت من الخائنين).

وحسب منطق الإسلام فإن خيانة إمام المسلمين تكون بهذا المستوی.

وهذا الكلام يمكن حمله إلى العالم بإفتخار وشموخ وإعتزاز، فهذا إمامنا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول بالمضمون أن إمام المسلمين مفروض عليه من قبل الله تعالى أن يعیش بهذا الشکل، فإن لم يكن بهذا الشکل يعتبر خائناً. وعلیه أن يكون واحداً من المسلمين بل واحداً من ضعاف المسلمين (كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ)، وعلیه أن یقیس نفسه بالطبقة الضعيفة من الناس.

هذا هو منطق الإسلام الصحيح ومنطق إسلام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام)، ولو عُرض هذا المنطق على عالم اليوم البالغ سبعة مليارت فإن الكل يحترم هذا المنطق والكل يرى فیه العدل والمساواة، فلا یستطیع أحد من الإفراط والإسراف في العیش.

فإمام المسلمين هو إمام لنفسه ولله تعالى، ويأخذ أجره وثوابه من الله تعالى.

علماء وفقهاء عاشوا کأئمة عدل

ورد في التأريخ أسماء مجموعة من علماءنا ومراجعنا الماضين وقد شهدت بعضهم، عاشوا حیاة بسیطة.

يُنقل عن الإمام الثائر الشيخ محمد تقي الشيرازي رضوان الله عليه أنه كان إماماً ومرجعاً للعالم الشيعي، وكان مجاهداً ثائراً ضد الإستعمار الغزاة، خاض معارك کبری وثورات عظیمة في العراق حتى توفي.

هذا العالم المجاهد ورغم سلطته الحوزویة والأموال التي کانت تأتیه لإدارة شؤون الحوزة الحوزة ولمساعدة المحتاجین والمعوزین، لم يشتر لنفسه داراً للسکن، بل كان يسكن داراً للإيجار، وکانت عائلته تخاف من حصول أي مکروه له یتسبّب في إنقطاع الإیجار، فکانت تقول للإمام الشیرازي، ماذا نصنع لو أخرجنا صاحب الدار بسبب عدم إمتلاکنا للإیجار؟

فأجابهم بكل إطمئنان وبكل قوة: (أنا عشت بین هؤلاء الناس بطریقة، إذا فارقت الحیاة ما أخرجوکم من دارکم إحتراماً لي).

وأنا أیضاً رأیت بنفسي مراجع تقليد معروفین كانوا يعيشون في منازل مستأجرة وكانوا يعطون الإیجار لصاحب الدار حتی آخر لحظة من حیاتهم، ونتيجة للضغوطات المختلفة والإحراجات اضطُر بعضهم أن یشتري داراً، وقد رأیت أحدهم إشترى مثل هذه الدار، فلمّا دخلت معه الدار دمعت عيناه ولازلت أتذكر ذلك الموقف، فلم يقل شيئاً ففهمت من دموعه أنه لايرید أن ينهي حياته وهو يملك داراً، ولم يبق في تلك الدار إلا قليلاً حتى توفيّ، فهؤلاء هم أتباع أمير المؤمنين، وهذا التواضع والزهد بضاعة إنسانية نستطيع أن نحملها كتحفة للعالم الرأسمالي الجشع.

أين حكام العالم من إسلام أهل البيت (صلوات الله عليهم)؟

إذا أجرینا مفارقة بین إسلامین: إسلام أهل البیت علیهم السلام وإسلام حکّام بني أمیه وحکّام بني العباس، لوجدنا هناك فارقاً کبیراً بین الإسلامین، لیس فقط من ناحیة طریقة الحکم وإدارة البلاد، بل وأیضاً من ناحیة العیش والملبس والمأکل وسائر الملذّات الدنیویة.

فأهل البیت علیهم السلام کانوا یعیشون حیاة بسیطة من حیث الملبس والمأکل والدار والمسکن وما أشبه، بینما حکّام بني أمیّة وبني العباس کانوا یعیشون حیاة البذخ والترف والإسراف. فعلی سبیل المثال المتوكل العباسي أحد حکّام بني العباس، صنع في سامراء مجموعة من القصور قرابة ستة أو سبعة قصور وكتبوا أن مقدار ماصرف من الذهب على هذه القصور قد كلفت المسلمين أكثر من خمسين طناً، ونقول كلفت المسلمين هذا الحجم من الأموال لأن المتوكل ما کان یملك قبل حکمه هذا المال من الکسب الحلال فمن أین له هذا المال الکثیر؟ ومن أین له ثمن بناء القصور؟

بینما نجد أمیر المؤمنین علي بن أبي طالب (عليه السلام) کان یقول:

(إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيغ  بالفقير فقره)، وکان یعیش عیشةً بسیطة لایحس فیها الفقیر بفقره، وهکذا بقیة أهل البیت علیهم السلام بما فیهم الإمام الحسن والإمام الحسين وبقية الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين).

دعوة مكررة إلى العالم

 العالم اليوم بما أنه يعيش إضطرابات ومشاکل مختلفة ویعاني من مآسي في شتى الأبعاد، السياسية والإقتصادية والنفسية والإجتماعية والعائلية، لذا فنحن بحاجة إلی إعادة دراسة الإسلام وقرائته من جدید. لکي یعرف العالم ماهو الإسلام الحقیقي الأصیل الذي عمل به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) والذي طبقه في حياته وتبعه على ذلك مجموعة كبيرة وخيرة من فقهاءنا (رضوان الله على الماضين منهم).

إننا ندعو العالم إلى تلك القراءة ودراسة الإسلام والقرآن الكريم ونهج البلاغة والصحيفة السجادية من جدید.

فالدنيا لازالت تجهل الإسلام الحقیقي وقیمه ومبادئه الحقّة بسبب الإنحراف الذي أصاب مسار الأمة الإسلامیة بعد رسول الله صلی الله علیه وآله، ولازالت الأمة بعيدة عن الإسلام بالرغم من وجود مناهج ودول کثیرة تدّعي الإسلام.

إننا ندعو العالم لإسلام أهل البیت علیهم السلام الذي حاول العلماء المتّقین والأخیار في البلاد الإسلامیة من تطبیقه علی أرض الواقع، فالأرض لاتخلو من متقين وأخيار.

ندعو العالم إلى دراسة إسلام رسول الله وإسلام أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) وإسلام أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) فالإسلام الذي قاله أهل البيت ومثلوه بأعمالهم تمثيلاً جيداً طيلة قرنين وأكثر بدءً من سيدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومروراً بمولاتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) وأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وانتهاءً بالإمام الحسن العسكري (صلوات الله عليه) والإمام الحجة المنتظر المهدي (صلوات الله عليه وعجل الله تعالى فرجه الشريف) هو الإسلام الحقیقي الذي أراده الله للبشر.

إن هذا الإسلام خفي عن العالم وعن كثير من المسلمين.

أقول للعالم اقرأوا الإسلام الصحیح من القرآن الكريم واقرأوا الإسلام الصحیح من نهج البلاغة، واقرأوا الإسلام الحقیقي من الصحيفة السجادية، ستجدون الإسلام الواقعي متجسّداً في سیرة المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله عليهم) في معيشتهم ومأكلهم ومسكنهم وملابسهم وسفرهم ومواقفهم السياسية في الحرب والسلم. فإذا علم العالم بهذه الأمور فسوف يتبع هذا الطريق حیث قال الإمام الرضا (عليه السلام): (اَلنَّاسَ لَوْ عَلِمُوا مَحَاسِنَ كَلاَمِنَا لاَتَّبَعُونَا)(4).

وهذا الإتّباع هي سعادة الدنيا والآخرة..

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1)بحار الأنوار، الجزء41 ص124 وعن أصول الكافي (الجزء الأول من الطبعة الحديثة): 410 و411.

(2)سورة آل عمران: 61.

(3)بحار الأنوار: ج40 ص325 ب98 ح7.

(4)المصدر نفسه، ج2، ص30.