سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
فضل إعانة المؤمنين وقضاء حوائجهم
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
(إِنَّ مُعَاوَنَةَ اَلْمُسْلِمِ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ أَجْراً مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَاِعْتِكَافِهِ فِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ)(1).
هناك حاجات دنیویة مختلفة لدی المسلمین تبقی معطلة لايستطيعون تسدیدها وتأمينها وتوفیرها بمفردهم لأسباب مختلفة.
ولذا لابد هنا إلی من یقوم بمساندتهم وتأمین حاجاتهم وتوفیر مستلزماتهم لإنجاز هذه الأعمال بشتى وأنواع وأقسام الإعانة.
ففي حديث الشریف یری رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا قام مسلم بإعانة أخیه المسلم المؤمن في حاجة، فهذا من أفضل الأعمال عند الله تعالى، ويسبب إرتفاع مکانة من یقوم بهذا العمل نظراً لما یترکه من آثار نفسية ومادية ومعنوية في الدنیا والآخرة.
والأجر هي المکافأة التي تُمنح لشخص ما عوضاً عن العمل الذي یقوم به، فیحصل من الأجر والثواب أكثر من أجر من يصوم الشهر ویعتکف فیه في المسجد الحرام، والإعتكاف في المسجد الحرام كما ورد في الأحاديث الشريفة هو أفضل إعتكاف.
نحن نعلم أن الإعتكاف أقله ثلاثة أيام، فماذا لو إعتكف الشخص شهراً کاملاً وکان مکان إعتکافه المسجد الحرام، فهل هناك فضل أعظم وأکبر من ذلك؟
ثم إن إعانة المسلم في حاجته قد لایستغرق سوى دقائق أو ساعات وفي أصعب الظروف یستغرق أیام قلیلة فقط، لکنه مع ذلك تعتبر الإعانة أفضل واعظم أجراً عند الله تعالی من صيام شهر، مقروناً بإعتکاف في المسجد الحرام. والکلّ یعلم أن الصيام جُنّة من النار وما للصیام من الفضل والأجر العظيمين عند الله تعالى عن كل يوم، فكيف بصيام شهر کامل؟
نعم هناك حاجات دنیویة مختلفة تبقی من دون تسدید وتأمين فیتوسط فیها أشخاص، فیقومون بتسدید الدَين والزواج ومراجعة الطبيب وتوفیر فرصة للعمل إن كان المحتاج عاطلاً عن العمل.
وثمّة أشخاص بحاجة إلى عاملين وموظفين ولايعرفون أحداً يتوسّط بينهم، فیأتي شخص ثالث يعين ذلك العاطل عن العمل ويكون سبباً وواسطة في توظيفه، فيعرّفه لصاحب العمل ويقوم بتوثیقه وتعریفه، فيخرج العامل عن البطالة ویؤمن صاحب العمل النقص في العمالة.
وهناك أمثلة کثیرة علی مثل هذه الإعانات وما لها من الفضل والأجر العظیم، الذي یفوق أجر صيام شهر والإعتكاف فیه عند المسجد الحرام!
المجتمع المتقدّم والمجتمع المتفكّك
المجتمعات التي تساند وتُعِين بعضها البعض هي مجتمعات سلیمة متقدّمة حضاریة، ومثل هذه المجتمعات تستطيع أن تفتح لنفسها مساحة ومکانة ووجود في التأريخ، ويكون تأثيرها عالیاً بین الأمم والحضارات.
بعكس المجتمعات المتفككة التي لاتساند ولاتُعین بعضها البعض، حیث إن الأفراد في هذه المجتمعات تصرف طاقاتها في مصالحها الشخصية الضیّقة ولاتعتني بمصالح الآخرين وشؤونهم قید أنملة.
هذه المجتمعات ونتیجة لهذه النظرة الضیقة تکون في الإجمال متأخّرة ومنهارة ولا مکانة مرموقة لها بین المجتمعات الأخری.
من هنا فإن معنی التعاون، هو أن یعین كلّ واحدٍ منّا أخاه المسلم، في أموره، فهو یعینك وأنت تعينه في أمور أخری، أو تقوم بإعانته لأنه یحتاج إلیك، ولایعینك لأنك لاتحتاج إلیه، وهكذا.
هذه هي ثقافة الإسلام التي یتطلّع لها رسول الله صلى الله عليه وآله ویؤکّد عليها العترة الطاهرة صلوات الله عليهم في أحادیثهم وأقوالهم، ألا وهي ثقافة الإعانة..
المعصومون عليهم السلام في الطليعة
قبل نصف قرن أو أكثر، أتذكر جيداً أن ثقافة الإعانة بين المؤمنين والمؤمنات كانت ثقافة معروفة ورائجة ویُعمل بها، بل ویتنافس علیها المؤمنون.
ویعود هذا التنافس إلی العمل والتمّسك بأحادیث أهل البیت علیهم السلام وبالإعتقاد السائد بأنهم صلوات الله عليهم أجمعین كانوا في طليعة من يعينون الناس علی سدّ حاجاتهم.
هناك عشرات الأحاديث الشريفة وردت في هذا المجال، منها ما ورد في خبر الإمام الصادق (صلوات الله علیه، بأن الإمام (عليه السلام) كان يطوف حول الكعبة وكان معه أحد أصحابه، وفي أثناء الطواف طلب شخص من الإمام حاجة، فالإمام (عليه السلام) قطع الطواف وأدّی له حاجته ولم یؤخّرها.
ونعلم أن الطواف لایستغرق سوی نصف ساعة أو أکثر بشيء بسیط لکنّ الإمام لم يأخر إعانة المؤمن بهذا المقدار من الدقائق القلیلة، فخرج عن الطواف وأعانه علی حاجته، وکانت الحاجة أن يكتب الإمام لشخص ما طلب فجلس الإمام (عليه السلام) بجانب المسجد الحرام وكتب له وأعطاه، ثم رجع وبنى على طوافه وإستکمله.
كان برفقة الإمام أحد اصحابه، فقال للإمام (عليه السلام): يابن رسول الله! أما لو أكملت طوافك ثم تقضي حاجة هذا الرجل؟! فالطواف لله والطواف عبادة؟
فقال الإمام (عليه السلام): قضاء حاجة المؤمن أفضل عند الله تعالى من طواف وطواف وطواف (حَتَّى عَدَّ عَشْراً)(2).
ولم يقل من البداية أن قضاء حاجة المؤمن أفضل عند الله تعالى من عشرة طوافات، لأن تكرار هذا اللّفظ عشرة مرات له تأثير أكثر من ان يقول عشرة طوافات، وهذا نوع من التأكيد على قضاء حوائج المؤمنين.
وهكذا في حديث آخر ورد أن الإمام عليه السلام كان يطوف بالكعبة مع بعض أصحابه فأشار شخص في المسجد إلى ذلك الذي كان یطوف في المسجد مع الإمام، لکن ذلك الرجل لم يعتنِ به، فنبهه الإمام (عليه السلام) علی ذلك! فقال الشخص: إني بالطواف!! فقال له الإمام: (إحفظ مكانك واذهب وانظر ماذا يريد منك وماهي حاجته وارجع وكمّل طوافك)(3).
وفي بعض الروايات: كان الإمام يُسأل عن ذلك الطواف: هل هو فریضة أم مستحب أم نافلة، فكان الإمام يقول حتى وإن كان طواف فهو فريضة.
علماؤنا الماضون.. مثالاً لثقافة الإعانة
کان علماؤنا الماضون ومراجع تقليدنا الجامعون للشرائط، نماذج واقعیّة لمساعدة الآخرین وتلبیة حاجاتهم، فينقل عن الآخوند المولى محمد كاظم الخراساني صاحب كتاب: (كفاية الأصول) المعروف، أنه ذات مرة في النجف الأشرف جاءه شخص من أهل العلم، وكان بحاجة إلى (قابلة) والقابلة هي المرأة التي تولّد المرأة الحامل، فجاء إلی قابلة لیحضرها إلی داره، لأنه في ذلك الیوم لم تکن هناك مستشفيات تجري عمليات الولادة، فكانت الولادات تتم في داخل الدور، وکان أهل النساء الحوامل يأتون بالقابلة إلى الدار لتقوم بعملیة الولادة هناك.
هذا الرجل الذي جاء إلی المولی الخراساني کان قد ذهب إلی دار القابلة في الليل ودعاها إلی منزله، لکن القابلة إتحتارت کیف تذهب معه في منتصف الليل وهي إمرأة ولا تعرفه.
فجاء الرجل إلی الآخوند الخراساني وهو في أيام مرجعيته لیستعین به علی أمر المرأة، فخرج الآخوند معه (ولم يكن معروفاً أن الآخوند كان له أولاد أو خدم!) أو أن أولاده کانوا نائمین في تلك الساعة أو أنه لايحب أن يترك هذا الفضیلة لغيره.
وعلی أیة حال خرج الآخوند بنفسه منتصف الليل برفقة ذلك الرجل طالب العلم، وذهب إلى بيت القابلة ولعلها كانت من إحدى مقلديه، فطلبت منه أن یخرج فخرجت تلك المرأة وذهبوا جمیعاً إلى بيت ذلك الرجل وجرت عملیة الولادة، فصار الآخوند سبباً في فعل ذلك الخیر وقضاء حوائج الناس.
لماذا تتضائل فرص ثقافة الإعانة بين المسلمين؟
إن مساعدة الآخرین وإعانتهم بحدود القدرة والمعرفة کان أمراً متعارفاً ومألوفاً قدیماً بین الناس، لکنه ومع شديد الأسف ومع مرور الزمن تضائلت هذه المساعدة والإعانة وتغیّرت الأمور في هذا الزمان وصار کلّ إنسان في الغالب مشغولاً بنفسه ولا یفکّر بالآخرین وبقضاء حوائجهم.
کان النبي وأمیر الؤمنین صلوات الله عليهما في أيام حكومتیهما یتصدّون لقضاء حوائج الناس ویعینونهم علی تسدید مسائلهم وقضایاهم الحیاتیة، لأنهم کانوا يرون أن مسألة الإعانة واجبة،
ولکن ونظراً لقلّة حاجة الناس إلی المساعدة في زمانهم، کانت مثل هذه الأمور نادراً ما تقع، بعکس زماننا الذي أصبح التصدي فیه إلی مثل هذه الأمور حاجة کبیرة وملحّة بین الناس.
والسؤال هنا إذا کانت الحاجة کبیرة في زماننا إلی مساعدة الآخرین، فلماذا المؤمنون والمؤمنات يحرمون أنفسهم من هذا الفضل العظيم، ومن هذا الأجر الذي فیه الدقائق القلیلة أفضل عند الله تعالى وأعظم درجة من أجر صيام شهر وإعتكاف فیه في المسجد الحرام.
مقترحات تعبوية لزيادة الوعي وتطبيق ثقافة الاعانة
إن الإعانة بحدود المعرفة وبحدود القدرة كانت شيئاً متعارفاً سابقاً، ولکن مع الأسف الشدید قلّت هذه المساعدات من بعض الناس وأصبحت محدودة في زماننا، ولذا أقترح على جميع المؤمنين والمؤمنات في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية أن تتولّی لجنة من شخصين فما فوق في الحسينات والمساجد والمؤسسات الخيرية والإجتماعية والثقافية للتصدّي لقضاء حوائج المؤمنين بالمقدار الممكن.
فإذا کان مثلاً هناك شابّ أو شابّة یحتاجون إلى زواج أن يتوسطوا لهم في الزواج وتأمین الحاجات المالیة، وکذلك علی المؤمنین والمؤمنات السعي إلى قضاء دین المدیونین ومن عنده مشكلة إجتماعية أو مشكلة سياسية أو مشكلة عائلية ويعينونه في حلّها، ففي ذلك أجر وثواب عظیم، فلماذا المؤمنون والمؤمنات حرموا أنفسهم من هذا الثواب العظيم.
نعم یوجد في زماننا من یُعین الآخرین لکن ذلك غیر کاف وليس بالمقدار والمستوی المطلوب.
قرأت قبل سنوات في صحیفة رسمية، أن إحدى الدول الإسلامية والتي فيها عشرات الملايين من المؤمنين والمؤمنات كتبت في صفحاتها أن ثمانين بالمئة 80% من سکان ذلك الشعب هم تحت خط الفقر!!
السؤال لماذا وصل هؤلاء هذا المستوی؟
تصوّر أن في العشرات الملايين هناك ثمانون بالمئة من الناس تحت خط الفقر، وذلك معناه أنهم محتاجون في زواجهم وفي مسکنهم وفي سفرهم وتوفیر أکثر مستلزمات الحیاة.
ولكن إذا كانت هناك إعانة من بعضهم البعض لكانت هذه النسبة تقل وتقل حتی تتقلّص وتتضائل ثم تزول.
علینا إعانة الآخرين
علینا أیضاً أن ننضم إلی قافلة الأناس الخیّرین الذین یقومون بمساعدة المحتاجین، وأن نشارك في هذه الفریضة الدینیة بالمقدار الممکن وبکافة صورها وأشکالها، فقد يكون الشخص بحاجة إلى مال وأنت تملك المال وتستطيع أن تعينه، وقد تكون لاتستطيع أن تعين الشخص وبإمکانك أن تتوسط له عند شخص آخر ليعينه.
وقد يحتاج زمیلك وقریبك إلی سِلفة فتتوسط له عند عند شخص أو تقوم بضمانته في إحدی المصارف والبنوك، هذا الأمر یلزم علی المؤمنين والمؤمنات في كل مكان لاسیّما في المؤسسات والمراکز الإجتماعیة أن یؤدّوا هذا الدور.
وبحمد الله هناك کثیر من المؤمنين والمؤمنات وأعدادهم کبیرة، بإمکانهم أن يتصدوا لقضاء حوائج المؤمنين وإعانتهم حتى لايُحرموا من هذا الفضل العظيم وحتى یتقدّم المجتمع ویرتقي ویصل إلی الحیاة الکریمة.
ـــــــــــــ
(1)بحار الأنوار، ج75، ص217.
(2)من لا یحضره الفقیه ج2: ص208، قال الصادق (عليه السلام): قَضَاءُ حَاجَةِ اَلْمُؤْمِنِ أَفْضَلُ مِنْ طَوَافٍ وَطَوَافٍ وَطَوَافٍ حَتَّى عَدَّ عَشْراً.
(3)المستدرك: ج9 ص402 باب29 ح3 وفي البحار: ج74 ص315 ح72 نقلاً عن كتاب قضاء الحقوق للصوري بإسناده عن صدقة الحلواني نحوه. عَنْ رَجُلٍ مِنْ حُلْوَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَأَتَانِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَسَأَلَنِي قَرْضَ دِينَارَيْنِ، وَكُنْتُ قَدْ طُفْتُ خَمْسَةَ أَشْوَاطٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أُتِمُّ أُسْبُوعِي ثُمَّ أَخْرُجُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ فِي اَلسَّادِسِ اِعْتَمَدَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، قَالَ: فَأَتْمَمْتُ سَبْعِي، وَدَخَلْتُ فِي اَلْآخَرِ لاِعْتِمَادِ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) عَلَيَّ، فَكُنْتُ كُلَّمَا جِئْتُ إِلَى اَلرُّكْنِ أَوْمَأَ إِلَيَّ اَلرَّجُلُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اَللَّهِ عليه السلام: مَنْ كَانَ هَذَا يُومِئُ إِلَيْكَ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ مَوَالِيكَ سَأَلَنِي قَرْضَ دِينَارَيْنِ، قلت: أتم أسبوعي وأخرج إليك. قال: فدفعني أبو عبد الله (عليه السلام)، وقال: إذهب فأعطهما إياه..