LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: الرفق في الإسلام
رمز 51059
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 26 رمضان العظيم 1446 - 27 مارس 2025

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

ورد في الحديث الشريف عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: (رَأْسُ اَلسِّيَاسَةِ اِسْتِعْمَالُ اَلرِّفْقِ)(1).

السياسة نوعان

فسياسة العدل هي سياسة رسول الله وسياسة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما التي أدار بها شؤون البلاد والعباد. وأساس هذه السياسة هو إستعمال الرفق. فإذا لم یکن فیها رفق کانت کبدن إنسان لیس فیه رأس، فالبدن الذي يفتقد للرأس وجوده كعدمه يبقى مجرد جثة هامدة تتعفن بعد أیام وتكون مصدراً للأمراض والأضرار.

السياسة التي لارفق فيها هي أیضاً کجسد وهي مضرة فیها ظلم وفساد وإرهاب وما أشبه.

عندما نتصفح التأريخ نجد الرؤساء والحكام الذين حكموا علی طول التاريخ الإسلامي باسم الإسلام، قد إتّبعوا غالباً سياسة بني أمية وبني العباس، ومثل هذه السياسة لم يكن فيها رفق، فكانت جثة هامدة ضررها أكثر من نفعها.

ومع شديد الأسف أننا نری صفحات التاریخ مظلمة سوداء بسبب ممارسات حکّام بني أمية وبني العباس الذین حکموا بالظلم والفساد وهدروا ثروات المسلمین وبدّدوها. وإذا کان هناك بعض الرفق وبعض الحريات والممارسات الجيدة في بعض الحكومات والأنظمة، إنما هي ناتجة عن سياسة الرفق التي إتّبعها رسول الله صلى الله علیه وآله وسياسة الرفق التي إتّبعها أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في فترة حکمهما والتي کانت فیها الحرية والراحة والطمأنينة والسلام.

 سياسة الرفق والعدل في (حرب الجمل)

في تأریخ حکومة أمیر المؤمنین (صلوات الله عليه) قصص کثیرة تحکي عن الوجه الأبيض للإسلام. 

فقصة حرب الجمل التي فُرضت على أمير المؤمنين صلوات الله عليه وطحنت ألوف المؤمنين والمسلمين من الطرفين، هي مثال لهذا الوجه اللامع للإسلام.

هذه الحرب إنتهت بإنتصار جیش أمير المؤمنين صلوات الله عليه وإنكسار أصحاب الجمل، وکان المفروض من الفاتح في الحرب أن یمارس العنف مع هؤلاء الأساری الذین تمرّدوا علی الإسلام وجاؤوا لقتال الإمام.

ولکن أنظر کیف تعامل الإمام مع هؤلاء؟

عندما دخل أصحاب الجمل إلی البصرة أساری، أدخلهم الإمام علیه السلام إلى بيت كبير، وكان في أطراف ذلك البیت الکثیر من الحجرات، كان الإمام علیه السلام برفقة مجموعة من أصحابه ومنهم الأصبغ بن نباتة الذي هو من ضمن المؤرخين الذین رووا هذه القصة ـ فصاحت بعض النساء من أصحاب الجمل بوجه أمير المؤمنين (صلوات الله عليه).

فقالوا له: یا (قاتل الأحبة)!! في إشارة إلی أن قتال أمير المؤمنين كان بغير حقّ.

ومع أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه لم يبدء أحدهم بالقتال في حرب الجمل، بل كان یحارب في موقع الدفاع عن النفس، لذا فقد تخلّی الإمام عن قتالهم ولم يأمر بملاحقة الفارّين منهم.

فلما دخل الإمام إلی ذلك البيت الكبير وصاحت النسوة بهذه العبارة یا (قاتل الاحبّة)!! قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) لبعض من معه:

(لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة وهذه الحجرة وهذه الحجرة، وأشار إلى ثلاث حجر کانت في الدار، وكانت في إحدی هذه الحجر الثلاث عائشة ومن معها، وفي الأخرى مروان ومن معه، وفي (الثالثة) عبد الله بن الزبير ومن معه) (2).

إنّ هؤلاء کانوا من كبار القيادات ومسبّبي هذه الحرب الذین اشعلوا فیها نار الفتنة ضد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، وأمير المؤمنين في ذلك اليوم وباتفاق كل طوائف المسلمين إمام حق، بینما هؤلاء (أصحاب الجمل هم متمرّدون خرجوا على الإمام وتمرّدوا علیه، والإمام حاربهم من موقع الدفاع عن النفس مع إمتلاکه للقوة الربّانیة الکبیرة التي إنتصر بها علیهم.

فالرجل الذي أمره أمير المؤمنين أن يقول للنسوة تلك المقولة، قال لهن ذلك، فسكتن!

لاحظ هؤلاء!! صاروا سبباً لقتل ألوف المؤمنين، لکن بمجرد إنتهاء هذه الحرب لم يصنع معهم أمير المؤمنين أي صنيع سوء، ولم ينتقم من أي أحد منهم لابقتل ولابتعذیب ولا بمجرّد إهانة، مع علمه بمن كان في الحجرات الثلاث.

هذه هي سياسة العدل المبنیّة على الرفق والمسامحة التي إتبعها الإمام أمیر المؤمنین في حروبه، وهي سیاسة التي أظهرت الوجه الأبیض للإسلام الأصیل.

السياسة المبنيّة على الظلم والغدر... معاوية أنموذجاً

في مقابل سياسة الرفق التي إتّبعها أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) نجد هناك مظالم كثيرة في الطرف المظلم من تأریخ الإسلام. أحدهم معاوية بن أبي سفيان.

فلما أستشهد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ووُلّي الإمام الحسن علیه السلام، كان معاوية قد كتب عهداً ووقّعه مع الإمام الحسن المجتبى (صلوات الله عليه) علی أن لايصاب أحد من شيعة أمير المؤمنين بأذى، ولکن رغم إبرام العهد وتوقیعه، إلاّ أن معاویة قام بالغدر ضد شيعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم) في شتى بلاد الإسلام، وهذا ما ذكره التاريخ وحفظوه وحتى الكفار ذكروا ذلك أیضاً.

في تاريخ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أن معاوية أرسل رسوله وعامله بُسرة بن إرطاة  إلى اليمن، وكان فيها الكثير من شيعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وخلال أيام صنعوا مذبحة عظيمة ضد شيعة أمير المؤمنين في اليمن فقتلوا الألوف من الشيعة من نساء وأطفال وشباب وشيبة وفیهم مصلّون وصائمون ومتّقون يحجّون بيت الله الحرام فقد قتلهم لأنهم يوالون الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام.

قتلهم لأنهم من شيعة أبي طالب من دون أن تكون هناك حرب وقعت.

وذکر التاريخ أن الذين قتلهم معاویة بُسرة بن أرطاة في اليمن كانوا أكثر من ثلاثين ألف إنسان، ودماء هؤلاء أریقت وهم أكثر من ثلاثين ألف مؤمن يصلي ويصوم لأنهم لم يقبلوا بمعاوية إماماً لهم، ولأنهم يعتبرون علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) إماماً لهم، هو إمام حقّ منصوب من قبل الله تعالی ورسوله.

فهذه السياسة سياسة الظلم المبنية على الظلم، وتلك سياسة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) سياسة مبنية على الرفق والمسامحة.

سياسة العدل تجعل الحاكم مأموراً لأمته

قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في إحدى خطبه:

 (نت أميراً وأصبحت اليوم مأموراً)(3).

معنی هذا الحدیث، أن الإمام یقول لأصحابه كنت حاكماً آمر وأنهي والأمة كانت تطيع أوامري، واليوم أصبحت الأمة تأمرني وأنا أضطر إلى إطاعتها!!

سياسة الحُكم تجعل من الحاكم مأموراً للأمة حتى لاتصاب الأمة بأذى وضرر وإنهیار، ولذا کان الإمام أمیر المؤمنين (صلوات الله عليه) يتحمل الأذى ویرتضیه لنفسه کي لا تتحمل الأمة هذا الأذی وتبقی موحّدة.

کان صلوات الله علیه ینتهج سياسة العدل والرفق ویتعامل بلین مع الرعیة، وهذه السیاسة جعلت من الإمام مأموراً للأمة بعدما كان هو أميراً لها. ویحدث هذا النوع من الإرتباط عندما لا تطيع الأمة الإمام وتفرض عليه أشیاء، فعليه أن يقبل منهم حتى لاتشتت الأمة ولاتُظلم، فهل نجد في التاريخ حاکماً نظير أمير المؤمنين؟

وهل سمعنا في التأریخ بوقوع حرب بين طرفين وينتصر فیها أحد الأطراف، ولا يُصنع المنتصر مع القيادة الخاسرة في تلك الحرب أي سوء؟!

هل یوجد مثل هذا الأمر في التاريخ؟

أمير المؤمنين هو القائل (رأس السياسة إستعمال الرفق) وهو الذي طبق ذلك عملياً في موارد عدیدة من حکمه وحیاته، والآخرون غير أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) أيضاً يتحدّثون بهذه المفاهیم ولكنهم يعملون بخلافها.

ومن هذا المنطلق ذکرنا أن السياسة نوعان: سياسة عدل وسياسة ظلم، وسياسة العدل موجودة عند رسول الله وعند أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) ویمکن أن تکون موجودة أیضاً عند كل فرد یرید إتّباعهم في الأعمال لا في الأقوال فقط.

أما سياسة الظلم فهي سياسة أعدائهم ومن لایسیرون علی نهجهم.

دنيا اليوم ستتخلص من المظالم ولكن؟

في عالمنا اليوم إذا طبّقت هذه السياسة وعُمِلَ بهذا المنطق، سوف تشهد الإنسانية طعم الرفق، وسوف یتخلّص المجتمع من هذه المظالم التي يعيشها في كل زمان ومكان، سواء کانت قلیلة أو کثیرة.

فهل كل مايوجد اليوم وقبل اليوم من ظلم سيوجد غداً أیضاً؟!

إنّ سبب هذه المظالم هي الإبتعاد عن سياسة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) التي فیها رفق ولین وتسامح، وهي سياسة إستلهمها الإمام أمیر المؤمنین من القرآن الكريم وورثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ـــــــــــــــــــــ

(1)عیون الحکم، ج1 ص263.

(2)رواه الأربلي: وقعة الجمل من كتاب: كشف الغمة: ج1، ص244 الرواية / عَنْ أَصْبَغَ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا هَزَمْنَا أَهْلَ اَلْبَصْرَةِ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) حَتَّى اِسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ اَلْبَصْرَةِ فَاجْتَمَعْنَا حَوْلَهُ وَأَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ رَاكِبٌ وَاَلنَّاسُ نُزُولٌ فَيَدْعُو اَلرَّجُلَ بِاسْمِهِ فَيَأْتِيهِ ثُمَّ يَدْعُو اَلرَّجُلَ بِاسْمِهِ فَيَأْتِيهِ ثُمَّ يَدْعُو اَلرَّجُلَ بِاسْمِهِ فَيَأْتِيهِ حَتَّى وَافَاهُ مِنَّا سِتُّونَ شَيْخاً كُلُّهُمْ قَدْ صَغَّرُوا اَللِّحَى وَعَقَصُوهَا، وَأَكْثَرُهُمْ يَوْمَئِذٍ مِنْ هَمْدَانَ فَأَخَذَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) طَرِيقاً مِنْ طُرُقِ اَلْبَصْرَةِ وَنَحْنُ مَعَهُ وَعَلَيْنَا اَلدِّرْعُ وَاَلْمَغَافِرُ مُتَقَلِّدِي اَلسُّيُوفِ مُتَنَكِّبِي اَلْأَتْرِسَةِ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى دَارٍ قَوْرَاءَ فَدَخَلْنَا فَإِذَا فِيهَا  نِسْوَةٌ يَبْكِينَ. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ صِحْنَ صَيْحَةً وَاحِدَةً وَقُلْنَ: هَذَا قَاتِلُ اَلْأَحِبَّةِ. فَأَمْسَكَ عَنْهُنَّ [ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ ] ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ مَنْزِلُ عَائِشَةَ؟ فَأَوْمَأْنَ إِلَى حُجْرَةٍ فِي اَلدَّارِ فَحَمَلْنَا عَلِيّاً عَنْ دَابَّتِهِ فَأَنْزَلْنَاهُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ شَيْئاً إِلاَّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتِ اِمْرَأَةً عَالِيَةَ اَلصصَّوْتِ فَسَمِعْنَا [ قَوْلَهَا ] كَهَيْئَةِ اَلْمَعَاذِيرِ: إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَعَارَضَتْهُ اِمْرَأَةٌ مِنْ قِبَلِ اَلدَّارِ. فَقَالَ: أَيْنَ صَفِيَّةُ قَالَتْ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: أَلاَ تَكُفِّينَ عَنِّي هَؤُلاَءِ اَلْكَلَبَاتِ اَلَّتِي يَزْعُمْنَ أَنِّي قَاتِلُ اَلْأَحِبَّةِ لَوْ قَتَلْتُ اَلْأَحِبَّةَ  لَقَتَلْتُ مَنْ فِي تِلْكِ اَلدَّارِ - وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى ثَلاَثِ حُجَرٍ فِي اَلدَّارِ -. [ قَالَ: ] فَضَرَبْنَا بِأَيْدِينَا عَلَى قَوَائِمِ اَلسُّيُوفِ وَضَرَبْنَا بِأَبْصَارِنَا إِلَى اَلْحُجَرِ اَلَّتِي أَوْمَى إِلَيْهَا فَوَاَللَّهِ مَا بَقِيَتْ فِي اَلدَّارِ بَاكِيَةٌ إِلاَّ سَكَنَتْ وَلاَ قَائِمَةٌ إِلاَّ جَلَسَتْ. قُلْتُ: يَا أَبَا اَلْقَاسِمِ فَمَنْ كَانَ فِي تِلْكَ اَلثَّلاَثِ حُجَرٍ؟؟! قَالَ: أَمَّا وَاحِدَةٌ فَكَانَ فِيهَا مَرْوَانُ بْنُ اَلْحَكَمِ جَرِيحاً وَمَعَهُ شَبَابُ قُرَيْشٍ جَرْحَى. وَأَمَّا اَلثَّانِيَةُ فَكَانَ فِيهَا عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ اَلزُّبَيْرِ وَمَعَهُ آلُ اَلزُّبَيْرِ جَرْححَى. وَأَمَّا اَلثَّالِثَةُ فَكَانَ فِيهَا رَئِيسُ أَهْلِ اَلْبَصْرَةِ يَدُورُ مَعَ عَائِشَةَ أَيْنَ مَا دَارَتْ.....)).

(3)نهج البلاغة، الخطبة 208/ من كلام له (عليه السلام) قاله لما اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ أَمْرِي مَعَكُمْ عَلَى مَا أُحِبُّ، حَتَّى نَهَكَتْكُمُ الْحَرْبُ، وَقَدْ، وَاللهِ، أَخَذَتْ مِنْكُمْ وَتَرَكَتْ، وَهِيَ لِعَدُوِّكُمْ أَنْهَكُ. لَقَدْ كُنْتُ أَمْسِ أَمِييراً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَأْمُوراً، وَكُنْتُ أَمْسِ نَاهِياً، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ مَنْهِيّاً، وَقَدْ أَحْبَبْتُمُ  الْبَقَاءَ، وَلَيْسَ لِي أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ!).