سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الغضب عدو الإنسان
ورد في الحديث الشريف عن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين صلوت الله عليه أنه قال:
(اَلْغَضَبُ عَدُوٌّ فَلاَ تُمَلِّكْهُ نَفْسَكَ)(1)
لنسأل: ماذا يصنع العدو إذا ما تمکّن من إنسان؟
الجواب: العدو إذا تمكن من إنسان وتسلّط علی مقدّراته، صبّ علیه جام غضبه، وسلبه أمواله وعذبه وربما قتله!
ولهذا تری کلّ إنسان یتجنّب عدوه قدر المستطاع، فلا یدعوه إلی بیته، ولا یمرّ من الطریق الذي یسکنه عدوّه، ولا یلبّي ضیافته، لأنه لایرید أن یسلّم نفسه إلیه.
ما ذکرناه هو في سیاق العدو الخارجي، أما إذا کان العدو من داخل الإنسان، فالغضب یکون مضاعفاً.
يقول الإمام علي علیه السلام: (اَلْغَضَبُ عَدُوٌّ).
فعلاً إنه عدو خطیر، یختفي في داخل الإنسان.
الإنسان العاقل بطبعه لايُدخل العدو إلی بيته، لأنه لایرید أن یملّکه وجوده.
الغضب هو عدو الإنسان، فإذا ملّکه الإنسان نفسه سوف يصنع به ما یشاء حتی یقتله؟!
الحدّة والغضب، ضربٌ من الجنون!!
من كلام لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال:
(اَلْحِدَّةُ ضَرْبٌ مِنَ اَلْجُنُونِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ)(2)
الحدّة: کلمة مرادفة للغضب، فالغضب أمر سببي بنفسه، بینما الحدة أمر مُسبب للغضب.
فالشخص الذي يغضب یکون حادّاً، لأن الغضب يأتي بالحدّة.
والإنسان یمكن له أن يغضب، ثم يمسك بنفسه لکي لایظهر غضبه الداخلي ویحتدّ، لکنه إذا إحتدّ صار مجنوناً لا یدرك ما یفعل حتی تهدأ فورته، یقول الإمام علي عليه السلام الحدّة ضرب من الجنون (لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَنْدَمُ).
فالذي يحتد یتغیّر لحن کلامه ویخشن نتيجة للغضب، ثم يقول عليه السلام: (فَإِنْ لَمْ يَنْدَمْ فَجُنُونُهُ مُسْتَحْكِمٌ) بمعنى أن هذا الجنون متواصل ومستحكم لا يزول.
والجنون یکون أحياناً جنون آني أي یقع في مرحلة ووقت خاص، وقد یکون هذا الجنون قوي مستحكم یلازم صاحبه ولا ينفك عنه.
فالذي يحتد نتيجة للغضب، لايندم على ما احتدّ، لأن جنونه مستحكم.
ترك الغضب
الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله لديه عشرات الألوف من المواعظ والنصائح التي تدعونا إلی ترك الغضب والتحلّي بالصبر والحلم.
وعادة ما یکرّر الرسول صلى الله عليه وآله الموعظة والنصيحة في مجال واحد وفي وقت واحد، ویعیدها علی أشخاص آخرین، ولكن بالنسبة للغضب ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أن شخصاً أتاه وطلب منه الموعظة فقال له صلى الله عليه وآله: (لاتغضب) فذهب الرجل خطوات ورجع، فطلب منه المزيد!!
فكرّر عليه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نفس العبارة قال له: لاتغضب!
ثم ذهب الرجل، ثم رجع وطلب المزيد!!
فكرر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قولته الأولى والثانية وقال له: لاتغضب)(3).
ثلاث مرات یكرّر فیها الله النهي عن الغضب، لأن الغضب موبقة تکمن فیها أمور غريبة وعجيبة.
حتى لا تكن في مهب الريح
الغضب يجعل من الإنسان خفيفاً، بمنزلة أوراق الشجر في مهبّ الریح، فبمجرّد ما تهبّ الریح يتحرك لا إرادیاً کما تشاء له الریاح والعاصف.
هکذا الغضب يفعل بالإنسان کما تفعله أوراق الخریف وأعشاب التّبن الیابسة بمجرّد أن یتغير الطقس وتهبّ الریح تتنقل أوراق الشجر وذرّات التّبن إلی هناك وهناك.
الإنسان الذي لا يملك غضبه، یمکّن غضبه علی نفسه، كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (اَلْغَضَبُ عَدُوٌّ فَلاَ تُمَلِّكْهُ نَفْسَكَ)، أي لاتجعل نفسك تحت وطأة الغضب، بل اجعل الغضب تحت وطأتك وقدرتك.
أما الإنسان الذي يتحکّم بغضبه ويأخذ بزمام الغضب، يكون قوياً كالجبل لاتحركه العواصف ولا تزيله القواصف.
العواصف مهما إشتدّت لا تستطیع أن تحرك الجبل، لکنّ أوراق الخریف الیابسة یحرّکها الهواء الطلق کیف یشاء، عاصفة الغضب أیضاً إذا هبّت جعلت الإنسان خفيفاً ضعيفاً لا یستطیع أن یسیطر علی نفسه فیثور لأدنى شيء یحصل له ویعکّر مزاجه.
سبب للكثير من المعاصي والموبقات
إن الغضب كثيراً ما يوقع الإنسان في مستنقع المعاصي والموبقات، بل ويسبب له قطع صلة الأرحام وعقوق الوالدين وضیاع أمواله وهدر كرامته، بل یسبب له أحیاناً قتل الأبرياء ويجره إلى القصاص والإعدام.
هناك الکثیر من الناس ماتوا بسبب سکتة قلبیّة أو ذبحة دماغیة وکان سببها الغضب.
موبقات الغضب كثيرة جداً تحطم دنيا الإنسان وآخرته، والانسان عندما يتصفح التاريخ ويراجع أسباب الفجائع يرى الكثير منها وقعت بسبب الغضب.
إنّ الغضب بمنزلة النار في الهشیم، لعلّها تبدأ قليلة بمقدار عود ثقاب لکنها بمجرّد أن تشتعل تنتشر کما ینتشر النار في الهشيم الیابس، فتحرق الغابات والحقول وعشرات الکیلومترات من الأشجار وتحوّلها إلی رماد.
الغضب شهوات
على الإنسان ومن منطلق العمل بتوجیهات المعصومين عليهم السلام، أن يقرّر علی ترك الغضب، فإذا قرّر ذلك، فإن غضبه سوف یقلّ وتخفّ حدّته.
فالإنسان العازم على ترك الغضب، عندما يغضب لايؤدي غضبه إلى موبقات عظيمة، ولا تصدر منه معاصي کبیرة، من قتل للأبریاء وهدر للکرامات، وتضییع للأموال وما أشبه، بعکس الذي لایقرّر في نفسه ترك الغضب فإنه یقوم بجمیع هذه المعاصي لأنه لایتملك غضبه ولا یفکّر بالسعی إلی ذلك، فتراه یأتي بالصغائر والکبائر من قتل وسرقة. وما أشبه.
صحيفة الإنسان الذي يغضب تكون مليئة بالعظائم من المحرمات والموبقات، بینما صحيفة الإنسان الذي يملك غضبه تكون ناصعة بيضاء لایشوبها إلاّ القلیل القلیل منها.
فالغضب شهوة خلقها الله تعالى في نفس الإنسان كسائر الشهوات الأخری، وذلك لاختباره أولاً وليستفيد من هذا الغضب في المجالات النافعة ثانیاً، ومن ذلك الغضب النافع نصرة المظلوم والغضب في سبیل الله بمقداره الجائز. ولكن كيف يملك الإنسان غضبه؟
بالعزم والإرادة يملك الإنسان غضبه كما أكد بذلك القرآن الكريم لأكثر من مرة. وبالعزم يصل الإنسان صاحب الإرادة إلى الفضائل ويبتعد عن الرذائل، ومن دون ذلك لا یمکنه أن ينجو من داء الغضب.
وبالنتيجة فكل إنسان سواء کان في المحيط العائلي أو المحيط الإقتصادي أو السياسي والإجتماعي أو في شتى الأجواء الأخری، إذا عزم على ترك الغضب والتخلّي عنه، فإن غضبه يكون نادراً وقليلاً، ویکون أحیاناً نافعاً.
إنّ الغضب شهوة من الشهوات أودعها الله في نفس الإنسان للإختبار، فلا یمکن التخلّي عن هذه الشهوة إلاّ بالإرادة والدعاء والتوسّل والطلب من الله (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)(4) وبحاجة أیضاً إلى التوسل بالمعصومين وبسائر أولياء الله لأنهم الوسیلة إلی الله (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)(5).
فإذا طلب الإنسان أن يوفقه الله تعالی لترك الغضب کان مالكاً لا مملوكاً له، والتوفیق یحصل عادةً حتی إذا لم يكن توفيقاً كاملاً، ولكنه يوفق غالباً ولامناص من ذلك.
ولو لا هذا الطلب لوقع الإنسان في الموبقات ولأثّر ذلك علی صحته وراحته وكرامته.
فالغضب يأتي على كل فضائل الإنسان وكل حياة الإنسان وكل وجوده. وكثيراً ما یسبب الغضب موت الشخص بسكتة قلبية أو ذبحة دماغية، ولولا الغضب لعمّر الإنسان أکثر مما عمّر بعشرات السنين.
لذا على الإنسان أن یشدّ عزمه على ترك الغضب وعلیه أن يستغفر الله تعالى کلّما أبتُلي بغضب، وأن يكررّ لإستغفار على ترك الغضب، لیتجنّبه، فهو عدو داخلي یکمن في نفس الإنسان ویجب الحذر من قلیله أو کثیره.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)مستدرك الوسائل، ج12 ص11.
(2)نهج البلاغة، الحكمة 255.
(3)الكافي ج2: ص229 | ح5 الرواية عَنْ عَبْدِ اَلْأَعْلَى قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ): عَلِّمْنِي عِظَةً أَتَّعِظُ بِهَا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَلِّمْنِي عِظَةً أَتَّعِظُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اِنْطَلِقْ وَلاَتَغْضَبْ؛ ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اِنْطَلِقْ وَلاَتَغْضَبْ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
(4)سورة الفرقان: 77.
(5)سورة المائدة: 35.