LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: الدنيا تغرّ وتضرّ وتمرّ
رمز 54106
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 4 ربيع الأول 1447 - 28 أغسطس 2025

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

بلاغة أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الدنيا :

قال مولانا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : (الدنيا، تغرّ، وتضرّ، وتمرّ)1 هذه الجملة اوجز واعمق واجمع ما قيل في الدنيا، ثلاث كلمات لم تدع شيئاً في الدنيا إلاّ احتوت عليه، وبهذا التعبير الموجز والعميق والجامع يقول احد العلماء عن احدى  الكلمات التسع لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) (الدنيا، تغرّ، وتضرّ، وتمرّ) فقأن عين الفصاحة بمعنى ان كل الكلمات الفصيحة من شعر ونثر في طول التاريخ نجمعها في مكان ولكنها خالية عن تلك الكلمات التسع لأمير المؤمنين عليه السلام، وتكون الفصاحة عمياء لا عين لها وهذه حقيقة الدنيا، فالدنيا اولاً تغرّ الانسان وتخدعه، خداع وليس حقائق، وثانياً هذا الخداع ليس نافعاً للانسان بل يضرّه، وثالثاً لايبقى ايضاً. فالدنيا تغرّ وتضرّ وتوجب الضرر للانسان في الدنيا والآخرة وتمرّ وتنتهي، على ما هناك في الفرق الواسع والكبير بين (تغرّ) وبين ( تخدع)، وهذه نكات بلاغية مذكورة بمحلّها.

لنعرف الدنيا وكيفية التعامل معها :

ان الانسان والبشر والمؤمن والمؤمنة والعالم والتاجر والحاكم وأي شخص سلفاً، المهم ان يعرف الدنيا ما هي حتى يكون تعامله مع الدنيا تعاملاً مع شيء (يغرّ ويضرّ ويمرّ) فالدنيا يعني مال الدنيا، ويعني جمال الدنيا، وتعني الرياسة في الدنيا ويعني الشهوات في الدنيا، ويعني الشخصية في الدنيا. وهذه المجموعة بمجموعها ماذا تصنع بالبشر والانسان الذي ولد في يوم ويموت في يوم؟ وخلال هذه الفترة بين الولادة والموت يكون في هذه الدنيا بالغرور والضرر والمرور، ويمرّ عليه كل شيء وينتهي كل شيء، المال ينتهي والعمر ينتهي والرئاسة والحكومة تنتهي والشهوات تنتهي والجمال ينتهي والعلم ينتهي والشخصية تنتهي وكل شيء ينتهي. ولو لم يكن للانسان من العِبر وهي كثيرة وكثيرة جدّاً يكفي التأمّل في الدنيا وفيمن حول الانسان من اقرباء ومن زملاء، التأمّل في تاريخهم وما صنعت الدنيا بالآخرين اخذاً من الطغاة امثال فرعون ونمرود وشدّاد وبني امية وبني العباس واضرابهم الى اصحاب الاموال الكبيرة كقارون وغيره، والى العلماء الذين جاؤوا الى الدنيا وذهبوا في مختلف الفنون في الفنون الدنيوية والفنون الدينية والى الشباب وماعندهم من الشوق الأكيد الى شهوات الدنيا وملذّاتها والى النساء والرجال جميعاً.

عِبرة يرويها امير المؤمنين (عليه السلام) ويقضي بها :

يكفي للانسان عبرة دون القصص الكبيرة التي وردت في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وبمختلف التواريخ، من تلك القصص قصة نقلها امير المؤمنين (صلوات الله عليه) في حكم حكمه بالنسبة الى امرأة كانت اجرمت بالنسبة لأمرأة اخرى، ونقل امير المؤمنين (صلوات الله عليه) هكذا وقال (مضمون كلامه الشريف): إنّ دانيال كان طفلاً فقد ابويه في حال الطفولة وتلقّت تربيته امرأة عجوز صالحة من بني اسرائيل، وفي ايام صباوة دانيال يوم كان صبياً يلعب مع الصبيان وقعت قضية وهي ان رجلاً صالحاً كان في تلك المدينة في بني اسرائيل وكانت له زوجة جميلة وفي ذلك الزمان كان ملك في بني اسرائيل وله قاضان اثنان يحكمان بين الناس، فاستشار الملك القاضيين في مهمة يريد ان يرسل اليها رجل كفوء، فأشار القاضيان إليه بالرجل الصالح، فطلب الملك ذاك الرجل الصالح ووجّهه في سفر الى مهمة. وعندما اراد الرجل الصالح ان يسافر قال للقاضيين باعتبار انهما قضاة وعدول في الظاهر واتقياء مثلاً، اوصاهما بزوجته بأنّ زوجته وحيدة في البيت فأحياناً يمرّان عليها للنظر ليكونان على علم بشؤونها ان كانت بحاجة لشيء ما في الرزق أو المشاكل أو الصحة والمرض أو ماشابه ذلك، واوصى الرجل الصالح زوجته وكانت عابدة ايضاً، وذهب للسفر وكان القاضيان يأتيان لبيت المرأة ويسألان عنها، وصار جمال المرأة سبباً لأن تغرّ الدنيا القاضيين وكلاهما طلبا منها الفاحشة (والعياذ بالله) والمرأة العابدة امتنعت اشدّ الامتناع واصرّ القاضيان على ذلك واصرّت المرأة العابدة على الامتناع، فقال القاضيان للمرأة العابدة ان لم تنزل عند رغبتهما فسوف يشهدان عند الملك بأنّها زنت والملك سيقتلها وهما قاضيان، ومع ذلك أبت المرأة الصالحة من النزول لرغبتهما وجاء القاضيان معاً عند الملك وشهدا انّ المرأة العابدة زوجة الرجل الصالح زنت (والعياذ بالله) شهادة زور وكذب وافتراء عليها. فتعجّب الملك من ذلك ولكن كيف يردّ القاضيين وهما على ظاهر العدالة وكلاهما يشهدان بذلك. فلم يك الملك في نفسه مقتنعاً ولكن كيف يردّ القاضيين، وعلى حسب شهادتهما امر القاضيين ان يعلنا بالاسواق والازقة ثلاث ايام ان المرأة العابدة زنت وستعدم وتقتل بالزنا امام الناس، وجعل الناس يتحدّثون بينهم ان المرأة العابدة زوجة ذلك الرجل الصالح زنت وستقتل للزنا في اليوم الثالث في المكان الفلاني. وبين ذلك كان للملك وزير عاقل وحكيم يظهر عقله وحكمته من التصرّف هنا، فقال الملك للوزير ماذا تقول انت؟ فقال له: انا استبعد من جانب هذه المرأة العابدة زوجة الرجل الصالح المعروف بالصلاح يستبعد ان تكون قد زنت ولكن كيف والقاضيان شهدا عليها بالزنا، وكانت هذه معضلة عند الملك وعند الوزير وفي اليوم الثالث الذي عيّن لقتل واعدام هذه المرأة الصالحة بتهمة الزنا، جعل الوزير يدور بالاسواق والازقة ويتصفّح الناس ويتأمّل حتى صارت امامه قصّة دانيال الصبي الصغير، دانيال مثّل هذه القضية لأن هذه القضية كانت منتشرة بين الصبيان، فدانيال صبي وكان يلعب مع مجموعة من الصبيان فقال للصبيان: لنكن نحن ملك وقاضيين وهذه المرأة المتهمة بالزنا ما الحلّ وكيف نحقّق بهذه القضية؟ فجعل دانيال نفسه بمنزلة الملك وجعل احد الصبية بمنزلة المرأة الصالحة العابدة التي اتّهمت بالزنا واخذ اثنين من الصبية جعلهما بمنزلة القاضيين، ثم دخل الصبية اللذين هما بمنزلة القاضيين على دانيال الذي اخذ منزلة الملك وشهدا امامه على المرأة الصالحة انها زنت، فقال دانيال للقاضيين انتما رأيتما انها تزني، ففرّق دانيال بين القاضيين والوزير ينظر هذه التمثيلية وقال لأحد القاضيين ابتعد ودعى احد القاضيين الصبيين وقال انت رأيت المرأة زنت؟ فقال في أي يوم زنت فقال مثلاً في يوم الاربعاء، وقال مع من؟ قال مع الشاب الفلاني (ذكر اسم الشاب) فقال اين كان الزنا؟ فقال في نفس بيت المرأة، فدعى القاضي الثاني وانفرد به فسأله انت رأيت المرأة زنت؟ فقال نعم. فقال في أي يوم؟ فقال يوم الخميس مثلاً، بينما ذا قال في يوم الاربعاء، فقال مع من؟ فذكر القاضي الثاني اسم شخص آخر غير الذي ذكره الاول، فقال أين؟ فذكر اسم مكان آخر غير ما ذكره الاول، لأنّ القاضيان لم يتبانيا على ذلك، فقال دانيال انتما اولى بالقتل لأن شهادتهما اختلفت في يوم الزنا ومكان الزنا والذي زنى بها. فلما رأى الوزير هذه القضية هنا وبإلهام الله تعالى كان نجاة للمرأة العابدة التي ابت ان تنزل الى الفجور حتى مع التهديد بالموت. فجاء الوزير للملك وقال هذا اليوم عندما يحضر القاضيان لاعدام المرأة وتحضر المرأة والناس مجتمعون فأصنع هكذا واسأل كل واحد منهما على انفراد عن كيفية وزمان ومكان زنى المرأة العابدة وفي ذلك المجمع العام الذي اجتمع فيه الناس جميعاً والقاضيان موجودان. فدعى الملك احد القاضيين لوحده وقال له: انت تشهد ان هذه المرأة زنت؟ فقال القاضي: نعم. فقال في أي يوم زنت؟ فذكر القاضي يوم معيّن وقال له مع من؟ فذكر اسم شخص معيّن. فسأله في أي مكان؟ فذكر مكان معيّن. ثم ترك هذا القاضي ليذهب ودعى القاضي الثاني وسأله اتشهد على ان المرأة زنت؟ فقال: نعم. فقال في أي يوم زنت؟ فقال يوم آخر غير الذي ذكر القاضي الاول. فقال له مع من؟ فذكر شخص آخر غير الذي ذكره الاول. فقال له في أي مكان؟ فقال له مكان غير المكان الذي ذكره القاضي الاول. فقال الملك: انتما اولى بالاعدام واعلن بين الناس انّ هذين القاضيين بما انّهما شهدا بالزور على المرأة العابدة فهما من يستحقّان القتل وقتل الملك القاضيين. وهذا مضمون ما نقل عن الإمام امير المؤمنين (صلوات الله عليه) في قضية فرق امير المؤمنين (صلوات الله عليه) بين الشهود واخرج الحقّ من التفريق بين الشهود ثم ذكر امير المؤمنين (صلوات الله عليه) (لم يسبقي بالحكم إلاّ نبي الله دانيال (عليه السلام)، وهكذا ذكر قصة دانيال.

تلك خلاصة الدنيا التي تغرّ وتضرّ وتمرّ. فالقاضيان دعتهما الدنيا الى الفجور بالمرأة الصالحة ولما أبت، دعتهما الدنيا الى اتهامها بالزنا ونتيجة لذلك غرّتهما الدنيا واضرّتهما وانتهت الدنيا بفساد دنياهما وآخرتهما. وهذه عبرة من الكثير من العبر فليعتبر كل انسان وكل مؤمن وكل رجل وكل امرأة وكل شخص في مجاله وموارده واطاره واجواءه ليعتبر وليعرف ان الدنيا هكذا شأنها حتى يصاب اقل بضرر الدنيا وبغرور الدنيا وخداع الدنيا وبالنتيجة تنتهي الدنيا.

المصدر:

1/بحار الأنوار: للعلامة المجلسي ج44/ 242.

2/ قضايا امير المؤمنين عليه السلام: ح‏103 و223.