سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
في سياق وصيّة مولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه: (أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه)(1) نذكر عيّنة من عيّنات السيرة المباركة للنبي الكريم والإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما بالنسبة إلى الإصلاح الزراعي في الإسلام.
هو حكم الله
ينبغي أن نذكر بأنّ من المسلّمات والقطعيات، انّ الحكم لله عزّ وجلّ، وليس لأحد غيره، فقد قال الله تعالى في القرآن الحكيم: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ)(2). ومن أحكام الله تعالى الشرعية هو الإصلاح الزراعي، وأنّ الأرض لمن يحييها، طبقاً للشروط المذكورة في الأحاديث الشريفة التي نقلها ونقّحها الفقهاء في الكتب الفقهية، بكتاب خاص بتفصيل واسمه (إحياء الموات).
من حكم الله سبحانه وتعالى أنّ (الأرض لله ولمن عمّرها)(3). وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث الشريف المتواتر نقله عنه بأنّ هذا الحكم هو (قضاء من الله)(4). وهذا الحكم الإلهي لا يخضع لأي تغيير أو تبديل، إلاّ من الله سبحانه وتعالى. فحتى سيّد الرسل، وأشرف الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله لا يحقّ له أن يغيّر أو يبدّل حكم الله تعالى. فقد قال جلّ وعلا في القرآن الحكيم: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)(5). ولا شكّ أنّ من المعروف في كتب الأدب بأنّ حرف (لو) يتسعمل في الموارد التي هي امتناع الامتناع. ويعني في المورد الذي يمتنع ذلك الشيء، يؤتى بـ(لو) لامتناع شيء آخر، كما قال سبحانه وتعالى في القرآن الحكيم: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)(6). فلم تك آلهة غير الله سبحانه، ولم يك فساد في مثل هذا المورد، أي امتناع الفساد لامتناع الآلهة. فيؤتى بحرف (لو) الشرطية، ولا يؤتى عادة بمثل (إن) و(إذا) من الحروف الشرطية الأخرى. فبالنسبة إلى أنّ الحكم لله سبحانه فقط وحصراً، يبيّن تعالى بأنّه لا يحقّ حتى لأشرف الأولين والآخرين أن يغيّر أو يبدّل.
الويل لمن يبدّل ويغيّر
بلى، لقد ذكرت الأحاديث الشريفة، ومنها عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه: (إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه ثم فوّض إليه أمر الدين والأمّة)(7). يعني في الإطار الذي فوّض الله سبحانه وتعالى الدين لرسول الإسلام صلى الله عليه وآله. ويعمل رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك الإطار، ويحكم، ولا يزيد ولا ينقص. وهذا شأن رسول الله صلى الله عليه وآله، فكيف بغيره. ولذا فإنّ من المسلّمات في الإسلام أنّ الأرض الموات لله ولمن أحياها، مع الشروط المذكورة (وهي استثناءات قليلة) في كتاب (إحياء الموات) وفي كل الكتب الفقهية وهذا هو الأصل الأولي. فلا يجوز لأحد أن يغيّر هذا الحكم، حتى أشرف الأولين والآخرين، وحاشاه صلى الله عليه وآله أن يغيّر. ويستفاد ذلك من حرف (لو) في قوله تعالى: (ولو تقوّل)، إنّه صلى الله عليه وآله لا يتقوّل بلا شكّ وقطعاً وحتماً، ولكن هذا بيان بأنّ التقوّل وتغيير الحكم الإلهي بمثابة من الفضاعة والشدّة، بحيث لو كان حتى شخص رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يكون قطعاً لما يدلّ عليه حرف (لو)، فإنّه يستحقّ العقوبة. علماً بأنّه يقول مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه: (نزل القرآن بإيّاك أعني واسمعي ياجارة)(8).
حالات استثنائية
إذن، فمسألة الإصلاح الزراعي في الإسلام، وأساسه (الأرض لله ولمن عمّرها) هو حكم دائم، ليس لأحد أن يقوم بتغييره حتى بالنسبة إلى أيّة شروط. ولذا نرى أنّ الإمام المجدّد الشيرازي الكبير رضوان الله تعالى عليه، قد حرّم التبغ، عندما أراد الاستعمار البريطاني وبقوّة عظيمة أن يتسعمر إيران الإسلام في زمانه قبل أكثر من قرن. حيث جاء الاستعمار تحت غطاء تجارة التبغ وزرعه وبيعه وشراء التبغ، لأجل أن يستعمر إيران الإسلام. فأراد المجدّد الشيرازي الكبير رضوان الله تعالى عليه أن يخرج الاستعمار عن إيران، أي لهذا الأمر، حرّم التبغ. ولكن قبل بيان التحريم، جعل كلمة (اليوم) حيث كتب في فتوته المشهورة: (اليوم استعمال التبغ يكون في حكم محاربة مولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف). فقبل أن يذكر تحريمه، ذكر كلمة (اليوم). وهذا يعني أنّه حتى في مثل الظرف العصيب، ليس التحريم تغييراً للحكم، وإنّما مجرّد إنقاذ بلاد الإسلام والمسلمين من الاستعمار الكافر، ولقطع يده عن ذلك الغطاء الذي باسمه أراد أن يستعمر بلاد الإسلام. ولذا، مادام هذا الاستعمار، وهذا اليوم بالخصوص، فقد حرّم المجدّد الشيرازي الكبير رضوان الله تعالى عليه، استعمال التبغ، واستطاع بذلك أن يطرد الاستعمار البريطاني من إيران، على عظمته في ذلك الزمان، وينهي الاستعمار المباشر من الكافر لبلاد المسلمين.
بلى، إنّ أي حكم شرعي هو لله ومن الله سبحانه وتعالى، إلاّ إذا كانت أو وجدت داهية عظيمة على المسلمين. ففي حينها ولدفع تلك الداهية العظيمة، أذن الله سبحانه وتعالى بذلك، وهذا يعني استثناء إلهي، استفيد من القرآن الكريم ومن الأحاديث الشريفة، لرسوله وللعترة الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين. وإلاّ فليس لأحد الحقّ في أن ينقص في شيء من أحكام الإسلام، ومنها الإصلاح الزراعي في الإسلام.
تملّك غير مشروع
إنّ ما نراه في الحكومات بالعالم، وحتى في العديد من الحكومات الإسلامية، مع شديد الأسف، أنّ الحكومة هي التي تتولّى بيع الأراضي الموات. وهذا الأمر لا يجوز عند جميع المسلمين، وعند كل المذاهب الإسلامية، بأي عذر كان وبأيّة حجّة كانت. بلى، إذا حصلت مشكلة عظيمة على المسلمين، فللحاكم الإسلامي الجامع لشرائط الحكومة شرعاً، له الحقّ في استثناء فترة خاصّة بالحكم، كما ذكر المجدّد الشيرازي الكبير رضوان الله تعالى عليه بقوله (اليوم يحرم استعمال التبغ) بقيد اليوم. فإذا كان في البلاد الإسلامية داهية عظيمة تدهمها أو تدهم المسلمين، يجوز للحاكم الشرعي الجامع لشرائط الحكومة أن يغيّر بقيد، مادام تلك الداهية، وليس مطلقاً. فالمتعارف في العديد من البلاد الإسلامية أنّ الحكومات الإسلامية هي التي تتولّى بيع الأراضي، وهذا لا يجوز جملة وتفصيلاً، وهذا من المحرّمات التي لا إشكال في حرمتها عند أي مذهب من مذاهب الإسلام.
المبادرة الإلهية العظيمة
إنّنا بهذه المبادرة العظيمة من الله سبحانه وتعالى ومن الإسلام بأن جعل أيدي الناس في داخل الإطار الإسلامي وفي داخل الحكومة الإسلامية مبسوطة بالنسبة إلى الأراضي البائرة والموات، ندعوا إليها غير المسلمين، سواء في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، ونقول لهم: تعالوا إلى الإسلام. فالإسلام له ميّزات عظيمة ديناً ودنياً وآخرة، ومنها مسألة الأراضي وامتلاك الأراضي بالإحياء لكل من يحييها. وهذه هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيرة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهذه هي سيرة سيّدنا ومولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى فرجه الشريف عندما يظهر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك قريباً وعاجلاً، ويوفّقنا لأن نكون في خدمته ويرضى عنّا ويدعو لنا صلوات الله عليه وعجّل في فرجه الشريف. فمن سيرة رسول الله وسيرة أمير المؤمنين صلوات لله عليهما وآلهما التي أراد الإمام الحسين صلوات الله عليه أن يسير بهما، مسألة الإصلاح الزراعي في الإسلام.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع لفهم أحكام الإسلام المسلّمة والقطعية والمجمع عليها، ويوفّقهم لنشرها في كل العالم، وليس في البلاد الإسلامية فقط، حتى يرغب غير المسلمين في الإسلام من هذه الجهة. وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)بحار الأنوار للعلاّمة المجلسي: الجزء ٤٤، الصفحة ٣٢٩.
(2)سورة الأنعام: الآية 57.
(3)فروع الكافي للشيخ الكليني: الجزء ٥، الصفحة ٢٧٩.
(4)وسائل الشيعة: ج 25 ص413.
(5)سورة الحاقّة: الآيات 44 إلى 46.
(6)سورة الأنبياء: الآية 22.
(7) أصول الكافي للشيخ الكليني: الجزء ١، الصفحة ٢٦٦.
(8)المصدر نفسه: الجزء٢، الصفحة ٦٣١.