تعريب: علاء الكاظمي
تقرير النصّ الكامل لكلمة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، بمناسبة ليلة الوحشة والغربة على أهل البيت عليهم السلام في واقعة الطف الدّامية.
ألقاها سماحته، كالسنوات السابقة، بتجمّع المعزّين الحسينيين، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، مساء يوم الخميس 9 محرّم الحرام 1448 للهجرة (25/6/2027م).
بسم الله الرحمن الرحيم
«عَظَّمَ اللهُ أُجورَنا وَأُجورَكم بِمُصابِنا بِالحُسَینِ علیه السلام، وَجَعَلَنا وَإیّاكم مِنَ الطّالِبینَ بِثَأرِهِ مَعَ وَلِیِّهِ المَهدِیِّ مِن آلِ مُحَمَّدٍ صلوات الله علیه وعجّل الله تعالی فرجه الشریف».
الجملة التي مرّ ذكرها هي من أذكار وآداب يوم عاشوراء، وإن كان ـ بالنظر إلى قاعدة «التسامح في أدلة السنن» ـ لا مانع من قراءتها في مساء عاشوراء أيضاً، بل هو أمر جدير بالاهتمام وحريّ بالعناية. إضافة إلى ذلك، ورد في روايات عديدة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أنّ الشيعة، عندما يلتقون بعضهم ببعض يوم عاشوراء، يعزّي بعضهم بعضاً بتلك العبارة، ويستذكرون المصيبة العظمى التي حلّت بمولانا أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
التعازي لإمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف
في البداية، أتقدّم بالتعازي والمواساة بمصيبة استشهاد الإمام سيّد الشهداء عليه السلام إلى المقام المقدّس لمولانا بقيّة الله الأعظم، إمام العصر والزمان، المهدي الموعود صلوات الله عليه وعجّل الله تعالى فرجه الشريف، صاحب الولاية الكبرى والإمامة العظمى. وأسأل الله تعالى أن يعجّل في فرج الإمام، لأنّ ذلك الوجود المقدّس قد أمر بنفسه قائلاً: «فَأَكثِرُوا الدُّعاءَ بِتَعجیلِ الفَرَجِ، فَإِنَّ ذلِك فَرَجُكم». وهذا التعبير الشريف يشتمل أيضاً على لطائف بلاغية ونكات أدبية دقيقة. ففي جملة «فَإِنَّ ذلِك فَرَجُكم»، تقدّم اسم الإشارة «ذلك» على الخبر، وهذا التقديم يفيد الحصر والاختصاص؛ أي إنّ الإمام لم يقل: «فإنَّ فرجكم ذلك»، وإنّما قال: «فإنَّ ذلك فرجكم». وكأنّما يريد أن يعلّمنا هذه الحقيقة، وهي أنّ الطريق الأساسي والفريد إلى انفراج جميع المشكلات الفردية والاجتماعية هو الإكثار من الدعاء بتعجيل الفرج؛ أي إذا كنتم تطلبون الفرج الحقيقي، فالتمسوا طريقه في الدعاء بتعجيل الظهور. وما أجمل أن لا ينسى الإنسان هذا الدعاء في جميع الفرص المناسبة؛ في قنوت الصلاة، وبعد الصلاة، وعند الإفطار في الصيام، وفي جوف الليل، وعند السحر، وفي كل وقت يكون فيه القلب مستعدّاً لمناجاة الله تعالى. وأرجو أن يعجّل الله عزّ وجلّ، بفضله وكرمه، في فرج مولانا، وأن يكون من أعظم أسباب هذا التعجيل أيضاً دعاء الإمام نفسه بتحقّق أمر الظهور.
ثم أتقدّم بالتعازي بهذه المصيبة العظيمة إلى جميع الرجال والنساء المؤمنين في أنحاء العالم الإسلامي، بل في جميع أرجاء العالم. وإضافة إلى هؤلاء، فإنّ جميع المظلومين في العالم، وجميع المتألّمين والمحرومين والمستضعفين والمحتاجين والمنكوبين وذوي القلوب المكسورة في العالم، شركاء في هذه المصيبة العظمى؛ ومن هنا أتقدّم إليهم جميعًا بالتعازي أيضاً.
الشكر لخَدَمة الشعائر الحسينية
كما أرى من اللازم هنا، إضافة إلى الدعاء، أن أعبّر عن شكري وتقديري أيضاً، فالدعاء ُسنّة مستحبّة وسيرة نورانية للمعصومين عليهم السلام، كما أن شكر أهل الخير والإحسان هو كذلك من المستحبّات المؤكّدة التي أوصى بها المعصومين عليهم السلام. ومن هنا أتوجّه بالشكر الصادق إلى جميع الذين يسمعون صوتي الآن أو سيسمعونه في المستقبل؛ إلى جميع الأعزاء الذين كان لهم في أيّام محرّم مشاركة في إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة، سواء أولئك الذين خدموا بأموالهم، أو الذين خدموا بألسنتهم وبيانهم، أو الذين أسهموا بالجهد والعمل الميداني والحضور والتنظيم والدعم والضيافة والتبليغ والخدمة والإعلام، أو بأيّ خدمة صغيرة كانت أم كبيرة في إقامة الشعائر الحسينية، فإنّ جميع الخدمات محفوظة ومأجورة عند الله تعالى، وأتقدّم بالشكر الصادق إلى كل واحد من اولئك الأعزاء.
كما أتقدّم بالشكر إلى جميع الذين سيهتمّون، ابتداءً من الغد وفي الأيّام القادمة، بإقامة الشعائر الحسينية المقدّسة في مختلف أنحاء العالم، وكذلك إلى جميع خَدَمة مجالس العزاء الحسيني طوال شهري محرّم الحرام وصفر الأحزان. وأسأل الله تعالى ألاّ يسلب منهم التوفيقات الإلهية أبداً، بل أن يزيد عاماً بعد عام في إخلاصهم ومعرفتهم وتوفيقهم وخدمتهم، وأن يجعلهم جميعاً في عداد الخَدَمة الحقيقيين لرحاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام. وألتمس من جميع الأعزاء الدعاء بإخلاص؛ لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات، كي يثبّتنا الله تعالى جميعاً على طريق خدمة الدين والولاية وأهل البيت عليهم السلام.
لماذا خُلق الإمام الحسين عليه السلام؟
السؤال التالي من أعمق وأهمّ الأسئلة الأساسية المطروحة في معارف أهل البيت عليهم السلام: لماذا خلق الله تعالى الإمام أبا عبد الله الحسين عليه السلام؟ وما الحكمة الكامنة في خلق وجوده المقدّس، بحيث ترك أثراً في تاريخ البشرية بأسره؟
من بين المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، المولى سيّد الشهداء عليه السلام أحد الأنوار المقدّسة الإلهية. وبناءً على ما ورد في الروايات، هناك أربعة من الذوات المقدّسة يتقدّمون عليه من حيث المقام والفضيلة: جدّه الكريم، رسول الله صلى الله عليه وآله، ووالده الكريم أمير المؤمنين عليه السلام، ووالدته الكريمة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وأخوه الكريم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. فهذه الذوات النورانية الأربعة متقدّمة على الإمام الحسين عليه السلام من حيث المرتبة والمنزلة. وفي المقابل، فإنّ الإمام الحسين عليه السلام يتفوّق على سائر الأئمة الأطهار عليهم السلام، أي على أبنائه الكرام، في الفضل والمنزلة، وهذا من المعارف المسلّمة التي حظيت بالاهتمام في الروايات أيضاً. ولكن ما أريد أن أبيّنه هو حقيقة أعتقد أنّها تُستفاد بوضوح من مجموع الروايات الكثيرة، بل من الروايات المتواترة؛ سواء الروايات الواردة بشأن خلق المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، ولا سيما الإمام الحسين عليه السلام، أو الروايات التي تناولت نهضة عاشوراء واستشهاد الإمام وأحداث كربلاء. وبعبارة أهل العلم، فإنّ هذه الحقيقة، بدلالاتها المطابقية والتضمّنية والالتزامية، تبلغ حدّ التواتر، وهي أنّ من أهم حكم خلق الإمام الحسين عليه السلام أن يتحقّق أكبر ميدان للاختبار الإلهي للبشر.
المحور للاختبار العظيم
لقد جعل الله تعالى وجود الإمام الحسين عليه السلام محوراً لاختبار عظيم، اختباراً تنكشف في ضوئه حقيقة الناس. ففريق يجد في ظل الولاية والمحبّة والنصرة واتّباع الإمام أهليّته للجنّة، وفريق آخر يختار، من خلال العداء والعناد وعدم الوفاء والمواجهة مع الوجود المقدّس للإمام عليه السلام، طريق جهنم. وكان يوم عاشوراء أوضح تجلٍّ لهذه الحقيقة. فقد نال أصحاب الإمام الحسين عليه السلام الأوفياء وأهل بيته الطاهرون، في ظل ملازمتهم لإمامهم ووفائهم له، أعلى درجات الجنة والرضوان الإلهي، بينما جعل جيش الظلم والجريمة، الذي وقف في وجه حجّة الله، نفسه بذلك الموقف مستحقّاً للعذاب الإلهي والجحيم الأبدي. وكان محور هذا التمايز هو شخص الإمام الحسين عليه السلام؛ ذلك الميزان الإلهي الذي فصل بين الحقّ والباطل. وهذه الحقيقة، بطبيعة الحال، لا تختصّ بعاشوراء، بل إنّ سنّة الله في جميع البشر قائمة على هذا الأساس. فقد صرّح الله تعالى في القرآن الكريم بأنّ الحياة الدنيا في الأساس ساحة اختبار؛ فالإنسان خُلق لكي يُختبر، ولكي تنكشف حقيقة إيمانه وتقواه وإخلاصه وعبوديته.
يقول الله عزّ وجلّ: «ثُمَّ جَعَلْنَاكمْ خَلَائِفَ فِی الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كیْفَ تَعْمَلُونَ»؛ والمقصود من هذا الاختبار أن يتبيّن من هو من أهل التقوى، ومن هو أسبق من غيره في مراتب التقوى، ومن ابتعد عن التقوى، ومن تجاوز في عدم التقوى والعصيان حدود الاعتدال. وينبغي أن تظهر جميع هذه الحقائق في ميدان العمل، والدنيا هي ميدان ظهور هذه الحقائق وتجليها. وعلى هذا الأساس، خُلق الإمام الحسين عليه السلام ليظل لواء الهداية والمعيار الإلهي مرفوعاً بين البشر؛ وهو المعيار الذي يكشف الناس عبر التاريخ من خلاله نسبتهم وموقفهم منه. ومنذ يوم عاشوراء وإلى الآن، ومن اليوم وإلى نهاية العالم، سيرحل الناس واحداً بعد آخر عن الدنيا؛ وستأتي أجيال وتذهب أجيال، وستقوم حكومات ثم تنهار، وستظهر أفكار ثم تزول، لكن الإمام الحسين عليه السلام سيبقى.
بلى، يأتي الناس ويرحلون، أما لواء هداية الإمام الحسين عليه السلام فسيبقى مرفوعاً دائماً، وسيظلّ حتى آخر يوم من الدنيا معياراً لمعرفة الحقّ من الباطل، وميزاناً لقبول الإنسان أو ردّه.
بقاء الحسين عليه السلام وزوال أعدائه
إذا رجعتم إلى كتب التاريخ، فسترون أنّه منذ شهر محرّم سنة إحدى وستين للهجرة، وهي السنة التي استُشهد فيها الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، استمرّ الصراع حول اسم الإمام الحسين عليه السلام ونهجه قرابة ألف ومئتي سنة، أي اثني عشر قرنًا. فبعد واقعة عاشوراء، تعاقبت حكومات بني أميّة، وبني مروان، وبني العباس، ثم بني عثمان، على مدى يقارب اثني عشر قرنًا، وكانت لجميع هذه الحكومات، بصورة أو بأخرى، مشكلة مع الإمام الحسين عليه السلام ومدرسته. ولم يقتصر تعاملهم الشديد مع النهضة الحسينية، بل كذلك واجهوا زوّاره بشدّة، وكذلك الذين كانوا يذكرون اسم الإمام الحسين عليه السلام على ألسنتهم، والعلماء والشيعة من أتباعه. ولو تصفّح الإنسان صفحات التاريخ، لوجد نماذج كثيرة من هذه المظالم.
لا أريد في الوقت الحاضر أن أدخل في بيان جميع تلك المظالم، ولكنني أشير إلى نموذج واحد منها. فقد استُشهد قبل نحو ثلاثمئة عام على يد الحكومة العثمانية أحد كبار علماء الشيعة وأعاظمهم، وهو المرحوم السيّد نصر الله الحائري، الذي كان من العلماء الشيعة المعروفين جدّاً، وكان المرحوم السيّد بحر العلوم رحمه الله يُعدّ، بواسطة، من تلامذة مدرسته العلمية. وقد نُقل أنّ السيّد الحائري كان يعقد مجلس درسه في الحرم الحسيني الطاهر. فما كانت جريمته؟ لم تكن سوى أنّه أثناء إحدى محاضراته، أخطأ في إعراب كلمة؛ فبدل أن يقول «عثمانَ» قال «عثمانٍ»، أي إنّه نطق بكسرة بدل الفتحة. فاتّخذت الحكومة العثمانية من ذلك ذريعة، وأعدمت ذلك العالم الجليل. انظروا إلى أيّ حدّ بلغ الأمر، حتى إنهم كانوا يقتلون عالماً كبيراً بسبب حركة إعرابية واحدة، ويرتكبون مثل تلك المظالم! وبالطبع، ليس مقصودي أن أذكر جميع جرائم تلك الحكومات؛ لأنّ من أراد أن يجمع مظالم بني أميّة وبني مروان وبني العباس وبني عثمان بحقّ الشيعة وأتباع الإمام الحسين عليه السلام، لاحتاج إلى عشرات المجلّدات، بل إنّ إحصاء جميع تلك المظالم في حدّ ذاته عمل شاق وواسع.
لكن، رغم كل تلك العداوات، لم تتغيّر الحقيقة. لقد خُلق الإمام الحسين عليه السلام ليبقى. وأمّا أعداؤه، أولئك الذين وقفوا في وجه نهجه، والذين عرقلوا طريق القضية الحسينية، والذين ساروا خلافاً لمسيرة الإمام الحسين عليه السلام، فقد جاؤوا جميعاً ثم رحلوا؛ وزالوا من الدنيا، وإذا كانوا قد رحلوا عنها على تلك الحال، فإنّ عاقبتهم ستكون العذاب الإلهي، لأنّ هذه هي حقيقة الاختبار الإلهي نفسها؛ فقد خلق الله تعالى عباده أساساً لكي تنكشف في ميدان الاختبار حقيقة إيمانهم وكفرهم، وطاعتهم وعصيانهم، وسعادتهم وشقاوتهم.
عاشوراء؛ ذروة الاختبار الإلهي
ورد في الروايات، ومنها في بحار الأنوار وغيرها من المصادر المعتبرة، أنّه كلما اقتربت لحظات عاشوراء من استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، كان عالم الوجود بأسره متأثّراً وقلقاً. وكما سمعتم مراراً من الوعّاظ وأهل المنبر، جاءت الملائكة وقالت: ربّنا! ما الحادثة التي تقع؟ أيُقتَل الحسين عليه السلام بهذه الصورة؟ وجاء الجنّ، وجاءت الأرض، وجاءت الريح، وأعلنت سائر مخلوقات الله استعدادها لنصرة الإمام أيضاً. فأرسل الله تعالى جميع واولئك، بعبارات مختلفة، إلى الإمام الحسين عليه السلام، وأمرهم أن يطلبوا منه بنفسه الإذن بالقيام بذلك. فجاؤوا جميعاً إلى محضره وقالوا: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، إذا أذنت لنا، فإنّنا نقضي على جميع هؤلاء الأعداء في لحظة واحدة. فقالت الريح: إذا أذنت لي، فسأستولي عليهم كما استوليت على قوم عاد، وسأسحقهم جميعاً. وقال الجن: يا أبا عبد الله، إنّ هؤلاء لا يروننا، فإذا أذنت لنا قضينا على جميع الأعداء واحداً بعد آخر. كما أعلنت الملائكة والأرض وسائر المأمورين الإلهيين، كلٌّ منهم، استعدادهم لإبادة جيش الباطل. ولكن الإمام الحسين عليه السلام، في مواجهة جميع تلك الاقتراحات، لم يكن جوابه إلاّ: «كلا». فلم يقبل شيئاً من هذه النصرة، ولم يأذن بالتدخّل. وهذا التعبير هو فهمي من مجموع تلك الروايات؛ فكأنّما كان الإمام يقول: لقد عاهدت الله تعالى أن أقبل هذه الشهادة، وأن أكون خاضعاً لهذا العهد الإلهي.
حتى ورد في بعض الروايات أنّ الخطاب جاء إلى الإمام من جانب الله سبحانه وتعالى، مفاده أنّه حتى في هذه اللحظة، إن لم يشأ، فلا يلزم أن تتحقّق هذه الشهادة. وقد جاء هذا الخطاب في وقت كان فيه جميع الأصحاب وأهل البيت عليهم السلام قد استُشهدوا، وكان الإمام الحسين عليه السلام قد بقي وحيداً بين آلاف الأعداء. ومع ذلك، عرض ذلك الإمام في محضر الله تعالى قائلًا: كلا، أنا أقبل هذا الطريق نفسه. وفي بعض الروايات، بيّن الإمام عليه السلام سبب هذا القرار بعبارة عميقة ومصيرية للغاية، فقال: «فَبِمَنْ یُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ»؛ أي: «فإن لم أُقتل، فبمن يُمتحن هؤلاء الخلق؟». وهذا هو السرّ الكبير في خلق الإمام الحسين عليه السلام. فلا بدّ أن يتحقّق الاختبار الإلهي العظيم، ولا بدّ للناس أن يختاروا موقفهم تجاه الإمام الحسين عليه السلام؛ إذ ينبغي أن يتميّز الحقّ عن الباطل، وأن ينفصل أحدهما عن الآخر. وبطبيعة الحال، فقد اختُبر الناس بوجود رسول الله صلى الله عليه وآله، واختُبروا بأمير المؤمنين عليه السلام، كما اختُبروا بالصدّيقة الطاهرة سلام الله عليها، وكذلك اختُبروا بالإمام الحسن المجتبى عليه السلام، ولكن لم يكن أيٌّ من تلك الاختبارات بمثل سعة وعمق ودوام الاختبار الذي تحقّق مع الإمام الحسين عليه السلام. ومن هنا، قال الإمام الحسين عليه السلام لجميع تلك المخلوقات: لا تقوموا بأيّ عمل؛ لأنّه إذا لم تتحقّق هذه الشهادة، فلن يتحقّق الاختبار الإلهي العظيم أيضاً؛ وهو الاختبار الذي قال عنه ذلك الإمام نفسه: «فَبِمَنْ یُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ».
طريق السعادة وطريق الشقاء
من أوضح نماذج الاختبار الحسيني العظيم، الحُرّ بن يزيد الرياحي. فقد كان في البداية ضمن جيش العدو، لكنه في اللحظات الأخيرة اجتاز الاختبار على أفضل وجه، وانتهى به الأمر إلى مقام سُجّل فيه اسمه إلى الأبد في عداد شهداء كربلاء وسعداء التاريخ. وقد ورد في التاريخ والروايات أن حُرّاً لم يكن وحده؛ ففي ليلة عاشوراء نفسها، انفصل نحو ثلاثين رجلاً من جيش عمر بن سعد عن جيش الباطل، وجاؤوا إلى محضر الإمام الحسين عليه السلام، واستُشهدوا في ركابه. وهم اليوم أيضاً مدفونون إلى جوار المرقد الطاهر للإمام سيّد الشهداء عليه السلام، عند أسفل قدمي سيّدنا علي الأكبر عليه السلام، وقد نالوا هذا الشرف العظيم. وهذا هو معنى كلام الإمام الحسين عليه السلام حين قال: «فَبِمَنْ یُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ». فلولا هذا الاختبار العظيم، لما بلغ الحُرّ بن يزيد هذه السعادة، ولما نجا أولئك الثلاثون من جيش العدو، ولما عُرفت شخصيات أمثال حبيب بن مظاهر بذلك المقام العظيم من الوفاء والإخلاص. وقد نُقل أنّ أفراداً كثيرين كانوا موجودين في قبيلة بني أسد؛ فكان بعضهم في جيش عمر بن سعد، بل إنّ أشخاصاً أمثال حرملة خرجوا من هذه القبيلة نفسها، وفي المقابل كان حبيب بن مظاهر أيضاً من بني أسد. فما أعجب أن يخرج من قبيلة واحدة شخصٌ مثل حبيب بن مظاهر، وشخص آخر مثل حرملة! وهذا هو الاختبار الإلهي بعينه؛ اختبار لا يرتبط بالقبيلة، ولا بالأسرة، ولا بالسابقات، ولا بظاهر الأشخاص. فعلى كل إنسان أن يختار بنفسه طريقه. ومن هنا، قال الإمام الحسين عليه السلام: «فَبِمَنْ یُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ». فإذا لم تتحقّق شهادتي، فبماذا وبمن سيُختبر هؤلاء الناس؟ فهذا الاختبار نفسه هو الذي رفع حُرّاً إلى ذروة السعادة، وخلّد حبيباً، وفي المقابل جعل أمثال حرملة إلى الأبد في صف أشقى البشر في التاريخ.
الامتحان الحسيني دوماً
هذه الحقيقة لا تختص بيوم عاشوراء؛ فهي قائمة اليوم أيضاً، وستبقى كذلك غداً، وبعد مئة عام أيضاً؛ كما كانت قائمة قبل مئة عام. فعلى مدى نحو ألف ومئتي عام بعد عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام، تكرّر مجيء عاشوراء، وجاءت ذكرى الأربعين، وحلّ يوم عرفة مراراً، ولكن في كثير من تلك السنوات، وبسبب ضغوط الحكومات الظالمة، لم يكن هناك حتى زائر واحد عند المرقد الطاهر للإمام الحسين عليه السلام؛ فلم يكن في عاشوراء زائر، ولا في الأربعين، ولا في يوم عرفة. وأما اليوم، فانظروا إلى المشهد الذي أوجده الله تعالى. فاليوم يصل ملايين المحبّين من أنحاء العالم إلى كربلاء، ويشاركون في شعائر الإمام الحسين عليه السلام. بل لو توفّرت إمكانات أكبر، ولو توفّرت وسائل نقل أكثر، ومرافق إيواء أوسع، والقدرة اللازمة على استقبال الزائرين بما يفوق ما هو متاح حالياً، لتوجّه في عاشوراء نفسه مئات الملايين من الناس إلى كربلاء. ولا يزال كثير من المشتاقين يُحرمون من هذا التوفيق بسبب محدودية الإمكانات، ومشكلات السفر، ونقص أماكن الإقامة، وغير ذلك من الصعوبات. ومع ذلك، فقد توفّرت اليوم، بفضل الله تعالى، إمكانات مناسبة من حيث الماء والطعام وكثير من الخدمات مقارنة بما كان عليه الحال في السابق، وهذا أمر يستحقّ الشكر والحمد.
كل ذلك هو الاختبار الإلهي نفسه. فالإمام الحسين عليه السلام هو اليوم أيضاً محور الاختبار، كما كان في عاشوراء. وكذلك نحن اليوم نُختبر في مقدار ما نبذله من وقتنا ومالنا وقدرتنا وإمكاناتنا في سبيل الإمام الحسين عليه السلام. فالذين يقيمون مجالس العزاء، والذين يعقدون مجالس عزاء الإمام الحسين عليه السلام، والذين يبذلون جهودهم في إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة، جميعهم في معرض هذا الاختبار؛ فهل أدّى كل واحد منهم من الخدمة بمقدار ما كان يملك من قدرة، أم كانت لديه قدرة أكبر وقصّر في أداء ما كان يستطيع؟ وفي هذا الميدان، عمل كل إنسان بمقدار همّته وإخلاصه؛ فبعضهم بذل جهداً يتجاوز قدرته المعتادة، وبعضهم الآخر بذل في خدمة الإمام الحسين عليه السلام أقلّ مما كان في استطاعته. وهذه إحدى تجليات الاختبار الإلهي الدائم في ظل وجود الإمام الحسين عليه السلام المبارك أيضاً.
أحد أهم أعمال يوم عاشوراء
من المناسب هنا أن أشير إلى مسألة طُرح بشأنها السؤال مراراً. وبحسب ما أعلم، قلّما رأيت أنّ هذه المسألة قد نُقلت على المنابر بالتفصيل الذي سأعرضه.
رُويت رواية صحيحة عن عبد الله بن سنان، وهو من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام الموثوقين. ويبدو أنّ المرحوم الشيخ عباس القمّي لم يورد هذه الرواية في «مفاتيح الجنان»، إلاّ أنّ المرحوم أخي رضوان الله عليه نقل الرواية بالتفصيل في كتاب «الدعاء والزيارة»، في القسم الخامس من أعمال يوم عاشوراء، باللغة العربية مع ترجمتها الفارسية. وقد نقل هذه الروايةَ أيضاً المرحوم الكليني في «الكافي»، وابن قولويه في «كامل الزيارات»، والسيد ابن طاووس وغيرهم من الأعلام بأسانيد متعدّدة، وبعض تلك الأسانيد صحيح. وكذلك نقلها الشيخ في «المزار الكبير»، وصاحب «وسائل الشيعة» في «الوسائل»، وصاحب «مستدرك الوسائل» من طرق أخرى.
يقول الإمام الصادق عليه السلام في الرواية: «أفضل ما تقوم به...»؛ أي: ما أفضل عمل يمكن للإنسان أن يقوم به في يوم عاشوراء؟ ففي يوم عاشوراء يستطيع الإنسان أن يقيم مجلس الرثاء، ويعقد مجلس العزاء، ويقدّم الماء والطعام، ويمارس اللطم على الصدور، ويقيم الشعائر الحسيني المقدّسة عليه السلام. وكل هذه الأعمال لها فضل وثواب، إلاّ أنّ الإمام عليه السلام قد ذكر في الرواية الصحيحة عملين بوصفهما أفضل أعمال يوم عاشوراء، وقد نالا، للأسف، اهتماماً أقلّ مما ينبغي. ومن أراد الاطّلاع على نص الرواية كاملاً، فبإمكانه الرجوع إلى كتاب «الدعاء والزيارة»، القسم الخامس من أعمال يوم عاشوراء، أو إلى «الكافي» و«كامل الزيارات» وسائر المصادر التي سبقت الإشارة إليها.
يقول الإمام الصادق عليه السلام إنّ أحد هذين العملين هو أن يكون الإنسان يوم عاشوراء «كَهيئةِ أَصحابِ المَصائِبِ»؛ أي أن تكون هيئته ومظهره كهيئة ومظهر من أصابته مصيبة وفقد عزيزاً. ومن الواضح أنّ حال من فقد أباه أو ابنه أو أحد أحبّته يختلف عن حال الآخرين. وقد ذُكرت في الفقه أحكام تخصّ «أصحاب المصائب أيضاً». وإذا رجعتم إلى الكتب الفقهية المفصّلة، مثل «العروة الوثقى»، فسترون أنّ عدداً كبيراً من الفقهاء كتبوا حواشي عليها؛ ففي إحدى طبعاتها توجد إحدى وأربعون حاشية على «العروة»، ومع المرحوم صاحب «العروة» نفسه يكون مجموع الفقهاء الذين بحثوا هذه المسائل اثنين وأربعين فقيهاً، ولا يُرى في هذه المسألة خلاف بينهم أيضاً. وقد ذكر الفقهاء أنّ من المستحبّات لأصحاب المصائب أن يكونوا من دون رداء، أي من دون عباءة، وأن يكونوا حفاة. ومع أنّ هذه الطريقة ليست شائعة بين الناس كثيراً في أيامنا هذه، فإنّ الإمام الصادق عليه السلام أوصى بهذه الهيئة في يوم عاشوراء؛ أي أن يكون الإنسان، إظهاراً للحزن على الإمام الحسين عليه السلام، حافي القدمين، وأن يكون ـ بالنسبة إلى من يضع العباءة على كتفيه ـ من دون عباءة.
النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في تشييع سعد بن معاذ
لم أرَ في موضع من المواضع أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يظهر بين الناس في حالته الاعتيادية حافي القدمين، أو يخرج من منزله من دون رداء. فقد كان الرداء من لباسه المعتاد، بل كان من شؤونه، إلاّ أنّ هناك حالة استثنائية وردت في الروايات، وهي تشييع جنازة سعد بن معاذ.
كان سعد بن معاذ من كبار أصحاب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ومن خيارهم. فلما توفّي، حضر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بنفسه تشييع جنازته، ودخل القبر بنفسه، ووضع جسد سعد في القبر، بل ورتّب حجارة اللحد بيديه أيضاً. وفي تلك الأثناء، قالت أمّ سعد، وكانت واقفة خارج القبر، عندما رأت كل هذا التكريم: يا سعد! هنيئاً لك أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله يعاملك بهذه الطريقة.
أما النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فقال لها فوراً: «لا تَجْزِمِي عَلَى اللهِ»؛ أي: يا أمَّ سعد، من أين لكِ أن تعرفي الآن في أيّ حالٍ يكون ابنك؟ لا يمكنكِ أن تحكمي حكماً قطعيّاً نيابةً عن الله تعالى.
ثم قال صلى الله عليه وآله: «إِنَّ سَعْداً قَدْ أَصَابَتْهُ ضَمَّةٌ»؛ أي إنّ سعداً قد أصابته ضمّة القبر وضغطته. ومع ذلك، فقد ورد في الروايات أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حضر تشييع جنازة سعد حافيَ القدمين ومن دون رداء. فحين سُئل صلى الله عليه وآله: يا رسول الله، لماذا عاملتَ سعداً بهذا النحو الذي لم تعامل به أحداً من قبل؟ ولماذا حضرتَ تشييعه حافيَ القدمين؟ قال: رأيتُ الملائكة حفاةً، فصرتُ حافياً. فقيل له: ولماذا كنتَ من دون رداء؟ فقال: رأيتُ الملائكة من دون أردية، ففعلتُ مثلهم.
ثم سُئل: مع كل هذا الاحترام والفضل الذي أوليته لسعد، لماذا قلتَ لأمّه: «لا تَجْزِمِي عَلَى اللهِ، إِنَّهُ قَدْ أَصَابَتْهُ ضَمَّةٌ»؟ فقال صلى الله عليه وآله: «كانَ في خُلُقِهِ مَعَ أَهْلِهِ سُوءٌ». ويعلم أهل الدقّة في الأدب العربي أنّ تعبير الرواية لا يدلّ على شدّةٍ أو إفراطٍ في سوء الخُلُق؛ بل إنّ تنكير كلمة «سُوء» في سياق الإثبات ظاهرٌ في قلّة هذا الخُلُق ومقداره اليسير. أي إنّ سعد بن معاذ، مع كل ما كان له من فضائل ومقام رفيع، كان فيه شيءٌ يسير من الحدّة وسوء الخُلُق في تعامله مع أهله، ومع ذلك لم يذهب هذا المقدار اليسير من الأثر في عالم البرزخ.
لاحظوا؛ إنّ الشخصية التي حضرت الملائكة تشييعها، وشارك النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في تشييعها حافيَ القدمين ومن دون رداء، ودخل بنفسه صلى الله عليه وآله القبر ووضع جسده فيه، مع ذلك كلّه، فإنّ ذلك المقدار من التقصير في حُسن التعامل مع الأسرة أظهر آثاره. ومن هنا، فإنّ الإمام الصادق عليه السلام، في الرواية الصحيحة عن عبد الله بن سنان نفسها، عندما بيّن «أفضل ما تقوم به» يوم عاشوراء، أوصى، من جملة ما أوصى به، بأن يكون الإنسان على هيئة أصحاب المصائب؛ أي أن يكون حافيَ القدمين، وأن يحضر الذين جرت عادتهم على ارتداء العباءة يوم عاشوراء من دون عباءة. وهذا الاستحباب مستندٌ إلى الرواية الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام، كما تؤيّده سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في تشييع سعد بن معاذ أيضاً.
الحسين عليه السلام حقيقة خالدة
إنّ التعبير «أفضل ما تقوم به» الوارد في الرواية، تعبير دقيق جدّاً، وليس المجال الآن للبحث التفصيلي فيه، وإنّما أشير إلى ذلك إشارةً لأهل الفنّ والاختصاص. فكلمة «أفضل» إمّا أن تُحمل على معناها الحقيقي، أو إذا لم تُحمل على معناها الحقيقي، فهي إضافية؛ أي قد يكون لفعلٍ آخر في بعض الظروف عنوان «الأفضل» أيضاً، وعندئذٍ يُطرح بحث التزاحم بين أفراد الأفضل. وهذا بحث علمي وفقهي ليس محلّ تفصيله هنا.
لكن أودّ أن أشير إلى نقطة قرأتُها بنفسي ذات مرّة في صحف تلك الحقبة في إيران، كما نُقل أيضاً أمرٌ آخر عن المتقدّمين. فقبل نحو مئة عام، مع زيادة أو نقصان قليل، لم يكن في يوم عاشوراء في عموم إيران حتى مجلس عزاء واحد يُقام، لأنّ إقامة مجالس عزاء الإمام سيّد الشهداء عليه السلام كانت قد مُنعت. وقد كتبت صحف ذلك الزمان نفسها هذا الأمر أيضاً. وفي ذلك الوقت نفسه، نُقل أنّ الحدود بين إيران والعراق كانت تمتدّ لنحو ألف كيلومتر. وقد كُتب أنّه في ذلك الشريط الحدودي نفسه، من مناطق البصرة إلى مهران وغيرها من المناطق الحدودية، في حين لم يكن في عموم إيران حتى مجلس عزاء واحد يُقام، كان في الجانب العراقي ألفا مجلس عزاء للإمام سيّد الشهداء عليه السلام. والمقصود ليس ألفي شخص في مجلس واحد، بل ألفا مجلس مستقلّ للعزاء كانت تُقام في ذلك الشريط الحدودي. وبعد سنوات، حدث عكس هذه الواقعة تماماً. وكثير منكم يتذكّرون فترة حكم صدام؛ حين كانت إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة في العراق تواجه قيوداً وتشديدات كثيرة، بينما كانت تُقام في إيران، في تلك الأيام نفسها، آلاف مجالس الحزن والعزاء.
كل ذلك يدلّ على أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد خُلق للبقاء. فأحياناً يغلقون الطريق في نقطة ما، ولكن الله تعالى يفتح الطريق في نقطة أخرى. ففي يوم من الأيام يُمنع العزاء في بلد، وتُقام في أرض أخرى آلاف المجالس، وفي يوم آخر تتبدّل الحال بين هذين البلدين؛ ولكن الذي يبقى دائماً هو اسم الإمام الحسين عليه السلام ونهجه.
إنّ الناس والحكومات والقوى تزول واحدة تلو الأخرى، أمّا الإمام الحسين عليه السلام فيبقى، وراية عزائه، بفضل الله تعالى، ستظل مرفوعة إلى نهاية الدنيا.
فضل خدمة الزائرين
كذلك أودّ أن اُبيّن نقطةً أخرى سبق أن ذكرتُها في مناسبةٍ من المناسبات، وأكرّرها اليوم أيضاً.
ورد في الروايات المرتبطة بالحجّ مطلبٌ يمكن، من خلال فهم عدم اختصاصه بالحجّ، بل وبالنظر إلى أولوية زيارة الإمام الحسين عليه السلام وشعائره، أن نجريه أيضاً في خدمة زائريه عليه السلام. ورد في الرواية أنّ شخصاً عرض على الإمام الصادق عليه السلام قائلاً: يا ابن رسول الله، توجّهنا نحن جماعةً لأداء الحجّ، وعندما دخلنا مكّة، قال لي رفاقي: ابقَ أنت عند أمتعتنا حتى لا يأخذها أحد، ولنذهب نحن لأداء الأعمال، ثم عندما نعود نبحث عن مكانٍ للإقامة. ويقول ذلك الشخص: كنت جالسًا وأنظر بحسرة إلى أصدقائي وهم منشغلون بالطواف والصلاة والسعي بين الصفا والمروة وسائر أعمال العمرة، بينما كنت أنا لا أفعل سوى حفظ أمتعتهم. فقال له الإمام الصادق عليه السلام: «أنت أعظمهم أجراً»؛ أي إنّك ما دمتَ في خدمة اولئك الحجّاج، فأجرك وثوابك أكثر من أجر جميعهم. ويمكن الاستفادة من الرواية من جهتين: الأولى من جهة فهم عدم الاختصاص، والثانية من جهة أنّ الروايات تذكر أنّ زيارة الإمام الحسين عليه السلام أفضل وأعظم فضلاً من الحجّ والعمرة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ خدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام لها الحكم نفسه أيضاً. وبناءً على ذلك، فإنّ الذين يذهبون لزيارة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام مأجورون، ولكن الذين يخدمون زائريه يكون ثوابهم أكثر من ثواب من اقتصر على الزيارة ولم يقدّم خدمةً. وأمّا إذا وفّق شخصٌ للزيارة، وخدم الزائرين في الوقت نفسه، فأيّ نعمةٍ أعظم من هذه؟
أحياناً لا يستطيع الإنسان أن يذهب بنفسه إلى الزيارة، أو لا يتوفّق إلى هذا التوفيق لأيّ سبب من الأسباب، ولكنه يؤمّن نفقات سفر أحد الزائرين، أو يدفع أجرة وسيلة نقله، أو يرسل عدّة أشخاص إلى الزيارة. وهذا أيضاً من مصاديق خدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام. وكذلك الذين يخدمون الزائرين في طرق الزيارة، من النجف إلى كربلاء، ومن بغداد إلى كربلاء، ومن الحلّة إلى كربلاء، وفي جميع الطرق المؤدّية إلى الحرم الطاهر، بتعبير بعض وسائل الإعلام: «من البحر إلى النحر»، فإنّ هؤلاء الخدّام، وفقًا لهذا الملاك، لهم أجر وثواب أعظم من أجر من ذهب إلى الزيارة وحده ولم يقدّم خدمةً. وأقول كما ذكرتُ في السابق، هذه النقطة، وهي أنّه ليس من الضروري أن يمتلك الإنسان ثروةً كبيرة حتى يستطيع أن يخدم في هذا الطريق. وليس من الضروري أن يوفّر شخصٌ عدّة حافلات أو عدّة طائرات، ويُرسل الزائرين إلى كربلاء مجانّاً، فكلّ إنسان يستطيع أن يكون له سهمٌ بقدر استطاعته؛ فأحياناً يجمع الإنسان المساعدة من هذا وذاك، وأحياناً يضيف إليها شيئاً من ماله، وبقدر ما يستطيع يؤمّن وسيلة زيارة شخصٍ واحد أو عدّة أشخاص. وهذا أيضاً من خدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام، وإن شاء الله سيكون مأجوراً ومحفوظاً عند الله تعالى.
خدمتان عظيمتان
خلاصة الكلام أنّ هناك اليوم خدمتين أساسيتين تجاه زائري الإمام الحسين عليه السلام، ولا يزال المجال فيهما واسعاً جدّاً للعمل والخدمة:
الأولى: تهيئة مقدّمات وصول الزائر إلى كربلاء. فأحياناً تكون المشكلة في نفقات السفر، وأحياناً تكون في مسألة جواز السفر أو التأشيرة أو الإجراءات الإدارية. وقد يتعذّر على شخصٍ ما الحصول على جواز سفر لسببٍ من الأسباب، أو تُفرض عليه بعض القيود. فإذا استطاع الإنسان أن يزيل عقبةً في هذا الطريق، أو يقدّم ضماناً، أو يتابع الأمر، أو يدفع مبلغاً من المال حتى يتوفّق ذلك المؤمن لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، فإنّ هذا بحدّ ذاته خدمة عظيمة.
الثانية: مسألة إسكان الزائرين في كربلاء وحولها. فلماذا يضطر زائرو الإمام الحسين عليه السلام إلى الاستراحة على الأرض في الحرّ أو البرد أو المطر أو تحت أشعة الشمس؟ لقد اضطجع الإمام الحسين عليه السلام على التراب لكي لا يبقى زائرُه على التراب. ولا يزال في هذا المجال مجالٌ واسع للخدمة. فالذين لديهم القدرة، يمكنهم أن يوفّروا للزائرين فندقاً أو دار ضيافة أو مكاناً للإقامة، حتى لو كان يبعد بضعة كيلومترات عن كربلاء، أو يشتروا بيتاً أو يستأجروه ويضعوه تحت تصرّف زائري الإمام سيّد الشهداء عليه السلام في أيّام الزيارة، ولا سيما في أيام الأربعين حيث تكون الحاجة أكبر بكثير. وهذه من المصاديق الواضحة لخدمة الزائرين، وكما ذكرتُ، فإنّ خدمة الزائر أعظم فضلاً من مجرّد الزيارة نفسها.
عليكم بمؤلّفات الشيخ البلاغي
كان المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي، أحد كبار علماء النجف الأشرف المعروفين، ومن معاصري والدنا، قد تتلمذ لأكثر من عشر سنوات في سامراء، لدى المرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيخ محمّد تقي الشيرازي قدّس سرّه، قائد ثورة العشرين. وأرى من المناسب أن أوصي الشباب الأعزاء، سواء كانوا من طلبة الحوزات العلمية أم من طلبة الجامعات والمدارس، بأن يقتنوا ويطالعوا، إن أمكنهم ذلك، كتابين قيّمين لهذا العالم الكبير، أحدهما كتاب «الهدى إلى دين المصطفى»، والآخر «الرحلة المدرسية». وقد ألّف المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي هذين الكتابين بعد سنوات طويلة، وتحمّل خلال ذلك مشاقّ كثيرة، كما نُقل ذلك أيضاً في ترجمته وسيرته. بل كُتب أنّه أُصيب بمرض السل نتيجةً لمشاقّ تلك المرحلة والظروف الصعبة في سامراء القديمة. وقد قام في هذين الأثرين، بالرجوع إلى نسخ مختلفة من التوراة والإنجيل، وباللغات المتعدّدة، ومنها العربية والفارسية وغيرها من اللغات، بدراسة التحريفات والإشكالات الموجودة فيهما ونقدها. وقد سمعتُ أنّ هذين الأثرين تُرجما أيضاً إلى الفارسية. ولذلك أوصي جميع الشباب بأن يطالعوا، إذا كانوا يعرفون العربية، أصل هذين الكتابين، أي «الهدى إلى دين المصطفى» و«الرحلة المدرسية»؛ وهما من آثار الجهود العلمية التي بذلها ذلك العالم الكبير من علماء النجف الأشرف على مدى سنوات طويلة. وقد نُقل أنّ الكتابين المذكورين حظيا باهتمامٍ أيضاً في البلدان الأوروبية، وأنّ جماعةً من العلماء المسيحيين واليهود اعتنقوا مذهب التشيّع بعد مطالعتهما.
من اهتمام العلماء بالشعائر
كذلك أودّ أن أنقل مطلباً عن المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي بشأن شعائر الإمام الحسين عليه السلام. وقد رأيتُ بنفسي هذا المطلب في أحد كتبه، الذي طُبع في قم قبل عدّة سنوات.
يكتب المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي أنّ المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه، صاحب فتوى تحريم التنباك، كان يقيم الشعائر المقدّسة للإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء من كل عام، طوال عشرين سنة من إقامته في سامراء. ومن بعده، كان المرحوم الميرزا الشيخ محمّد تقي الشيرازي قدّس سرّه، صاحب فتوى ثورة العشرين، يقيم تلك الشعائر أيضاً خلال السنوات الست والعشرين التي قضاها في سامراء. علماً بأنّه لم يصرّح المرحوم الشيخ محمّد جواد البلاغي بأنّ هذين العَلَمين كانا يشاركان شخصياً في المواكب ومجالس العزاء؛ وإنّما الذي كتبه هو أنّهما كانا يتولّيان إقامة الشعائر ويخدمانها. وينقل أنّه في عهد المرحوم المجدّد الشيرازي الكبير قدّس سرّه، كان هو بنفسه يؤمّن جميع الأكفان التي يحتاج إليها المعزّون والمتوفّون من ماله الشخصي، ومن بعده واصل المرحوم الميرزا الشيخ محمّد تقي الشيرازي قدّس سرّه النهج نفسه طوال ستة وعشرين عامًا، وكان يتحمّل نفقاتها شخصياً. وهذا يدلّ على أنّ خدمة شعائر الإمام الحسين عليه السلام وخدمة زائريه لها مقام رفيع جدّاً بحدّ ذاتها، بل كما يُستفاد من الروايات، قد تكون أحياناً أفضل من أصل الزيارة نفسها. وأمّا إذا وفّق الإنسان للزيارة، ووُفّق في الوقت نفسه لخدمة الزائرين، فهي نورٌ على نور، وأيّ سعادة أعظم من ذلك؟
لتوسيع الشعائر
هنا لا أريد أن أقرأ مصيبة أخرى، فالحمد لله، لقد استمعتم خلال هذه الأيام إلى مجالس عزاء كثيرة، ومن الغد، وليلة الغد، وفي مواصلة شهري محرّم وصفر أيضاً، ستشاركون إن شاء الله في مجالس أهل البيت عليهم السلام، وتستفيدون من هذا الفيض، وإنّما أريد أن يُسجَّل اسمي أيضاً في عداد الذين يشجّعون الناس على إقامة شعائر الإمام الحسين عليه السلام؛ فواصلوا أنتم أيضاً هذا الطريق. وكلّما كان لكم في أي مكان من العالم صديق أو معرفة أو قريب، فاتصلوا به واسألوه: هل تُقام في مدينتكم أو قريتكم أو محلّ إقامتكم حسينية أو مجلس عزاء للإمام سيّد الشهداء عليه السلام أم لا؟ فإن لم يكن، فشجّعوهم على بناء حسينية أو إقامة مجلس. فإذا قالوا: ليست لدينا الإمكانات والمال، فقولوا لهم: ابدؤوا شيئاً فشيئاً، وبقدر استطاعتكم، وتعاونوا وتكاتفوا فيما بينكم، وابدؤوا بهذا العمل، فالمهم أن تتوسع الشعائر الحسينية يوماً بعد يوم.
لأربعين أفضل
في الختام، أودّ أن أعرض جملةً أخرى فقط بشأن الأربعين الحسيني لهذا العام: كلّ من قدّم في العام الماضي خدمةً لزائري الأربعين، فليحاول هذا العام أن يقدّم الخدمة نفسها بمقدارٍ أكبر قليلاً. فإذا كان قد وفّر وسيلةً لنقل الزائرين، فليقدّم مساعدةً أكبر هذا العام. وإذا كان قد دفع نفقات السفر أو تكاليف تذاكر الطائرة أو السيارة، فليكن اهتمامه هذا العام أكبر مما كان عليه في العام الماضي. وإذا كان قد قدّم للزائرين الماء أو الطعام أو أيّ نوع من الخدمات في طريق النجف إلى كربلاء أو في أماكن أخرى، فليوسّع هذه الخدمة هذا العام. وإذا كان قد وفّر في كربلاء أو في ضواحيها بيتاً أو حسينيةً أو دار ضيافة أو مكاناً لإسكان الزائرين مجاناً، فليسعَ هذا العام إلى توسيع هذه الخدمة أكثر مما كانت عليه في السابق.
لقد قال الإمام عليه السلام إنّ الناس تجاه الأعمال الصالحة ثلاثة أصناف. ثم قال: (الْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ). وليس الكَيِّس من يخطّط لدنياه فحسب؛ بل إنّ الكياسة الحقيقية هي الكياسة للآخرة. فالدنيا مهما طال أمدها فهي منتهية، وأمّا الآخرة، فهي التي يقول القرآن الكريم عنها: «فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ». فالكَيِّس الحقيقي هو من يكون يومه خيراً من أمسه.
كما أطلب من جميع الذين يسمعون صوتي الآن أو سيسمعونه في ما بعد، أن يسألوا أنفسهم: ما الخدمة التي قدّمتُها للإمام الحسين عليه السلام في أربعين العام الماضي؟ وليكن سعيي هذا العام إلى أن تكون خدمتي أكبر قليلاً من تلك الخدمة. فإذا كنت قد أنفقت مالاً، فلأنفق هذا العام أكثر. وإذا كنت قد شجّعت الآخرين على الخدمة، فلأشجّع هذا العام عدداً أكبر من الأشخاص. وإذا كنت قد بذلت جهداً بنفسي، فلأزد هذا الجهد هذا العام.
أما إذا كان ما نقدّمه هذا العام بالمقدار نفسه الذي قدّمناه في العام الماضي، فإنّنا، وفقاً للرواية المشار إليها، لم نبلغ بعد مرتبة «الكَيِّس»، لأنّ الإمام عليه السلام قال: «الْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ». وإذا ـ لا سمح الله ـ أصبحت خدمة الإنسان أقلّ من العام الماضي، فإنّ الخسارة تكون أوضح. فمن وفّر في العام الماضي نفقات السفر لمئة زائر، لا ينبغي له هذا العام أن يكتفي بتوفيرها لتسعين زائراً، بل ينبغي أن يسعى إلى أن تكون خدمته أكبر مما كانت عليه في السابق. فلنسعَ جميعاً إلى أن نكون من مصاديق «الكَيِّس».
أسأل الله عزّ وجلّ أن يتقبّل من الجميع جميع الخدمات والجهود. وأن يمنّ علينا الإمام الحسين عليه السلام نفسه، الذي جعله الله تعالى محوراً للامتحان الكبير، الذي قال هو عليه السلام: «فَبِمَنْ يُمْتَحَنُ هَذَا الْخَلْقُ»، بعنايته ولطفه الخاصّين بنا جميعاً. وأسأل الله تعالى أن يوفّقني ويوفّقكم جميعاً لأن نكون، في كل عام، أكثر توفيقاً من العام السابق في إقامة الشعائر المقدّسة للإمام سيّد الشهداء عليه السلام. وأنا أيضاً ألتمس منكم الدعاء؛ فكما دعوتُ لكم، فادعوا لي أن نوفَّق، ببركة رعاية الإمام الحسين عليه السلام، إلى خدمة الشعائر الحسينية المقدّسة، وأن نكون كلّ يوم أكثر توفيقاً من اليوم الذي سبقه.
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين.