سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام الجواد صلوات الله عليه: (المؤمن يحتاج إلى (خصال) ... وواعظ من نفسه) (1).
معنى الحديث الشريف هو أن يلتفت الإنسان وينتبه بأن يعظ نفسه هو، ولا يكون منحصراً بالمواعظ التي يتّعظ بها ويستفيد منها، في ومن آخرين يعظونه.
أهميّة الاتّعاظ
إنّ القرآن الكريم أكبر واعظ وأهمّ واعظ، وكذلك الأحاديث الشريفة، بعد القرآن الكريم، هي الواعظ الكبير للإنسان. ولكم من المهم جدّاً أن يتّخذ الإنسان من نفسه واعظاً لها، يعني يعزم ويصمّم على أن يتّعظ بما يرى في أطرافه، ولما يجري من حوله، من مختلف القضايا، ومن مختلف الأمور، أي يتّخذ واعظاً من نفسه، عندما يرى شيئاً وقضية، ويكون ارتكازه على أن يستفيد من هذه القضية لتزكية نفسه وتربيتها.
الإنسان، معترك شديد بين نور العقل ونار الشهوات. فالعقل الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في الإنسان، يرشده دائماً ويدعوه إلى الفضائل، وإلى الخير، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة. وأما الشهوات، وهي التي جعلها الله تعالى في الإنسان أيضاً، تدعوه دائماً إلى المظالم، وإلى الشرّ، وإلى السيّئات.
النجاة من معترك شديد
إذن، الإنسان هو محل نزاع هاتين الطاقتين العظيمتين، أي نور العقل ونار الشهوات. فإذا اتّخذ واعظاً من نفسه، ينجو، شيئاً فشيئاً، من نار الشهوات، وإلاّ يبتلى ويحترق دنياً وآخرة. ولذا ورد في الأحاديث العديدة، وبتعبيرات مختلفة هذا المضمون، وهو بأنّه لابدّ للمؤمن، ولا مناص له، ولا مفرّ، من أن يتّخذ واعظاً من نفسه، أي هو يعظ نفسه، ويتّخذ من العبر واعظاً لنفسه. وهذا قليل جدّاً ما يحدث، وينبغي للمؤمن أن يكون من هذا القليل. وقد ورد في الأحاديث الشريفة، تبعاً للقرآن الكريم، بأنّ الذين ينجون بالنتيجة من نار الشهوات، قليلون، ومنها قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) (2) وقوله عزّ من قائل: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (3). فإذا ركّز الإنسان وعزم على أن يستفيد مما يجري حوله ويعظ نفسه فبها، وإلاّ لا ينجو. ولذا ورد في بعض الأحاديث الشريفة أنّه في بعض الأزمنة، يموت الألوف والألوف من الناس، مثلاً، يموت خلال شهر أو سنة، عشرات الألوف والملايين من الناس، ويكونون عند الموت غير ناجين، سوى شخص واحد، وهو برئ وناج من المظالم في الدنيا، فتتعجّب الملائكة، أنّه كيف استطاع هذا الشخص وهذا المؤمن أن ينهي دنياه بدون شهوات، وبدون مظالم، ويكون مثاراً لعجب الملائكة الذين هم رسل الله تعالى، والموكّلين من قبله تعالى بالنسبة للأموات. وهو الحديث الشريف التالي:
قال مولانا الإمام علي صلوات الله عليه: (إذا صعدت روح المؤمن إلى السماء تعجّبت الملائكة وقالت: عجبا! كيف نجا من دار فسد فيها خيارنا) (4).
خير مصداق للاتّعاظ
كان سلمان المحمدي رضوان الله عليه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، وصاحب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وقد ذكر مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه، عنه قصّة، هي كالتالي:
(مرّ سلمان رضي الله عنه على الحدّادين بالكوفة، فرأى شابّاً قد صعق والناس قد اجتمعوا حوله. فقالوا له، ـ أي لسلمان ـ: يا أبا عبد الله هذا الشاب قد صرع فلو قرأتَ في أُذنه. قال: فدنا منه سلمان، فلمّا رآه الشاب أفاق وقال: يا أبا عبد الله ليس بي ما يقول هؤلاء القوم، ولكنّي مررت بهؤلاء الحدّادين وهم يضربون بالمرزبات ـ المرزبات جمع المرزبة وهي المطرقة الكبيرة التي تكون للحدّاد ـ فذكرت قوله تعالى: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} سورة الحج، الآية: 21. فذهب عقلي خوفاً من عقاب الله تعالى) (5).
لقد سقط الشاب المذكور في الحديث أعلاه، عندما شاهد الحدّادين يضربون بالمطرقات الحديدية القويّة، ضربات عنيفة على الحديد المحمّر على النار حتى يلين شيئاً فشيئاً ويصنعون منه ما يريدون من مختلف الوسائل والأدوات، فتذكّر الآية الشريفة التي مرّ ذكرها، فصرع وسقط على الأرض. أي تذكّر عذاب جهنم، وبالأخصّ ما تبيّنه الآية الكريمة الأخرى التي تلي الآية السابقة التي ذكرنا، وهو قوله تعالى: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (6). فقد قال ذلك الشاب لسلمان المحمّدي رضوان الله عليه بأنّه لما رأى المرزبات بيد الحدّادين وهم يطرقونها ويضربونها بقوّة عنيفة على الحديد، تذكّرت الآية الكريمة بالنسبة للظالمين، فأصابتني تلك الحالة ولم أشعر وسقطت على الأرض، والآن قد أفقت وليس بي صرع. وهذا هو معنى (واعظ من نفسه) كما يذكره الحديث الشريف عن الإمام الجواد صلوات الله عليه. وهذا هو من مصاديق واعظ من نفسه.
عذاب الظالمين من الحكّام
لا شكّ، إنّ الله تعالى رؤوف بعباده، في الدنيا والآخرة، والله هو الرحمن والرحيم، وقد سبقت رحمته غضبه، ورحمته أوسع من غضبه، ورحمة الله متقدّمة على غضب الله، أما مع ذلك، لا تقتضي الحكمة، الرحمة بالنسبة إلى الظالمين الذين ظلموا الناس في الدنيا، فهذا خلاف الحكمة، بأن يغفر الله تعالى للظالمين، الذين أبادوا كل شيء من المظلومين في الدنيا، وسلبوا راحتهم وصحّتهم وأموالهم، وسلبوا أعمارهم بأن قتلوهم وذبحوهم وعذّبوهم. فالله تعالى حكيم، وهذا خلاف الحكمة أن يرحم الظالمين الذين ظلموا كل ما استطاعوا في الدنيا، وذهبوا إلى الآخرة وأيديهم ملوّثة بأنواع وأقسام من المظالم. فالله سبحانه وتعالى يدخل الظالمين في جهنّم. ومما ذكره القرآن الكريم حول عذاب جهنّم، وكما تذكر التفاسير، إنّ مثل نار جهنّم مثل البركان، الذي ينفجر ويخرج لهيب ناره ويحمل معه الأجرام المتعدّدة. فلهيب جهنّم يحمل معه الظالمين الذين هم في جهنّم إلى فوق، فتقوم الملائكة الذين بيدهم مقامع ومرزبات حديدية عظيمة من النار، بطرق المقامع وضربها على رؤوس الظالمين، فيسقطون إلى قعر جهنّم، ثم مرّة أخرى، يرفعهم لهيب جهنّم، كنار ولهيب البركان، إلى فوق وتضربهم الملائكة بالمقامع، وهكذا تتكرّر وتتكرّر هذه الحالة من العذاب مع الظالمين. ولهذا يقول القرآن الكريم: (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا).
بلى، كل مؤمن ينبغي له، وبكل تأكيد، وكما في الحديث الشريف، أن يتّخذ لنفسه واعظاً من نفسه، وإلاّ فإنّ نار الشهوات تحرق الإنسان، فعليه أن يتّعظ بما يرى حوله، وبما هو فيه من المشاكل والنِعَمْ المختلفة. فإذا لم يتّعظ، فسوف لا ينتهي أمره إلى خير.
شرّ الظلم والظالمين
إنّ شرّ الظالمين، وشرّ الظلم، هو ظلم الحكومات بالنسبة إلى الشعوب. فقد يظلم الزوج زوجته، وقد تظلم الزوجة زوجها، وقد يظلم الفرد فرداً آخراً، وان كان الظلم قليله كثير، وصغيره كبير، ولكنه ظلماً لفرد واحد، وكذلك كظلم أب أو أمّ لأولادهما. ولكن الحكومة الظالمة تظلم الألوف والملايين من الناس، وتسلبهم حريّاتهم، وتسلبهم أرزاقهم وراحتهم، وتسلبهم أفكارهم، وتسلب صعودهم ونموّهم، وتسلبهم فرص التفوّق وفرص الرقيّ بأنفسهم وبأعمالهم وببلادهم.
إذاً، ظلم الحكومات هو من أشدّ الظلم، وعذاب الحاكمين من الظالمين، هو من أشدّ العذاب، والعياذ بالله. ولذا نجد أنّه حتى التاريخ يلعن الظالمين، ويذكر سيّئات أعمالهم. وأشدّ الظالمين هم الذين يظلمون الناس ويسمّون أنفسهم مسلمين، ويظلمون باسم الإسلام، كبني أميّة وبني العباس، ومنهم الحجّاج بن يوسف الثقفي. فقد كان الأخير والياً من ولاة الظالمين في أيّام بني أميّة، وكان من ولاة بني مروان، وخلال سنوات تولّيه للأمر، ظلم عشرات الألوف من الظلم، بل ومئات الألوف، لمئات الألوف من البشر. فكيف سيكون مصيره؟ أليس مصيره جهنّم ومقامع من حديد، والعياذ بالله.
لعاقبة خير
لذا، على كل مؤمن أن يتّخذ واعظاً من نفسه، حتى لا يصدر منه الظلم، لا صغيره ولا كبيره، ولا ظلم على نفسه، ولا على غيره، حتى ينجو.
أسأل الله سبحانه وتعالى، أن يوفّقنا لهذه الفضيلة بأنّ نتّخذ واعظاً من أنفسنا، لتكون عاقبتنا إلى خير، بفضل الله تبارك وتعالى، وبرعاية أهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم. وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــ
تحف العقول: 457.
سورة ص: الآية 24.
سورة سبأ: الآية13.
غرر الحكم: ح 4091.
أمالي الشيخ المفيد 87، المجلس 16، ح 4.
سورة الحجّ: الآية22.