سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
جاء في دعاء سيّدنا ومولانا الإمام الحسين صلوات الله عليه في يوم عرفة، وهو يدعو الله تعالى بدموع جارية، ويخاطب الله سبحانه وتعالى، ويقول: (عَمِيَتْ عَيـِنٌ لا تًرَاكَ عليها رقِيِباً) (1).
من الأعمى؟
إنّ الله سبحانه وتعالى رقيب على كل شيء، فهو الحي القيوم، دائم الحياة ودائم القيمومة، وله الرقابة الدائمة على كل شيء وعلى كل إنسان بالخصوص. فإذا كان هناك من الناس من لا يرى انّ الله تعالى رقيب عليه، فهكذا إنسان، إما هو بلا عين، ولا عين له، كما يقول الإمام الحسين صلوات الله عليه، وإما انّه دعاء على هكذا إنسان بأنّ عين بصيرته لا ترى رقابة الله تعالى عليه، وبأن تعمى هذه العين.
لأجل البصيرة
لا شكّ، أنّه ليس المراد من قول الإمام الحسين صلوات الله عليه هي عين البصر، بل هي عين البصيرة. لأنّ عين البصر لا ترى الله سبحانه وتعالى، بل عين البصيرة هي التي ترى الله سبحانه وتعالى بالبصيرة والفهم والدرك وبالتأمّل، وترى رقابة الله تعالى على الإنسان. وهذا بحاجة إلى التفات، وإلى دوام التلقين، وذلك لكي لا تستطيع الشهوات المودعة في الإنسان، وهي قويّة الدفع إلى المعاصي والمظالم، أن تؤثّر على الإنسان لتنفيذ المآرب الشهوانية المحرّمة، ولتنفيذ المظالم. فهذا الأمر بحاجة إلى أن يشعر الإنسان نفسه دائماً بأنّ الله تعالى رقيب عليه ويراه ويسمع منه، وأنّ الله عزّ وجلّ مهيمن. فهكذا إنسان ينجو بالتالي، وإلاّ فلا ينجو. وقد ورد في ذلك أمثلة عديدة، في القرآن الكريم، وأمثلة كثيرة في الأحاديث الشريفة، أيضاً.
في الامتناع عن الفجور
من تلك الأمثلة، قصّة زليخا مع النبي يوسف على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم. فقد عشقت زليخا يوسف عليه السلام، وعزمت على الفجور معه، ويوسف ممتنع أشدّ الامتناع، لأنّه نبيّ معصوم، لا يغيب عنه التوجّه إلى رقابة الله تعالى الدائمة. ولكن زليخا كانت عابدة صنم، وعزمت على المعصية، كما يقول القرآن الكريم (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) (2). وكان في غرفتها ـ كما تذكر كتب تفاسير القرآن الكريم والأحاديث والروايات ـ صنم، وكانت تعبده. ولما همّت زليخا بالمعصية مع يوسف، وفي يوسف الامتناع الشديد الذي نجّاه به الله سبحانه وتعالى، ذهبت زليخا وغطّت وجه الصنم وقالت حتى لا يرانا على الفجور. وبالنتيجة أنقذ الله سبحانه وتعالى نبيّه يوسف عليه السلام، كما ينقذ كل مؤمن يرى رقابة الله تعالى عليه. فزليخا كانت تعبد الصنم، ولكنها عندما أرادت أن تعمل الفجور، تريد أن لا يراها الصنم على الفجور، والصنم لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل، وقد صنعته أيدي الإنسان، وربما الذي يعبد الصنم، هو الذي صنعه. وكانوا يصنعون الأصنام، بقطع قطعة من الشجرة، ويصنعون منها صنماً، أو من قطعة حديد، أو من رخام أو تراب وأمثال ذلك. ومع ما كان الصنم، وبهذا المقدار من العقيدة لزليخا بالصنم، أرادت أن لا يراها الصنم تعمل الفجور. وكان في معتقد زليخا أنّه إذا وضعت المنديل على وجه الصنم، فسوف لا تبصر عيناه. ولكن الله سبحانه وتعالى بصير.
بلى، في الإنسان شهوات تدفعه إلى أنواع من المعاصي، فإذا ركّز على رقابة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الالتفات لديه شديداً والرقابة الإلهية قويّة في نفسه، فسيقلّ صدور المعاصي عنده ومنه، أو ينعدم.
النجاة باستشعار الرقابة الإلهية
هكذا قصّة أصحاب الرقيم، المذكورة في القرآن الكريم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون (في وادي) إذ أصابهم مطر، فآووا إلى غار (وقاية من المطر الذي كان شديداً) فانطبق عليهم (وقعت على باب الغار صخرة كبيرة فسدّت الباب) فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله ما ينجيكم إلاّ الصدق (لأنّ الغار صار عليهم كالمدفن والقبر، ولأنّ الناس لا يعلمون بهم حتى يأتوا ويخرجوهم من الغار، وحتى لو علموا فكيف سيمكنهم تحريك أو إزالة الصخرة ووزنها ربما يعادل الأطنان)، فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله عزّ وجلّ أنّه قد صدق فيه (أي مما عملوا من الأعمال، وهم كانوا من المؤمنين بالنبي موسى بن عمران على نبيّنا وآله وعليه الصلاة السلام). فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنّه كانت لي ابنة عمّ أحبّ الناس إليّ وإني راودتها عن نفسها فأبت عليّ إلاّ أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها فجئت بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلاّ بحقّه فقمت عنها وتركت لها المائة، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساحت عنهم الصخرة (أي تحرّكت قليلاً). وذكر الثاني ما كان قد عمله أيضاً، فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء (تحرّكت الصخرة قليلاً أيضاً حتى صاروا يشاهدون السماء). وهكذا ذكر الثالث ما كان قد فعله، ففرّج الله عزّ وجلّ عنهم (أي انزاحت الصخرة من باب الغار بمقدار ما يمكنهم الخروج منه) فخرجوا). (3)
التلقين الدائم
لا شكّ، إنّ رقابة الله سبحانه وتعالى دائمة، والإنسان يعلم بهذا الأمر، لكن المهمّ هو أن يلقّن نفسه بذلك، حتى لا يغفل، وحتى لا تكون قوّة الشهوات وعنفها، سبباً لغفلة الإنسان. وهذا بالنسبة للشهوة الجنسية. وهكذا يجب أن يكون بالنسبة لشهوة المال، وشهوة الرئاسة، وشهوة حبّ الظهور، والشهوات السياسية والاجتماعية والعائلية، ومختلف الشهوات المتحكّمة في نفس الإنسان، التي حكّمها الله سبحانه وتعالى في نفس الإنسان، وذلك (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ) (4). فعنف الشهوات لا يزول إلاّ بأن يلقنّ الإنسان نفسه دائماً برقابة الله سبحانه وتعالى عليه.
وقاية من المعاصي
إذن، فعلينا جميعاً، رجالاً ونساء، وعلى كل عالم وجاهل، وكل كبير وصغير، وكل شاب ومسنّ، وكل فتاة، في أي مجال كانوا، علينا أن نلقنّ أنفسنا دائماً بأنّ الله تعالى رقيب علينا، وأنّه قيوم ويرى ويسمع ويعلم ويكون دائم القيمومة على الإنسان. ولكن إذا لم يقم بذلك الإنسان، أي إذا لا يلقنّ نفسه دائماً برقابة الله تعالى عليه، فسيشط أكثر ويعصي أكثر، ويخرج عن دائرة الطاعة لله سبحانه وتعالى، أكثر وأكثر. ولكن إذا لقّن نفسه بهذه القيمومة الإلهية، سيكون عنده الابتلاء بالمعاصي والمظالم أقلّ.
أسأل الله سبحانه وتعالى، توفيق ذلك للجميع. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــــ
مفاتيح الجنان: دعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين صلوات الله عليه.
سورة يوسف: الآية 24.
كتاب الخصال للشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه: الجزء الأول، ص 395، ح259، أصحاب الرقيم ثلاثة.
سورة الأنفال: الآية 42.