LOGIN
المقالات
alshirazi.org
السلام ونبذ التطرّف في المنظور الإسلامي
رمز 125
العلامات
نسخة للطبع ينسخ رابط قصير ‏ - 14 مارس 2013
شبكة النبأ: يشير أصحاب الفكر إلى أن استخدام القوّة في جميع الأحوال، هو نوع من أنواع الإكراه والعنف، إلاّ في حالة واحدة، وهي حالة الدفاع عن النفس، لذلك فإن القوّة بكل أشكالها وصورها هي العنف بكل أشكاله وصوره، ما لم تأت في محل الدفاع عن النفس.

ومن هذا المنطلق يصف سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في الكتاب الموسوم بـ(عبق المرجعية) يصف العنف بأنه: (استخدام القوّة المعتدية).

بهذا المعنى فإنّ استخدام القوّة خارج الحدود (السلمية)، تشكّل نوعاً من أنواع العنف والاعتداء على أرواح وممتلكات وحريّات الآخرين من دون وجه حقّ، أو من دون مسوّغ قانوني أو أخلاقي يسمح باستخدام القوّة ضد الناس لاسيما الأبرياء والعزّل.

من هنا وقف الإسلام في تعاليمه كافّة بحزم وشدّة ضد استخدام العنف والإكراه، وشجّع على الجنوح إلى السلم، والعيش في ظل السلام الدائم من أجل الاستقرار ومن ثم الإنتاج والإبداع الدائم.

الإسلام وأعمال العنف
لا شكّ هناك أجندات قديمة متوارثة وحديثة، تسعى بتخطيط وتنظيم، لتشويه صورة الإسلام، ولصق ظاهرة العنف به، من خلال الفهم الخاطئ له، لذلك يؤكّد سماحة المرجع الشيرازي قائلاً في هذا المجال بالكتاب المذكور نفسه: (من المعلوم ان كلمة الإسلام ترادف اللاعنف والسلام، ولكن اليوم صارت أعمال العنف والقتال والاغتيالات تلصق بالإسلام، فهل سبب ذلك يعود للإسلام أم المسلمين؟!).

إنّ الإسلام منذ بزوغه في صدر الرسالة النبويّة الشريفة، بدأ في بث روح السلام في مجتمع الجزيرة العربية، ونشر روح التآخي، وأمر بتثبيت ركائز العدالة الاجتماعية، وحارب الإسلام بقوّة جميع أساليب العنف الاجتماعي وسواه، وألغى القيم والعادات القائمة على العنف آنذاك، ومنها على سبيل المثال قضية (وأد الإناث) التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي قبل الإسلام، كذلك ألغى الإسلام قضية الاستعباد وجعل الجميع أحراراً، وشرع الإسلام بنشر السلم والسلام في المجتمع، حتى في حالة خوضه المعارك الدفاعية ضد قريش، حيث كان الرسول الكريم صلى الله عليه وآله, ينشر بين الجميع قيم السلام والسلم واللاعنف والعدالة الاجتماعية، عبر قنوات عديدة كانت متاحة آنذاك لنشر السلام في المجتمع الإسلامي ككل.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال: (الإسلام دين السلم والسلام، ويعمل على نشر الأمن والأمان والسلم والسلام في العالم، ويسعى في إطفاء نار الحرب، وإخماد لهيبها، وانتزاع فتيلها من بين الناس، باجتثاث العوامل الداعية للحرب، وزرع العوامل المشجّعة على المحبّة والوئام).

وهكذا يبدو التناقض كبيراً بين العنف كمنهج حياة, وبين نشر المساواة وترسيخ ركائز العدالة في المجتمع، أي أن التحرّر وحفظ كرامة الإنسان تتطلب أولاً نبذ العنف تماماً، من خلال إشاعة ثقافة ومناهج اللاعنف بين الجميع.

لذلك يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذا الموضوع في الكتاب نفسه: (يمكن مكافحة العنف في المجتمع من خلال تعميم ثقافة اللاعنف، وتوضيح ان العنف نار تحرق الكل ولا تستثني أحداً، وبيان مضار العنف النفسية والاجتماعية والدينية، وتوفير الحريّة للمجتمع).

وهناك ردّ فعل معاكس يحدث نتيجة لغياب السلم، وحلول منهج الإكراه والقوّة بديلاً عن السلام، فالكبت والقوّة يؤدّي إلى التعصّب، وانتشار التطرّف بقوّة، وهو ما يؤدّي بالنتيجة إلى أشكال عديدة من العنف الذي يقضي على الفرص المتاحة لتحقيق عدالة اجتماعية تشمل عموم المجتمع، لهذا يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذا الموضوع: (في أجواء الكبت والإرهاب والاستبداد والدكتاتورية تنمو الاتجاهات المتطرّفة والحركات التدميرية، لذا لابد من إرساء دعائم العدالة الاجتماعية وتوفير الفرص للجميع، وإعطاء حقوق الفقراء والمحرومين، وقيام الأنظمة العامة التي تحمي المجتمع من حاملي راية العنف، وفتح قنوات الحوار البنّاء بين الأفراد والتجمّعات).

جذور العنف والاستبداد
إنّ المنهج الإسلامي ينطلق دائماً من السلم، نظراً لأهمية هذا المنهج في تحقيق الاستقرار، وإتاحة الفرص الأكثر والأكبر للإبداع والإنتاج الأفضل، لذلك يحذّر سماحة المرجع الشيرازي من الفهم الخاطئ للإسلام، أو للدين ونصوصه وما يتمخّض عن السيرة النبوية الشريفة وسيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام، لأن التحليل الخاطئ والفهم المشوّه، سوف يؤدّي إلى نتائج خطيرة تسيء للدين نفسه، لاسيما من لدن اولئك الذين يتّخذون من العنف والتطرّف وسائل وصوراً وسلوكيات تجعل الآخرين ينظرون إلى الدين على أنه يشجّع على العنف، وهو براء من هذا المنهج، لذلك من الخطورة أن يفهم الإسلام بصورة خاطئة.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال: (تكمن جذور العنف في الجهل والعصبية، والفهم الخاطئ للدين، والاستبداد والدكتاتورية والحرمان الاجتماعي، والظلم من قبل الحكومات والأفراد الذي يولّد العنف المضاد، وغلق قنوات الحوار البنّاء، أو ضيق هذه القنوات). ويضيف سماحته قائلاً في هذا الصدد أيضاً: (من أضرار العنف .. انه يشوّه صورة الإسلام في الأذهان، ويعطي ذريعة للأعداء كي يتّهموا الإسلام بالعنف والهمجية والوحشية، ويخلقوا حاجزاً نفسياً بين الناس والإسلام).

لذلك يحذّر سماحته من استخدام العنف الذي يشكّل منفذاً للهجوم والإساءة للإسلام، وهو ما يقوم به من يدّعون الانتساب للإسلام، ولكنهم متطرّفون يسيئون للإسلام بأفعالهم التي لا تفرّق بين قوي أو ضعيف، ومسلّح وأعزل، وطفل أو امرأة أو شيخ، فالكل هم أهداف للتطرّف بحجّة الجهاد، وهذا أسلوب يرفضه الإسلام قطعاً.

لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي حول هذا الجانب: (لا يصحّ استخدام العنف الذي قد يتّخذ منفذاً للهجوم على الإسلام، ولو في مواجهة العنف). وينبغي أن يكون هناك حضور للحيّز الأخلاقي أيضاً، إذ يؤكّد سماحته قائلاً: (لأهمية الأخلاق الإنسانية في الإسلام أردف القرآن الحكيم بعض الأحكام المرتبطة بالعقوبات بذكر العفو، حيث يشفّعها بالجانب الأخلاقي، ويصف العفو فيها بأنه أقرب للتقوى).

ويطالب سماحة المرجع الشيرازي، أن يلجأ أصحاب الحقّ لاستعادته، إلى أساليب متحضّرة، بعيداً عن العنف، طالما هناك بدائل للعنف مثل التظاهر والإضراب والحوار البنّاء وما شابه، لذا يقول سماحته في هذا الصدد: إن (أسلوب الحوار أولاً، والمظاهرات والإضرابات السلمية ثانياً، هي الأجدى والأحمد عاقبة في السعي إلى الإصلاح).