سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا تتلخّص الدنيا
قال الله تعإلى في القرآن الحكيم: (كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ)1 .
من العجیب، أنّ الذين عاشوا في الدنیا عشرات السنين، سوف تتلخّص الدنيا في أعينهم عند ساعة الموت، وسوف یرونها وكأنّها ساعة واحدة من النهار. فالسنين التي عاشها الإنسان في الحیاة الدنيا، بلحظاتها المرّة والحلوة سوف تنتهي في یوم من الأیام مع حلول ساعة الموت، وسیری الإنسان حیاته تمرّ في عینیه بسرعة فائقة لیری فیها ما حلّ به خلال السنوات الطویلة أو القصیرة وکأنّها نصف نهار أو أقلّ من ذلك. وعندها سیفرح المؤمن لأنّ الدنيا انتهت بخیر وسلام وبقيت لهم مقامات وفضائل وما أعدّه الله تعالی لهم من نعیم في الآخرة. وأما الشخص الظالم والعاصي والمنافق سیأسف ویعظّ یدیه من اللذّات التي انتهت وبقيت تبعاتها وهمّها العظيم وكربها الكبير، والعياذ بالله.
ما أقلّ الاعتبار من الماضين
في حديث عن الإمام الصادق صلوات الله عليه أنّه قال: (إنّ الدنيا تمثّلت لعيسى بن مريم عليه السلام في صورة إمرأة زرقاء (عيناها زرقاء) ـ والتسمیة جاءت هکذا لأنّ من عادة الشيء الذي هو للجزء أن يُنسب إلى الكلّ فيكون هذا من جملة البلاغة والفصاحة ـ، فسألها عيسى بن مريم هل تزوّجتي؟ فقالت كثيراً!! فقال عيسى بن مريم لها فكلاً طلقكِ؟ قالت: بل كلاً قتلته. فقال عيسى بن مريم: فويل لأزواجك الباقين كيف لم يعتبروا من أزواجك الماضيين)2 .والغریب أنّ الأجیال لا تعتبر، بعضها من بعض، وجيلنا الحاضر لا يعتبر من الأجیال السابقة، ولا من الذين كانوا قبلهم وتزوّجوا بالدنیا الزرقاء وانشغلوا بملذّاتها وعاشوا مشاکلها ومجریاتها، كما نعيشها نحن الیوم. ولذا قال عيسى بن مريم: (كيف لم يعتبروا من أزواجك الماضيين)، وقد غرّتهم الدنيا.
أمران يُلّخصان الدنيا
الدنيا تتلخّص في أمرين: الأول: قناعة ورضا بما قسمه الله. والثاني: حبّ الشهوات والملذّات. فقد خلق الله العقل كي يأمر الإنسان بالقناعة والرضا بما قسمه الله لعباده، في حین توجد في داخل الإنسان النفس الأمّارة، أيضاً، التي تدعو الی الشهوات والسيّئات والمظالم وتدفع الیها لأنّها تطالب بالمزید والمزید. فإذا کانت الدنیا تتلخّص في هذين الأمرين (القناعة والشهوة)، فعلینا أن نأخذ منها العِبرة وأن نعتبر من سیرة الماضين وطریقة حیاتهم، فإن کانوا أتقياء وعدول وفي جانب من الورع والفضيلة والأخلاق الحسنة، فیجب أن نتعلّم منهم تلك الخصال الحمیدة. وإن كانوا ظالمين، فسّاق ومنافقين علینا أن نتجنّب هذه الصفات البذیئة ونأخذ منهم العبرة لعدم الوقوع في مستنقع الرذائل. فمهما طالت الدنيا، لکنها عند ساعة الموت تکون قصیرة ویشعر الإنسان بالندم لأنّها انتهت بسرعة فائقة. وهذا بالنسبة للموت، لکنه حتى قبل الموت عندما یکبر الإنسان یحسّ بأنّ عمره مرّ سریعاً، وعندما ینظر الی بقیة عمره الذي مضی منه عشرون أو ثلاثون أو ستون سنة سوف یری أنّ كل الملذّات والمكروهات التي مرّت كانت لفترة قصيرة. فعلی الإنسان أن يعتبر من الدنيا ومن سیرة الماضيين، وهذا بحاجة إلى تأمّل وتفكّر، وتدبّر، ولا یستغرق التأمّل والتفكّر وقتاً کثیراً لکنه سیغیّر من مصیره وحیاته قبل حلول الندم. وعلیه أن یأخذ العِبرة ممن جمع المال الحرام واقترف الذنوب والمعاصي والسيئات والمظالم، خدمة لشهوته وملذّاته المحرّمة، وكيف انتهى به الأمر، وماذا جنی من ذلك كلّه.
أنجى غيره ووقع في فخّها
يقول الله تعإلى في الآية الكريمة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ)3 .
ثمّة قصص وردت في القرآن الکریم وفیها من العبر المهمّة التي یجب أخذها إيجاباً، ففي الحديث الشريف: جاء رجل من عمّال بني أميّة إلى الإمام الصادق صلوات الله عليه، فقال للامام الصادق عليه السلام: كُنت من عمّال بني أميّة أجمع المال وغضضت طرفي عن کونه حلالاً أو حراماً. وفي مضمون الحديث الشريف، أنّه قال الإمام الصادق عليه السلام له: أو تصنع ما أقول لك؟
فقال: نعم يا ابن رسول الله. فقال له الإمام: لولا أنّ بني أميّة وجدوا أمثالكم ممن يعينهم في أمور دنیاهم، لما غصبونا حقّنا. بمعنى أنّ كل انسان في حكومة الظلم والضلال بمقدار تأييده واسناده للحكومة الظالمة يكون مسؤولاً عن عمله ویقع عليه العقاب. ثم قال له عليه السلام: (علیك أن تخرج من جميع أموالك)، کونها حرام وجُمعت من المظالم. وليس سهلاً أن يُخرج ذلك الرجل سهم الإمام من جميع أمواله؛ من داره وملابسه ومتاعه الذي عنده، ومن تجارته ومن زراعته وما أشبه. فتأمّل الرجل ثم قال: أفعل ذلك. ویبدو أنّ الرجل الذي تأمّل ببصیرته، کان یمتلك إرادة قویة في ترك الحرام، فلما رجع من الكوفة خرج من جميع أمواله، ووزّعها بین الفقراء والمحتاجين، وعندما فرغ من التوزیع لم یبق لدیه شيء ليعيش به، لذا فقد جمع له الأخیار من الشیعة مقداراً من المال ومنحوه هدایا ومؤن عاش بها لفترة من الزمن حتی مات. والغريب في الأمر أنّ الشخص الذي جاء بهذا الرجل إلى الإمام الصادق عليه السلام، وهو علي بن أبي حمزة البطائني، الذي كان وكيلاً للامام الصادق عليه السلام ووکیلاً من بعده للامام موسى بن جعفر عليه السلام، رغم ذلك، أنّه انحرف عن طریق الصواب وصار واحداً من أرکان الواقفية، وحلیت الدنيا في عينه وصنع فیها ما صنع. وقد ورد عن الإمام الرضا صلوات الله عليه عند موت علي بن أبي حمزة البطائني أنّ الملائكة ضربوا بمرزبة من نار (أي بعمود من نار) علی رأسه (والعياذ بالله)، فأمتلأ قبره ناراً إلى يوم القيامة، بمعنى أنّه لا یزال ومنذ أكثر من ألف ومئتي عام تقريباً معذّب بالنار.
لاحظوا كيف أنّ الدّنيا تغرّ الإنسان وتدفع به الی الملذات؟ فعلي بن أبي حمزة الذي صار طريقاً لنجاة أحد عمّال بني اُميّة، هوی بنفسه الی الهاویة وانجرّ الی فعل المعاصي وخدعته الدنیا بغرورها، فما أكثر العبر وأقلّ المعتبر.
المصادر:
1.سورة يونس: الآية 45.
2.بحار الانوار الجزء 14 ص 330.
3.سورة يوسف: الآية 111.