LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: لحياة منظّمة وموفّقة
رمز 55949
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 12 جمادى الثانية 1447 - 4 ديسمبر 2025

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

هكذا وصف صلى الله عليه وآله الدنيا

ورد مضمون القصّة التالية في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام:

أنّ رجلاً دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه نائماً على حصير من خوص وقد وضع رأسه الشريف على وسادة من جرید النخل، ورأی الرجل أنّ الحصیر وجرید الوسادة قد أثّر کلاهما علی جسمه ووجهه الشریف لخشونتهما. فقال الرجل مستغرباً: يارسول الله المال الکثیر تحت تصرّفکم، لکنکم تعیشون بهذه البساطة !!فأجابه النبي صلی الله علیه وآله قائلاً: ما لي والدنيا! ومثّل الدنيا بالرجل المسافر الذي أمضی مسافة لکي يصل الی مكان (قرية أو مدینة) وهو مرهق من شدّة حرارة الشمس، فبینما هو کذلك وإذا به یرى نخلة فجاء وجلس تحت ظلّها لیستریح ساعة، فلما تبدّد الظلّ انصرف من المکان ورحل.

فمَثلُ هذه الدنيا کمثلِ ظلّ شجرة سرعان ما ینتهي ظلّها ویزول وقد لا یتجاوز زمن هذا الظلّ سوی فترة استراحة قصیرة. فالدنيا مثّل لها رسول الله صلی الله علیه وآله بهذا المقدار من الظل، وحتی أنّ ظلّ ورقة الشجر بسیطة لأنّها خفیفة تدخل منها حرارة الشمس.

نسبة الدنيا الى الآخرة

إنّ نسبة الدنیا الی الآخرة هي نسبة بسیطة لا یمکن القیاس فیما بینها، فالحیاة الدنیویة الفانیة متواضعة إذا ما قسناها بالحیاة الأبدیة الباقیة في الآخرة، ومهما طالت أعمارنا في الدنیا لکنها لا تساوي شيء‌ مقابل الحیاة الآخرة.

لنسأل کم مضی علی موت المؤمنين الذين كانوا في زمن نبي الله نوح عليه السلام؟

يقول التأریخ سبعة آلاف سنة تقريباً ولكن هذا غير معلوم، فلعلّه أكثر من ذلك، لأنّ الفاصلة الزمنیة بين نوح وبيننا أكثر بكثير من الفترة الزمنیة بین نوح وإبراهیم علیهما السلام حیث قال عنها القرآن: (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا)1 .فإذا کانت الفاصلة بین نوح وابراهیم حسب تعبير القرآن قرون کثیرة فكم سيقضون من السنوات في البرزخ؟ وکم سیقضون حتی یُنفخ في الصور ویوم یبعثون فیه في یوم القیامة؟

لو يلاحظ الإنسان الأحاديث الشريفة التي ذكرت بعض الأمثلة عن الفترة التي سیعیشها بعد الموت یراها فترات طویلة، فيوم القيامة وحده على حدّ تعبير القرآن الكريم: (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)2 .

نحن أحیاناً لا نعیش في هذه الدنیا سوی خمسين سنة، لکننا في هذه الخمسین سنة نرى الویلات والمشاكل والمحن، من أفراح نتمتع بها، وأتراح نعاني منها وتطوّرات تحصل في حیاتنا خلال السنوات الخمسین، فما بالك بمن یعیش مئة سنة أو أکثر. وخمسين ألف سنة من الدنیا تعدّ يوماً واحداً من أیام الآخرة، فلعل الانسان اذا كان عمره خمسين سنة أو أكثر من ذلك أو أقل، فكم ستألّف تلك السنوات من حیاته في الآخرة؟ والجواب: لا شيء البتة.

الخمسين سنة تكوّنت من سنوات وكل سنة تکوّنت من أشهر وكل أشهر تکوّنت من أيام وكل یوم تکوّن من 24 ساعة، وكل ساعة تكوّنت من 60 دقيقة وكل دقيقة تكوّنت من 60 ثانية، فكم ثانية نعیش خلال خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة؟ فهذه الثواني التي هي بالملیارات إذا اجتمعت کلّها صارت خمسين سنة. فالإنسان إذا يحسب سنوات الدنیا بحساب سنوات الآخرة سوف یری أنّ خمسين سنة لا تعادل سوی ثانية واحدة من ثواني الآخرة. ولکن مهما کان العمر قصیراً بمقیاس الآخرة، لسوف یُسأل الإنسان في یوم القیامة عن ذلك العمر القصیر فیما أفناه، حتی الذي أطاع الله وأکل الحلال ولبس الحلال وتکلّم بالحلال سوف یُسأل أیضاً، لأنّ الآیة القرآنیة تقول: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْؤُولُونَ)3.

في الأحاديث الشريفة إنّ أول ما يُسأل الانسان عند موته عن عمره فيما أفناه حتی إذا لم يفعل الحرام. فمن يستفيد من الحلال بأقلّ الفائدة سوف یکون حسابه یسیر، لکن من يأكل لذيذ الأطعمة أکثر مما هو مفيد لقوّته وبدنه سوف یُحاسب أکثر وسیکون مکوثه بین یدي الله تعالی أطول .

بعکس الوظائف الشرعية الواجبة والمستحبّة، فکلّما کان أدائها أکثر کلّما کان الطریق الی الجنّة أسهل وأسرع.

علینا بالزهد وفق المعایير الشرعية

إنّ من صفات المؤمن أن یکون زاهداً في الحیاة الدنیا وعازفاً عن ملذّاتها وشهواتها، ولکن هذا لا یعني أن یترك جمیع ما أحلّ الله له من الطیّبات کما تقول الآیة المبارکة ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا) القصص:77 . فالزهد یجب أن یکون في مجاله وبمقداره، حسب ما يذكره الفقهاء رضوان الله عليهم، والزهد لیس معناه أن تعرّض نفسك للمزاحمات وأن لا تملك أي شيء‌ في هذه الدنیا. وبهذا الصدد یقول الإمام أمیر المؤمنین علیه السلام: (لیس الزهد أن لاتملك شیئاً، بل الزهد أن لایملُکك شیئاً)، فيكون الزهد بمقدار مستحبّ،‌ لا أن یکون علی حساب الباقین مثلاً،‌ کأن يتزهّد ولا یأکل حتى يتمرّض، أو یزهُد أمام ضيفه فیستحي ضيفه من الأكل.

قال لي شخص متدیّن: أنّني لم أصم يوماً واحداً مستحبّاً مادامت اُمّي حاضرة عندي، مع أنّه كان لدي شوق كبير لأداء الصیام المستحبّ في أيام رجب وشعبان وغیرها، لأنّ والدتي لم تكن صائمة،‌ وكنت أشعر أنّها لا تستلذّ بالطعام عندما تأكله لوحدها، فكنت أفضّل إسعاد والدتي علی أن أصوم ذلك الیوم. وفي الواقع إنّ هذا الشخص المتدیّن تصرّف کعالم لأنّه رجّح رضا والدته علی الصوم المستحبّ.

علینا أن نراعي التزاحمات المختلفة في الحیاة، فالأصل في الزهد لا یقتصر علی الأكل والملابس والملذّات الأخری بل یشمل أیضاً شهوة الغريزة وحبّ الغرور والعظمة والظهور وما الى ذلك. وقد مثّل النبي الكريم صلی الله علیه وآله، الدنیا وملذّاتها بذلك الفيء البسیط، فنسبة الفيء قد لا تتعدّى ساعة أو أكثر ولعلّها تکون کمجرّد ظلّ شجرة.

اعزموا على الزهد لتوفّقوا

يجب أن يكون الزهد هو الأصل في جميع مرافق حیاة الانسان المؤمن والإنسانة المؤمنة،‌ إلاّ اذا حدث تزاحم وترجیح، وهذا طبعاً یحتاج الى فهم أحكام الدين والشريعة ومعرفة دقيقة لفهم المزاحمات التي تحصل في الحیاة .فأحياناً يكون الشخص فقيهاً يستطيع أن يميّز مراتب الزهد بین المُزاحمات، وأن یرجّح فلان الأمر علی أمر آخر، لکنه إذا لم يك فقيهاً فليسأل بمقدار ما آتاه الله من السعي الی الفهم عن حقيقة هذه الدنيا التي لا تسوى شيء. فإذا عرف ذلك تراه یترك الصوم من أجل سعادة أمّه، فالزهد هنا في ترك الصوم، لتأکل وتتلذّذ أمّه بالطعام. فليعزم الإنسان على أن يكون زاهداً بالمقدار الممكن، فإذا ترك العزم فإنّ الدنيا ستصبح عسیرةً عليه، لأنّه سوف لا یرضی بما قسمه الله له، في حین ستکون آخرته أسوأ من ذلك. وأما إذا عزم علی الزهد فإنّه سوف یزید في توفیقه في الدنیا والآخرة، وستکون حیاته منظّمة من حیث الملذّات والشهوات بعض الشيء.

المصادر:

1.سورة الفرقان: الآية 38.

2.سورة المعارج: الآية 4.

3.سورة الصافات: الآية 24.

4. سورة البقرة: الآية 25.