سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
العدل في التكوين
قال الله عزّ وجلّ في القرآن الحكيم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)1 .
نرى في الآية الكريمة ثلاث أوامر وثلاث نواهي وردت ضمن المواعظ الإلهیة التي ذکرها القرآن الحكيم، والهدف من تلك المواعظ أن يتّقي الإنسان ويحذر عمّا لا يليق به، وبشخصیته الإنسانیة.
الموعظة الأولی والأهم هي العدل، فالعدل في التكوين شيء ثابت في نفسه بالنسبة للإنسان والحيوان والنباتات والجمادات، ولولا العدل في التكوين لما استقرّت الأوضاع الحیاتیة ولا تعادلت الأشیاء والموجودات حتى لو كان ذلك الشيء بصغر الحجارة وبمقدار حبة الرّمل.
الإنسان کسائر الموجودات الأخری يعيش بالعدل، (بالعدل قامت السموات والأرض)2، فالملايين وعشرات الملايين من الكائنات الحيّة تعیش في جسم الإنسان، تتنقّل من قرنه الى أخمص قدمیه، وتسیر في كل شعرة من رأسه وکلّ ظفره من إصابع قدميه. ولولا العدل لما كان الحیاة قائمة ولحدث خلل في نظام وترکیبة الإنسان، ولما بصرت عینه ولا سمعت إذنه ولا نطق لسانه ولا تحسّست حواسه. وهذا القانون لا یجري فقط في الإنسان، بل كذلك یجري في سائر الموجودات الأخری التي تعیش علی سطح الکرة الأرضیة، وفي داخل منظومة الکون الوسیعة.
مثلاً: الشمس وهي الکرة الضخمة التي تتفجّر فیها ملایین الإنفجارات البرکانیة، إذا لم تكن متعادلة في منظومتها وفي قربها وبعدها لاحترق الأخضر واليابس اذا اقتربت، ولتجمّدت الأرض إذا ابتعدت عن أرضنا كما ورد في الروايات الشریفة، وهذا أمر مسلّم به في مباحث التكوين.
إذن التكوين أمر قائم علی العدل والتعادل کلّ حسب حجمه وارتباطه بسائر الموجودات الأخری، فالله تعالى أعطی القدرة للماء ومنحه حمل الأشیاء التي یخفّ وزنها عنه بحيث إنّ اي جسم صغيراً کان أم كبيراً إذا وضع على وجه هذا الماء سواء وُضِع في إناء أو وُضِعَ في بحيرة أو محيط کبير، إذا كان حجم ذلك الشيء أثقل من الماء لا يطفو علیه بل ينزل إلى قعره، أما اذا كان وزنه أخف من حجم الماء یعوم علیه ویطفو. ولذلك نری المسمار الصغير الذي وزنه أقل من غرام لا يطفو على سطح الماء وينزل إلى القعر، بینما السفينة التي تتألّف من ألوف الأطنان تطفو على سطح الماء. وهذا العدل وفق القانون الذي يسمّى بقانون أرخميدس، یجري علی السفینة بما تحمله من وسائل وأدوات وبشر یرکبون علیها، بینما لا یجري علی جسم من حديد لا یصل وزنه إلى غرام واحد کالمسمار فينزل إلى عمق الماء.
لقد خلق الله تعالى التكوين على ما خلق، لا يتغير وإذا تغيّر انقلب الى شيء آخر، وهذا قانون مسلّم به في كل شيء، فإذا اختلّ النظام الکوني وقعت الکوارث الطبیعیة. فالزلازل الذي تحدث والسيول التي تقع والأمطار الغزیرة التي تهطل والغابات التي تحترق، هذه كلّها تجري لأنّ قانون التعادل والعدل یتغیّر، فإما یزود أو ینقص. فقانون العدل له دقّة متناهية، وقد توصّل الإنسان إلى هذه الحقیقة بعد صرفه ملایین الساعات من الوقت ومليارات العملة وأجری تحقيقات مختلفة حتی وصل الى جزء صغير من حقیقة تكوين الله تعالى، ولا زال الکثیر من الحقائق مجهولة لم یتوصّل إلىها العلماء في أكثر ما كوّنه الله تعالى. فمن المفارقة أن نری ذرّة صغيرة وزنها أقل من عُشر غرام إذا وضعت في الهواء تسقط، وطائرة ضخمة من ألوف الأطنان تطیر مع ما فيها ومن فيها وتسبح في الفضاء، وهذا لا یجري إلاّ بنظام العدل والتعادل. وقد أراد الله تعالى أن یکون الفضاء بهذا الشكل وبهذا الاسلوب، فتری أضخم جسم يطير في الهواء، وما یدریك لعلّ في المستقبل یصنع البشر مدن كبيرة تسبح في جو الفضاء. ولا عجب في ذلك، إذا کان شيء ثقيل بآلاف الأطنان يسبح في الماء وکذا طنّ یسبح في الفضاء، نعم ذلك یحصل إذا حصل تدقيق أكثر في نظام الکون .
أما الاختلال في التکوین فهو یتسبّب بأضرار کبیرة، فمثلاً إذا حدث عيب صغير في تكوين بدن الإنسان ولو کان جزء من ملايين الأجزاء الصحیحة ـ إذا حدث مثلاً خلل في شيء صغير في المخ أو في الكبد أو في الكُلية ووقع على خلاف التكوين، فإنّ كل الأجزاء سوف تتعطّل ويموت ذلك الإنسان المصاب. فالعدل في التكوين یجري في كل شيء. وفي الحديث الشريف (بالعدل قامت السموات والأرض)، ولكن بما أنّ الله تعالى خلق في الإنسان شهوات وخلق له شعوراً وفهماً وعقلاً، منحه الاختيار في کل شيء صغير مما له ومما عليه ومما في الكون.
لا تفعل شيئاً إلاّ بالعدل
لقد أمر الله تعالى الإنسان أن یتعامل بالعدل فيما أوكله إليه: (الله يأمر بالعدل). وهذا الأمر بالعدل یجري فیما جعله الله تعالى تحت تصرّف واختيار الإنسان، فأمره عندما یتكلّم أن یتكلّم بالعدل، وهذا العدل یجري بمقياس العقل الذي ألهمه إلىه وفهّمه به من خلال العقل والكتب السماوية والانبياء. فلایجوز للإنسان أن ینظر إلى غیره بنظرة قاسية لا یستحقّها ولا أن یصيح في وجه من لا یستحقّ المؤاخذة، لأنّه یجب استعمال اللسان في العدل واستعمال النظر في العدل واستعمال السمع في العدل، فلا يصحّ أن تسمع سرّ شخصين يتكلّم بعضهما مع بعض لأنّه لا یجوز استعمال السمع بسماع ما لا يجوز ما لم يأذن الله تعالى بسماعه فلا یجوز أن نخطو بغير العدل ولا أن نرفع يدینا بغير العدل ولا أن نضع أيدینا في غير موضع العدل ویجب أن یکون التعامل مع الجمیع بنفس القانون الإلهي سواء کان الشخص رئيس عشیرة أو کان أباً وأمّاً، أو کان رئيس حكومة وصاحب منصب رفیع.
دونكم العالم .. هل تجدون نظراء لهم؟
كان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه یدیر قرابة خمس سنوات أكبر حكومة اسلامیة على وجه الأرض آنذاك، وكان بیده بيت مال المسلمین يصرف منه لقضاء حاجات المؤمنين والمسلمین وحتى غير المسلمين ممن كانوا يعيشون تحت ظل حکومة الإسلام وفي دار الإسلام. وکان الإمام آنذاك یساعد المحتاج ویقوم بتزویج المعوز ویؤمن نفقات المسافر ویجهّز المیّت المحتاج بالکفن والمریض بالدواء، ویوفّر الحاجات الضروریة الأخرى لمن یحتاجونها ولا مال لهم لشراءها، فإذا وفّر الحاجات وبقي من بيت مال المسلمین شيء كان صلوات الله عليه يوزّعه على الجميع بالسويّة. وکان علیه السلام یعطي کلّ واحد حسب حاجته، فیعطي لشخص ألف ولآخر مئة ولثالث عشرة، فالمهم أن تقضی حوائجهم حسب المقدار الذي یحتاجونه.
ورد في الحديث الشریف إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله ذات مرّة وزّع مال الإبل فأعطى شخص مئة من دینار وأعطى آخر عشرين وثالث عشرة دنانیر، کلّ حسب حاجته ومکانته الاجتماعية، وعندما انتهی من قضاء حوائجهم وزّع باقية المال بالسوية.
انظروا رئيس أكبر حكومة على وجه الأرض وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، يأخذ ثلاث دنانير لنفسه ویعطي ثلاث دنانير لخادمه قنبر. وهذا هو العدل الذي يأمر الله تعالى به: (إنّ الله يأمر بالعدل)، فهذا العدل یجري في كل المجالات وعلی کافّة المستویات. وبهذا العدل وبعد قضاء کافّة الحاجات لا یکون فرق في توزیع المال بين رئيس الحكومة وخادمه، ولا بین الأب وابنه. فالتوزیع یکون بالتساوي، لا أن یعطی الأب أکثر من ابنه کونه أب. بلى یجب احترام الأب، ولا يعني الاحترام أخذ مال أکثر من غیره. وهكذا رئيس الحكومة یجب أن یحترم ویطاع، ولکن ذلك لا یعني أن يلبس أفضل من خادمه. فلماذا التمييز؟ هل لأنّ فلان علمه أکثر؟ إنّ علمه لنفسه، وفضله لنفسه ومکانته لنفسه، ولذا ورد في زيارة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (القاسم بالسويّة). فالقاسم بالسویة لا یخالف العدل، لأنّ المال یُقسّم بعد قضاء الحوائج کلّ حسب حاجته.
لو يعرض على کلّ العقلاء وکلّ الأدیان وکلّ المذاهب ذلك العدل لقبلت به ولرأته أمراً لازماً لا محیص عنه. بینما المظالم والمشاکل التي تحدث في المجتمع هي نتیجة التمییز وترك العدل الذي أمر الله به وعدم العمل بهذه الآیة الکریمة: (إنّ الله يأمر بالعدل). فاذا تخلّینا عن العمل بالعدل حلّ بنا الظلم والفقر والمشاکل المختلفة التي نراها ونعيشها إلىوم في مختلف جوانب حیاتنا. ونحن وبكل جدّ، ومن منطلق العقل والإنسانية والفضيلة، نقول إنّ أنجح حاكم في التاريخ الذي قام بالعدل هو رسول الله صلی الله علیه وآله ویلیه الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فلو تصفّحنا تاريخهما وتاريخ حكومتيهما وقمنا بمقایستها مع بقیة الحکومات علی مرّ التأریخ لظهر لنا حقیقة ذلك أكثر وأکثر، فقد كانا أفضل حاکمین علی وجه التأریخ.
نجاح المرء بالعدل
علينا أن نبني حياتنا الشخصية والسياسية والاجتماعية والعلمية وفقاً للعدل، وبمقدار ما نستطیع ونشعر به. فأيّ أحد من البشر يبني ويصمّم ويعزم على العمل بالعدل بما أوتي من إمكانات يكون في مجاله إنسان فاضل وموفّق، وإنسان ناجح في الحیاة. فعلینا أن نتعلم من العاملین بالعدل کما أمرنا الله تعإلى في قرآنه الكريم.
المصادر:
1. النحل: الآية 90.
2. عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي، ج 4 ص 103.