سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
التشديد على الزواج
ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنّه قال: (النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)1، فمن لا یتزوّج ولا یرضی بالنكاح سواء كان رجلاً أو إمرأة فليس ممن رضي برسول الله وبعید عن سُنته الشریفة. فما هو سبب التأكيد والتشدید علی اتّباع سنّة النبي صلى الله عليه وآله في الزواج والنكاح؟
أولاً: مسألة الذرّية
إنّ الملاكات في الأحكام الشرعية ليس كلّها واضحة لنا، لأنّ الأحكام الشرعية مبنیّة على أسس كثيرة متداخلة من الأمور الدنيوية والأخروية. فمن تلك الملاكات مسألة الذرّية والأولاد، فالنكاح وسیلة لإیجاد الذرّية الصالحة والولد الصالح سواء كان ابن أو بنت، فلعلّه تكون نتیجة الذرّیة شخص یستفيد منه العالم والتاريخ وتنتفع منه البشریة لقرون مدیدة. فالإنسان لا يعلم من أي نكاح یخرج النتاج العظيم.
صحیح أنّ الإنسان قد یبتلي بابن فاسد أو بنت فاسدة، وقد لا یكون سبب ذلك عامل التربیة، لكن هذا لا یمنع من إغلاق الباب علی الذرّیة الطیّبة، لأنّ الذریّة الطیّبة تخرج عن طریق النكاح، أيضاً، الذي أمر به الله تعالی وأكّد علیه رسول الله (النكاح سنّتي فمن رغب عن سنّتي فليس منّي).
ثانياً: ثمرة النكاح
الأمثلة في المجال أعلاه كثيرة ومنها الشيخ الصدوق، فقد كان ثمرة نكاح والده علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي وأمّه (رضوان الله عليهما) فجزء من ثمرة هذا النكاح كان أحد أبناءه، الشيخ الصدوق رضوان الله عليه وعلى أبويه، وهذه الثمرة ینتفع بها الناس، حیث تستفید البشریة من كتبه ومؤلّفاته الى زماننا هذا رغم مرور أكثر من ألف سنة علی رحیله. فكتبه الكثيرة حفظت آثار أهل البيت عليهم السلام وروّجت لثقافة أهل البيت عليهم السلام في العقائد والأحكام والأخلاق والتاريخ، بل وحفظت الكثیر من قصص الأنبياء والأئمة صلوات الله علیهم في القرآن الكریم. ولا زال الملایین من الناس ینتفعون من كتبه الفقهیة والروائیة والتفسیریة، وكلّ ذلك نتيجة النكاح الذي أوصی به رسول الله صلى الله عليه وآله وتبرّأ ممن لا یقوم به (فمن رغب عن سنّتي فليس منّي). فالتأكيد على الزواج والتأنيب لمن تركه له ملاكات وإیجابیات، والذرّیة الصالحة أحد تلك الملاكات.
من رغب عن سنّتي فليس منّي
في حديث شريف عن الإمام الرضا عن جدّه الإمام الباقر عليهما السلام قال:
جاءت إمرأة الى الإمام الباقر سلام الله عليه وكانت المرأة مؤمنة ومعروفة في عبادتها وتقواها وصومها وصلاتها ـ فقالت للإمام إنّي مُتبتّلة، أي منشغلة بالعباده ولذلك لا أريد الزواج، لأنّي أخشی إن تزوّجت تقلّ عبادتي وأنشغل بالأمور الدنیویة وهذا الانشغال المستمر بالدنیا يفوّت عليّ فرصة العبادة والتضرّع والخشوع الی الله.
یقول الحدیث، فنهرها الإمام الباقرعليه السلام بعبارة شديدة، فقال لها ما مضمونه: (لو كان هذا صحيحاً لكانت فاطمة الزهراء أحقّ منك بذلك). فلو كان التبتّل والعبادة من صلاة وصوم ودعاء وقراءة قرآن وذكر الله تعالى أولی من الزواج، لفعلت فاطمة الزهراء ذلك ولاختارت العبادة والانقطاع الی الله بدلاً من الانشغال بالزواج الذي من مستلزماته الأمور الدنیویة والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك التأكيد فإنّ من يرغب ویمتنع عن هذه السنّة فهو ليس ممن اتّبع سُنّة رسول الله صلی الله علیه وآله.
التشجيع علی الزواج
علینا جميعاً من مؤمنین ومؤمنات ومسلمین ومسلمات أن نتّبع سُنة رسول الله صلی الله علیه وآله في الزواج والنكاح، فالإسلام هو التسليم لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وآله، بمعنی التسلیم للقرآن الكريم والعترة الطاهرة عليهم السلام، فرسول الله أكّد مراراً على اتباع العترة من بعده. ولذا فإنّ العمل بالسنّة یستدعي أن يعمل كل مسلم ومؤمن بما يمتلك من قدرات علی تعميم النكاح والترویج إلیه لكي یتزوّج الرجال من النساء والشباب من الشابات. فعلى الجميع إذن أن يؤدّوا دورهم في هذا المجال ویبذلوا جهدهم للمساعدة في أمر التزویج وتسهيل الزواج، حتى يكون الزواج سنّة لرسول الله صلى الله عليه وآله، ورغبة في الابتعاد عن الحرام. وعلی كل إنسان أن یبذل ما بوسعه في أمر التزویج خاصّة مع أقرباءه وجيرانه والمقرّبین منه. وكذلك علیه، إن استطاع، أن یبذل المال والإمكانات والوقت المتاح في سبيل تیسیر أمور الزواج وتفعیله بین العوائل والأسر القریبة والبعیدة.
هناك زخم كبير من الأحاديث الشريفة في التحريض على أمر الزواج، وخصوصاً في زماننا الذي تتفشّى فيه ظاهرة العزوبة لأسباب أقل ما يقال عنها أنّها غير شرعية وغير دينية، فعلى الجميع، كل في مجاله وبمقدار طاقاته وإمكاناته، أن يقوم بتعميم مسألة الزواج المؤكّد علیها في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.
المصادر:
1. جامع الأخبار: 271 | 737، كنز العمال 16: 271 | 44407.