سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال: (من أحيى أرضاً ميتة فهي له، قضاء من الله ورسوله)(1). وقال الإمام الصادق صلوات الله عليه: (الأرض لله ولمن عمّرها)(2).
الحديث الشريف هو مادّة قانونية اقتصادية مهمّة، أطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله في مجالات ثلاثة، وتأثيرها في مجالات ثلاثة، وهي:
ثلاثة مهمّة
الأول: تنشيط الاقتصاد العام.
الثاني: تحويط البطالة وتقليلها وإزالتها شيئاً فشيئاً.
الثالث: تنقية الأجواء الصحيّة بنسبة عالية.
إذا أصبحت الأرض مزروعة في كل منطقة وفي كل قرية وفي كل مدينة وفي كل دولة، وإذا أصبح معظمها مزروعاً من قبل الأفراد والشباب والكبار، فبنسبة الزراعة تقل البطالة وتقلّ، وتأخذ طريقها إلى الانعدام، ومن الطبيعي ان الاستيراد والتصدير يكون بمستوى أرفع، فيكون تنشيطاً للاقتصاد العام. وكلما كانت المزراع في منطقة ما أكثر وأكثر، فبتلك النسبة ترتفع نسبة الصحّة عند الأفراد، وتقلّ نسبة الأمراض التي ترتبط بالأجواء.
بها ينعش الاقتصاد والصحّة
إنّ تلك الأمور الثلاثة المهمة الاقتصادية والصحيّة قد ضمّنها رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه الشريف الآنف الذكر. وبيّن صلى الله عليه وآله بأنّ المالك للأرض، اثنان لا ثلاثة. فالمالك الحقيقي (الأول) هو الله سبحانه وتعالى، والآخر هو المالك بأمر الله تعالى للأرض (أي من عمّرها)، كما أكّد صلى الله عليه وآله بقوله: (قضاء من الله ورسوله). ويعني انّ هذا حكم الله وحكم رسوله، لأنّ كل ما يقوله الرسول صلى الله عليه وآله فهو من عند الله جلّ وعلا (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(3). وهذا الحكم وهذا القضاء وهذا القانون هو من الله تعالى ورسوله، للدنيا، وللشعوب الإسلامية. وهذا هو الإصلاح الزراعي الإسلامي، وهذا أساسه. ويوم كانت البلاد الإسلامية تعمل بالإصلاح الزراعي الإسلامي، كانت من الناحية الاقتصادية أنشط، ومن ناحية البطالة أقلّ ما يمكن، ومن الناحية الصحيّة المرتبطة بالأجواء الصالحة كانت أرفع، نسبة مع صعوبة الوسائل الزراعية ونحوها، ذلك الوقت.
أساس تفوّق اليابان
لقد بعث الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه رسالة إلى واليه على مصر، يوم كان صلوات الله عليه هو الحاكم الأعلى للدولة الإسلامية، وضمّن الرسالة نقاطاً اقتصادية مهمّة، لا تزال الدنيا بحاجة إلى دراستها والاستفادة منها. وبهذا الخصوص أقول: بعد الحرب العالمية الثانية، تحطّمت دولتان أكثر من باقي الدول. واحدة منها دولة إسلامية كما كتبوا في التاريخ، والأخرى هي اليابان. فاليابان تحطّمت اقتصادياً، تحطّماً كبيراً وكذلك تلك الدولة الإسلامية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عملت اليابان بسطر أو سطرين من رسالة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى واليه على مصر، وكان ما يرتبط بالاقتصاد. ونتيجة ذلك انّ اليابان وخلال عدّة عقود، صعدت اقتصادياً، وتفوقّت حتى أصبحت تزاحم الولايات المتّحدة في داخلها بالاقتصاد، واضطرّت الولايات المتّحدة، وكما أعلنت الوسائل الإعلامية حينها، إلى وضع قانون على خلاف القانون الأساسي لها، حتى تحجم السيطرة الاقتصادية لليابان في الولايات المتّحدة. فاليابان تفوّقت بما جاءت به من رسالة الإمام علي صلوات الله عليه إلى واليه على مصر.
ازدهار مصر بوصية الإمام عليّ
أما عن مصر نفسها، فقد كتب المؤرّخ المعروف الاصطخري، قبل قرابة ألف سنة، وعما رآه هو في زمانه عن البلاد المختلفة ومنها عن مصر التي طبّق والي الإمام علي صلوات الله عليه ما ذكره له الإمام في رسالته من الناحية الاقتصادية، هكذا ذكر: إنّ مصر الآن (أي في ذلك الزمان) أراضيها ستة وثلاثون مليون فدان، وثلاثين مليون فدان منها مزروعة). ويعني نسبة ثمانين بالمئة من أراضي مصر كانت مزروعة، رغم انّ الماء والأيادي العاملة والوسائل الحديثة للزراعة كلّها، كانت متعبة، فلم تك ما يسمّى بالتركتورات الحديثة ولا التكنولوجيا الحديثة، وإنّما كل شيء كان يتم بالأيادي العاملة. فكانت تلك النسبة من أرض مصر تحت الزراعة. والزراعة ثروة ضخمة، واقتصاد رفيع. والزراعة نفي للبطالة في المجتمع. والزراعة تنقية الأجواء الصحيّة بنسبة رفيعة. وهذا نتيجة ما كتبه أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى واليه على مصر، وهو موجود في نهج البلاغة وغيرها من الكتب، ونتيجة قضاء الله تعالى ورسوله، كما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله في حديثه الشريف.
دور الحكومات
إذن، إنّ المالك للأرض هو الله تعالى، ومن عمّرها، ولا مالك ثالث للأرض في منطق رسول الله صلى الله عليه وآله، كأن يكون باسم الحكومات. فالحكومات لا تملك الأرض، بل تكون نسبتها إلى الأرض وإلى الناس العاملين في الأرض، الإدارة فقط، في منطق رسول الله صلى الله عليه وآله وفي منطق الإسلام. فعمل الحكومة هو الإشراف فقط، وذلك بأن لا يظلم أحد أحداً، ولا يتعدّى أحد على أحد، وليس للحكومة أكثر من ذلك، في منطق رسول الله صلى الله عليه وآله.
إصلاح أم إفساد؟
بعدما وجد الإصلاح الزراعي في البلاد الإسلامية منذ قرابة نصف قرن أو أكثر، وتشكّلت وزارت الإصلاح الزراعي في مصر والعراق وغيرهما، على الأسلوب الغربي، كتبوا الكتب، وجعلوا الجامعات والدروس والأساتذة والدكاترة، وصرفوا المليارات من الأموال الطائلة باسم الإصلاح الزراعي. ولكن ذلك ما كان نتيجته؟ وكمثال واحد، وما أكثرها من أمثلة، في مصر. ففي زمن أول جمهورية بمصر، التي أوجدوا فيها لأوّل مرّة وزارة الإصلاح الزراعي، أنّ مما صنعته تلك الوزارة وبأموال طائلة وبالمليارات، هو السدّ العالي، كما يعرف الذين يتتبعون التاريخ. وأنا شخصياً عشت أيّام إحداث السدّ العالي في مصر. وقد ملؤوا الدنيا ضجيجاً بأنّ السدّ العالي صار سبباً لترفيع الزراعة في مصر، ولتوسعة الرقعة الزراعية فيها. ولكن هل ذلك وقع حقّاً؟ فقد كتبت الجرائد حينها بأنّ مقدار الأراضي المزروعة قبل السدّ العالي في مصر، كانت ستة ملايين فدان من ستة وثلاثين فدان. وبعد السدّ العالي، وبعد ذلك الضجيج والصخب اللذين ملؤوا الدنيا بهما لتعظيم السدّ العالي، كتبوا أنّ المزروع من الأراضي في مصر سبعة ملايين فدان وكذا، ودون ثمانية ملايين فدان. وأنا شخصياً قد قرأت بعض تلك الجرائد، ويمكن للشباب والشابات أن يراجعوا صحف ذلك الزمان في مصر ليروا ذلك بأمّ أعينهم. علماً بأنّه في القرن العشرين، كان يعمل التركتور الواحد عمل قرابة ألف إنسان، وتعمل الطاقة الكهربائية، عمل ألف إنسان أو ربما حتى أكثر من ألف إنسان. ولكن نتيجة الإصلاح الزراعي على الأسلوب الغربي، وصرف المليارات على السدّ العالي، كانت الزراعة في مصر أقلّ من ثمانية مليون فدان. وقبل ألف سنة ونتيجة الإصلاح الزراعي الإسلامي، كان المزروع من الأراضي في مصر، ثلاثون مليون فدان من ستة وثلاثين مليون فدان. فلا حظوا كم هي النسبة؟ ولذا ترون اليوم في البلاد الإسلامية، مع وجود وزارات الإصلاح الزراعي، أنّ نسبة المزروع من الأراضي فيها قليلة جدّاً، ونسبة البطالة مرتفعة جدّاً، ونسبة الصحّة ضعيفة، ونسبة عدم الصحّة المرتبطة بالأجواء النقيّة والأمراض، مرتفعة أيضاً.
رفاه العالم باقتصاد الإسلام
إنّ الإسلام قمّة دنيا الناس وآخرتهم، والإسلام قمّة في الاقتصاد وفي السياسة وفي الاجتماع وفي الصحّة وفي كل مجال. والذي ذكرناه عن الإصلاح الزراعي في الإسلام هو جزء صغير، ومن خلاله، يستطيع المرء أن يقرأ الإسلام. وإنّني أدعو، وبالخصوص، البلاد غير الإسلامية إلى أن يقرؤوا من جديد، رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن يقرؤوا من جديد أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وأن يقرؤوا من جديد، قوانين الله سبحانه وتعالى التي طبّقها رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما أيّام حكومتيهما، حتى يستطيعوا أن يرفّهوا على العالم ما يفقده من الرفاه اليوم، في كل مجال، ومنها في المجال الاقتصادي.
كذلك أوصي المؤمنين والمؤمنات، وبالأخص الشباب والفتيات، المثقّفين والمثقّفات، بأن يتعلّموا بإمعان ودقّة، حكومة رسول الله وحكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، وبدورهم يساهموا في إصلاح العالم، بنشر سيرة حكومة نبيّ الإسلام وحكومة الإمام علي صلوات الله عليهما وآلهما، بالدقّة، وإيصالهما للعالم، حتى يساهموا في نجاته من الويلات المختلفة، ومن أهمّها، الويلات الاقتصادية، والويلات الصحيّة.
أسأل الله سبحانه وتعالى، التوفيق للجميع بذلك. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــ
(1)وسائل الشيعة: ج 25 ص413.
(2) الكافي: ج ٥، الصفحة ٢٧٩.
(3)سورة النجم: الآيتان 3و4.