LOGIN
المقالات
alshirazi.org
خطورة التعامل الذكوري المزدوج مع حرية المرأة
رمز 42
العلامات
نسخة للطبع ينسخ رابط قصير ‏ - 16 فبراير 2012
شبكة النبأ: الأشياء والملامح الظاهرة قد لا تعبّر عن الجوهر في بعض الحالات، بمعنى قد يتعارض الشكل مع الجوهر، فحين يبدو الشكل جميلاً، هذا لا يعني أن الجوهر جميل بالضرورة، فربما يحدث تناقض بين الاثنين، وربما يحدث تشابه أيضاً، ولعل الأديان والفلسفة والأفكار البنّاءة، جاءت وعملت بقوة واستمرار، لكي تقلّص الهوة الواسعة بين شكل ونوايا الإنسان وجوهره، وبين قول الإنسان وفعله، وعلى العموم فإن الإنسان السليم في سريرته ومظهره، هو ذلك الذي تقلّ التقاطعات والتناقضات بين شكله وجوهره، وبين قوله وفعله، فلا تحدث الازدواجية بين أفعاله وجوهره من جهة، وبين أقواله وشكله من جهة أخرى.

بين الحقائق والشكليات
قد يقول الرجل كلاماً جميلاً بشأن المرأة، والتعامل معها وحفظ كرامتها وحقوقها، لكن حين تأتي مرحلة تحويل القول إلى فعل، سوف لا نلمس شيئاً واضحاً وحقيقياً، وهنا تبقى الكلمات من دون غطاء فعليّ لها، يؤكد سلامتها وصحّتها وسلامة من يقولها أو ينطق بها، وهذا يؤكد عدم التطابق بين القول والفعل، ويؤكد ازدواجية التعامل مع الآخر أيضاً.

يقول سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، بهذا الشأن في إحدى محاضراته القيّمة: (هناك في العالم حقائق وواقعيات، وهناك ظواهر وشكليات. قد ترى شخصاً يكلّمك عن موضوع ما كلاماً جميلاً جدّاً ولكن هذا الكلام لا عمق له في قلبه لأنه لا يلتزم به. فمثلاً يدعو الناس إلى ترك شرب الخمر بينما هو رجل سكير، أو يدعو إلى الإسلام وهو أوّل المخالفين له). ويضيف سماحته قائلاً أيضاً: (وربما ترى الرجل جالساً أمامك بوجه منطلق بشوش ولكن لو شقّ لك عن قلبه لرأيته مليئاً بالهموم والمشاكل. وهذا يعني وجود ظواهر وشكليات إلى جانب الحقائق والواقعيات المخالفة والمناقضة).

ويتشابه الزيف في معناه وتأثيره مع العدم أو الموت، فالشيء المزيّف وغير الصحيح لن يطول تأثيره ولن يحقّق مبتغاه، إذ أن حبل الكذب قصير، وسرعان ما يتم اكتشاف ازدواجية الإنسان المتناقض في قوله وفعله، لذا فإن تأثير الحقائق واضح وجلي، بل تأثيره عميق جدّاً، على العكس من الأشكال الفارغة، أو الأكاذيب التي قد تنطلي على الناس في بداياتها، لكن الأمر لن يطول بها حتى تنكشف، فتبدو وكأنها خالية من التأثير تماماً، كما نقرأ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي إذ يقول بهذا الخصوص: (إنّ مثقالاً من الواقع والحقيقة يؤثّر أكثر من قنطار من الظواهر الخاوية. فلو أنّ بين يديك الآن آلاف بل ملايين من البشر لكنهم موتى بلا أرواح، لما كلّمك واحد منهم حتى حرفاً واحداً، ولكن لو تجلب طفلاً صغيراً عمره شهر واحد فقط لملأ لك البيت ضجيجاً. وما ذلك إلاّ لأن الطفل واقع وحقيقة، أما الموتى فلا أثر لهم وإن حدّثتهم لم تسمع لهم جواباً، لأنّه لا واقع للحياة فيهم).

المرأة والشعارات الفارغة
إن الإسلام بتعاليمه الجلية السمحاء، وضع للمرأة حقوقها التي تليق بكرامتها، كمربّية وإنسانة تتقاسم الحياة مع الرجل، بكل ما تنطوي عليه من صعوبات ومشقّة، ولكن بعض الأقوام تعاملت مع المرأة كسلعة، لاسيما الغرب، حيث تُشترى المرأة وتباع في المجال الجنسي مثلاً والأفلام الإباحية، وهنا يبدو التقاطع كبيراً بين تبجّحات الغرب بخصوص المرأة وحقوقها، وبين ما يحدث على الأرض فعلاً، يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال: (عندما نأتي إلى قضية المرأة نلاحظ أنّ الشعارات التي تُرفع باسمها ليست سوى ظواهر وضجيج فارغ). ويفضح سماحة المرجع الشيرازي الزيف والواقع الذي تعيشه المرأة المعاصرة، في ظل النظرة الذكورية المزدوجة، التي يتم فيها التعامل مع المرأة، خاصة في العالم الذي يدّعي حفظ حريتها وكرامتها، إذ يقول سماحته في هذا الصدد: إن (تحرير المرأة مثلاً كلمة جميلة ولكن عندما تنبش قلب هذه الكلمة لكي تعرف حقيقتها والواقع الذي تعيشه المرأة المعاصرة في ظلها تكتشف أنّ فيها تقييد المرأة وإذلالها وليس حريّتها كما يزعمون).

مع أن الجميع يتفق على أن المرأة، عنصر فاعل ومكمّل للرجل في مواصلة الحياة وتذليل مصاعبها، بل يذهب بعض المصلحين والمفكرين، إلى الأهمية القصوى لدور المرأة في الحياة، لاسيما الجانب التربوي والاُسري، لهذا لابد أن يؤمن الرجل بالعلاقة التكاملية مع المرأة، فعندما يقال أن المرأة نصف المجتمع، لا يعني هذا القول الجانب الإحصائي فقط، بل الجانب العملي الذي تتبناه المرأة وتنجزه مع الرجل فعلياً، هنا يذكر لنا سماحة المرجع الشيرازي، مثالاً في هذا المجال فيقول في محاضرته القيمة: (لاحظوا بدن الإنسان وهيكله تجدونه مديناً في حركته إلى العظام والغضاريف، والغضروف لا هو لحم ولا هو عظم بل حالة فيما بينهما وهو الرابط بين مفاصل العظام. فلو أنّ جسم الإنسان كان كلّه عظماً لما تمكن أن يدير رأسه ولا أن يرفع يده ولا أن يمشي بل سيكون مضطراً لأن يبقى ممدداً طيلة الوقت في حالة واحدة، لأنّ الغضروف هو الذي يساعد المفاصل على الحركة والقبض والبسط، وهذا شيء واضح. ومن ثم كان بدن الإنسان محتاجاً إلى العظم والغضروف معاً ليكمل أحدهما الآخر في مهمة الحركة والقيام بأعباء الحياة).

المرأة عنصر مكمّل للرجل
وهكذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على: (أنّ مَثل الرجل والمرأة في الحياة مَثل العظم والغضروف في بدن الإنسان)، ولعل الغرض هنا بالغ الوضوح، فطالما أن المرأة عنصر فاعل وكمل بالتساوي لدور الرجل، فإن إلغاء النظرة المزدوجة بات مطلوباً من الجميع، لأننا نتفق جميعاً على أن المرأة شريكة قوية للرجل في هذه الحياة، لذلك يذكر سماحة المرجع الشيرازي مثالاً آخر بهذا الخصوص قائلاً: (مثل آخر نضربه لتوضيح الموضوع ـ والأمثال كلّها من الطبيعة وكم لها من نظير ـ وهو أنّ الحياة مزيج من العقل والعاطفة، فإنّ الحياة لا تبنى بالعقل وحده ولا بالعاطفة وحدها. فلو أنّ الحياة سُلب منها العقل عادت فوضى لا نظام فيها، ولا وجدتَ مجلساً منعقداً بعض يتكلّم وبعض يستمع، فإنّ العقل هو الذي يحدّد العاطفة ويؤطّرها. كذلك لا تستقيم الحياة لو كانت خلواً من العاطفة وكانت كلّها عقلاً).
ويضيف سماحته أيضاً: (مَثل المرأة والرجل في الحياة كمثَل العاطفة والعقل، ولكن ذلك لا يعني أنّ المرأة عاطفة بلا عقل، وأنّ الرجل عقل بلا عاطفة) بمعنى أن حالة التوازن مطلوبة، وأن القضاء على التعامل المزدوج مع المرأة أمر بالغ الضرورة للمجتمع الذي يريد أن يبني نفسه بصورة صحيحة وسليمة.