النخبة المتنوّرة هي التي تقود المجتمع إلى مرافئ الحياة المتوازنة والمستقرّة دائماً، ولهذا يُنظر إلى هذه النخبة بإجلال واحترام نظراً للدور التنويري الأساسي الذي تقوم إزاء شرائح المجتمع كافة، لذا لابد أن يتوافر المجتمع على نخبة طالبة للعلم ومتنوّرة في آن، كي تقوم بواجبها تجاه توضيح الحقائق الصحيحة التي تدخل في الحياة اليومية للإنسان، هذا يعني أن طالب العلم ينبغي أن يكون ذا قاعدة علمية متطوّرة ومتجدّدة من خلال الاطلاع الدائم، للقيام بدور التنوير الذي يحتاجه المجتمع على نحو دائم.
الاطلاع على أحكام الله
عندما يبدأ طالب العلم مشروعه العلمي التثقيفي، قد يرافق رحلته في طلب العلم بعض العقبات، ربما يكون هو مصدرها، نتيجة للتقاعس مثلاً، وربما يكون مصدرها ظرف خارج عن قدرة الإنسان وتدخّله، لذلك عندما يتلكّأ طالب العلم في تحصيل العلم، سيتعرّض لنسبة معيّنة من الجهل، لا يصحّ أن ترافقه أو ترافق سيرته الحياتية ودوره في تطوير المجتمع، لذلك لابد أن يكون العالم الموجّه ملمّاً بما يقدّمه للآخرين من نصح ومواعظ هم بحاجة إليها.
في هذا الخصوص، يقول سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، في كتابه القيّم الموسوم بـ(العلم النافع): (قد لا يوجد في صفوف أهل العلم جاهل قاصر، فإنّه لا يُقصد بالجاهل المقصّر مَن كان مستواه الدراسي أدنى أو كانت معلوماته أقلّ، بقدر ما ينطبق هذا الوصف على طالب العلم الذي يجهل بعض أحكام الله تعالى بسبب تقاعسه، فيعمل الحرام وهو لا يعلم ـ تقصيراً منه ـ أنّ عمله هذا حرام، وكان بمقدوره أن يعلم أنّه حرام فيجتنب عنه).
كذلك تبقى مهمة تحصيل العلم والاستزادة من خطب ومواعظ المختصّين، من واجب الإنسان نفسه، بمعنى أن تحصيل العلم مهمة مشتركة بين الطرفين، حامل العلم ومن يحتاج إليه، والسبب أن المؤمن ملزم بمعرفة أحكام الدين لكي يتجنب الوقوع في الخطأ والزلل أيّاً كان نوعه أو حجمه، لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي في كتابه نفسه: (مادام المؤمن باذلاً عمره في سبيل الله سبحانه وتعالى، منفقاً وقته وساعاته ودقائق حياته في طاعة الله، مصلّياً أو صائماً أو حاجّاً أو معتكفاً أو قارئاً للقرآن، فليخصّص حظّاً منه للعلم، وأعني به العلم بأصول الدين وأحكام الإسلام وأخلاقه وآدابه).
ما هي أخلاق الإسلام
لا تنطوي الأخلاق الإسلامية على الحكم الاقتضائي فقط، بمعنى لا تنحصر في (المكروهات والمستحبّات وحدها) بل تنطوي الأخلاق الإسلامية على الواجبات والمحرّمات، فحين تراعي واجب احترام الآخر وعدم المساس بحقوقه، تعدّ هذه أخلاق إسلامية، كذلك الحال حين تتغاضى عن الأذى الذي تسببه للآخر، فيعدّ هذا خروجاً على الأخلاق الإسلامية، لذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على مراعاة هذا الجانب قائلاً في هذا الصدد: (علينا بعلم الأخلاق أيضاً، فليست أخلاق الإسلام وآدابه كلّها لا اقتضائيّة ـ حسب الاصطلاح العلمي ـ أي مستحبّات ومكروهات، بل إنّ فيها الواجبات والمحرّمات أيضاً).
وقد يحدث أحياناً تناقض بين الأخلاق والخصال الجيّدة، وهو أمر لابد أن يتنبّه له الإنسان المؤمن وهو يعيش حياته اليومية بتفاصيلها الكثيرة، كذلك من واجب العالم والنخبة الدينية أن توضّح الأمور بجلاء لمن لا يعرفها، لكي لا يحدث هذا النوع من التضارب بين خصلة محمودة وبين الأحكام الشرعية، لذلك يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا المجال: (إنّ الكرم خصلة محمودة، وكذا السخاء والإنفاق وإقراء الضيف، فكلّ ذلك عمل محبّب ومقبول، ولكن إلى حيث لا يؤدّي إلى ترك واجب أو ارتكاب محرّم).
العلم يحمي الإنسان من الخطأ
من أهم فوائد التلاقي الحاصل بين العلم والأخلاق، أنه يقي الإنسان من الوقوع في ارتكاب معصية تغضب الله تعالى، فعندما يكون الإنسان عالماً وخَلوقاً في آن واحد، هذا سيساعده كثيراً عن تجنّب المحرّمات، كما يقول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الخصوص: (انّ الإنسان الذي عنده علم، لا يعمل الحرام في سبيل ترك مكروه، ولا يترك واجباً من أجل الإتيان بعمل مستحبّ، وهو يتحمّل ما يُخجل عند الناس ولا يعمل ما يُسخط الله تعالى).
لهذا غالباً ما يشعر الإنسان بحاجته إلى المعرفة والعلم، لكي يتوخّى الحيطة ولا يسقط في مواقع الزلل، إذ يقول سماحة المرجع الشيرازي: (إنّ كثيراً من مطالب أصول الدين يشعر الفرد ـ بل حتى كثير من أهل العلم ـ بالحاجة إلى تعلّمها سواء بالدراسة أو المطالعة أو المباحثة، وكذا الحال بالنسبة لكثير من الأحكام الشرعية. كما أنّنا بأمسّ الحاجة إلى تعبئة علمية لمعرفة كثير من الأحكام الشرعية وبالأخصّ تلك التي هي محلّ ابتلائنا).
أهمية مواسم الدراسة والتعليم
وطالما أن الجميع يعرف فوائد معرفة الأحكام والعمل في ضوئها، ناهيك عن المعرفة التي تشمل مجالات الحياة الأوسع، لذا مطلوب أن يبذل الإنسان قصارى جهده لكي يتعلّق بالمعرفة ويسعى إليها تحقيقاً لحياة أفضل، لذا يحثنا سماحة المرجع الشيرازي قائلاً: (لنخصّص بعض أوقاتنا ـ وبأقصى ما نستطيع ـ لتعبئة أنفسنا بالعلم في كلّ مجال مشروع وفي مجال العلم الديني خاصّة، ولنعلم أنّ موسم الدرس مناسبة جيّدة، وأنّ التسهيل من الله تعالى).
ولا تنحصر أهمية المعرفة في من يجهلها أو يفتقد لها، بل حتى العلماء مطالبون بتحصيل المعرفة والعلم على نحو دائم، لأن سقف المعرفة والأخلاق لا تحدّه حدود معينة، إنه سقف لانهائي مهما سعى الإنسان إليه، لذلك لابد من انتهاز الفرص التي تزيد الإنسان علماً ومعرفة، كما نقرأ في قول سماحة المرجع الشيرازي بهذا الصدد: (نعم، لننتهز كلّ فرصة ولا نضيّع حتى دقيقة واحدة، ولنحمل معنا الرسالة العملية التي قرأناها في أيّام شبابنا من أوّلها إلى آخرها، فربّ كثير منّا لا يتذكّر كثيراً منها، أو ربّ أمور لم يعد كثير منّا ملتفتاً إليها، فإذا ما أُتيحت له فرصة ولو بمقدار خمس دقائق، قرأ ولو صفحة واحدة منها، حتى إذا تكرّرت يكون قد تخلّص مما كان عنده من جهل مركّب في بعض المسائل، حيث كان يتصوّر أنّه يعرفها مع أنّه لم يكن يعرفها على الوجه الصحيح).