LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: راحة الدنیا وسعادة الآخرة
رمز 56751
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 9 شعبان المعظّم 1447 - 29 يناير 2026

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

السعادة للمتّقين

ورد في نهج البلاغة عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ذكر بعض صفات المتقين قائلاً: (فشارَكوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم)1.

بمعنی أنّ المتقین شاركوا الناس في حیاتهم وعاشوا معهم في محیطهم کما یعیشون، وتحملّوا جشوبة العیش وصعابها کما تحمّل الباقین، لکنّهم في نهایة المطاف نالوا سعادة الآخرة لأنّهم کانوا یطلبونها ویسعون من أجلها کما أمرهم به الله تعإلى .

بینما أهل الدنيا وطلّابها ـ سواء کانوا أغنیاء أم فقراء ـ كانت لهم دنيا مشوبة بالصعاب والمشاکل وعدم الاستقرار والطمأنینة وراحة الوجدان، فخسروا بذلك آخرتهم، فهل هذه سعادة؟

من هو الإنسان؟

إنّ عُمدة السعادة لا تتحقّق إلاّ براحة النفس والضمیر، لنفرض أنّ شخص له مال كثير، لكنّه یعیش حالة من القلق والاضطراب ولا يحظی بنومة هانئة في اللیل خوفاً علی ممتلکاته وأمور أخری، فهل هكذا إنسان سعيد؟ فالمال ليس عنواناً للسعادة، وإنّ کان یحقّق نسبة قلیلة من السعادة فیما لو عرف الإنسان کیف یتصرّف به، فمن الممكن أن يكون الإنسان فقيراً لكنّه سعيداً في دنیاه، يعيش راحة نفسیّة، وینام اللیل هانئاً مطمئناً.

المال، والعلم، والشخصية، وسلامة البدن کلّها أمور ثانویة للسعادة وليست عنواناً رئیسیاً لها، مع أنّها يمكن أن تكون جزءاً من بناء السعادة، فيمكن أن يكون هناك إنسان له شخصية معروفة عند الناس وله مال كثير وله علم جيّد ويتمتّع بسلامة بدنیّة لكنه لاينام اللیل براحة، ويعيش بین الناس بحالة من القلق والاضطراب الکبیرین، وذلك لأنّ رمز السعادة یکمن في التقوى، فقد ذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه في الموعظة المارّة عن المتقين (فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم) بمعنى إنّ المتّقين يعيشون في الدنيا كما يعيش أهل الدنيا. وورد في بعض كلمات المعصومين عليهم السلام: (العيشة عيشة المتّقين لا عيشة غير المتقين)، فيف حین أنّ أهل الدنیا لم یشارکوا المتّقین في آخرتهم (ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم) .

الفراعنة والأكاسرة والحكّام الظالمین وأصحاب الأموال الكثيرة الذین جمعوا المال بغیر حقّ، هؤلاء ليست لهم آخرة بل آخرتهم في عذاب وجحیم. والمتقون فقط کسائر المؤمنین الأخیار لهم نعیم مقیم وحیاة سعیدة أبدیة في دار الآخرة.

المتّقي بسعادة

إذا کان المال لا یحقّق السعادة المطلوبة ويفسدها في الغالب، وإذا کان العلم ليس عنواناً للسعادة، فماذا یمتلك المتّقون في تحقیق السعادة؟

إنّ أهم ما لدی المتّقين هو الرّضا بما قسم الله تعالى لهم، فالرضا هو عنوان السعادة، والإنسان بنسبة ذلك الرضا یکون سعیداً، فإذا کان رضاه 50 % کانت نسبة سعادته 50% أیضاً. والرضا معناه أن ترضی بما قسم الله لك به من مال وأولاد ودار وسلامة بدن، فسواء رزقك الله هذه النِعم أم لم یرزقك، تقبل وترضی عن قسمتك من دون اعتراض أو شکایة.

التقوى تُجنّب بلاء الدنيا

من یتصفّح قائمة السجون الجنائية ـ‌ ولا أعني بها المعتقلات التي یُسجن بها المظلومون من المؤمنين ـ بل الذين يدخلون السجون بسبب جرائمهم، سیجد أنّ أغلب اولئك السجناء یخضعون لمعالجات نفسیة بسبب تدهور حالاتهم الصحیة والنفسیة والعصبیة، وسوف یدخلون المستشفيات ودور المجانين، فهل تجد واحداً من المتّقین في قائمة هؤلاء السجناء؟

في الواقع إنّ المتّقي الذي له واقع التقوی وليس لفظاً لا یعاني من أمراض نفسیة وأمراض عصبية شديدة، ولنسأل لماذا هو کذلك؟ هل المتّقي لیس ببشر؟ إلىست له أحاسيس وآلام؟ إلىست له غریزة الحبّ والبغض وحبّ الراحة؟

بلى، المتّقي له أحاسیس وغزائز وتعتریه مشاکل وصعوبات، لکنّها لا ترتقي إلى حدّ فقدان الأعصاب والإصابة بالأمراض النفسیة لأنّ الدنیا صغّرت في عینیه. وكذلك لو تصفّح الإنسان قائمة المُنتحرین لوجد من الحكّام وأصحاب الأموال والعلماء الذین في علمهم مضرّة وطلب للمناصب یملؤون قائمة المنتحرین، في حین لا یجد رجل واحد من المتّقين في تلك القائمة السوداء؟! فلماذا لا يُقدم المتّقي على الانتحار؟ هل لأنّه ليست لدیه مشاکل؟ والجواب: کلاّ الإنسان المتّقي لديه مشاکل أيضاً ولكن مشاکله لا تصل الى طريق مسدود،‌ ولايعرّض نفسه للموت والخطر بسببها، فكم لهذه التقوى من قيمة، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم) أي أنّهم (المتّقون) شارکوا أهل الدنيا بالزواج والعیش وبعض الملذّات والأمور الدنیویة الأخری، في حین أنّ أهل الدنيا لم یشارکوا المتقین في آخرتهم ولا في لذائذهم وطیّباتهم ونعمهم التي وعدها الله لهم بها في الجنّة.

أهل الدنيا

قبل فترة سمعت أنّ شاباً أصيب بالسكتة القلبية ومات علی أثرها. وبعد مضي أشهر رأيت أحد أقرباء ذلك الشاب، فسألته عن سبب وفاته ولماذا مات بالسکتة، وما هي المشکلة التي کان یعاني منها؟ فأجابني قريبُه وقال: لقد کان بین ذلك الشاب وشخص آخر اختلاف مالي ـ وذكر لي نوع الاختلاف ـ فبینما كانا واقفين يتبادلان الکلام عن ذلك الاختلاف صاح الشخص في وجه ذلك الشاب، وكان خلف الشاب كرسي جلس علیه لیلتقط أنفاسه، لکنّه من شدّة تأثره بالکلام مات وهو جالس علی ذلك الکرسي.

بلى، لو کان ذلك الشاب من المتّقين لما أصابه ذلك الخطر من أجل دنیا فانیة، ولما عرّض حیاته للموت حرصاً علی المال أو ما أشبه ذلك، فالتقوى وقاية من المخاطر،‌ لأنّ الدنیا لا تساوي عند المتّقي شيئاً وهي صغیرة وحقیرة في عینه.

إنّ أغلى ما في التقوى هو الاستهانة بالدنيا واعتبار طلب المال والوجاهة والحکم من الأمور البسیطة التي لايحتاج لها المتّقون ولا یعرّضون أنفسهم بسببها للخطر.

بعکس طلاب الدنیا الذین لاتقوی لهم، حيث عندما تحدث لهم هزّات اقتصادية بسبب صعود أو نزول البورصة والذهب والعملات الأجنبیة نری الکثیر منهم يبتلى بأمراض عصبیة وربما یصاب بالسكتة القلبیة أو الجنون.

ثمّة شخص حضرت في تشيیعه قدیماً، فسألت ذویه عن سبب موته؟ فقال: لم يك بين كلامه وبين موته سوی دقائق، وأمّا سبب وفاته فلأنّه كانت له أرض وأراد بيعها، وعندما باعها واستلم المال وكان مالاً جيّداً، رآه أحد الأشخاص الذين يعرفونه فقال له ماذا صنعت في الأرض؟ فقال: بعتها. قال له: كم بعتها؟ قال: بكذا مبلغ. فقال له: لماذا لم تخبرني قبل بیعها؟ قال: إن كنت قد قلت لك ماذا كنت تصنع؟ فقال: كنت أشتري منك الأرض ضعف المبلغ الذي بعته. ونقل أنّ ذلك الشخص عندما سمع بالسعر الجدید سکت ولم یتفوّه بکلمة واحدة، لکنه عندما وصل إلى البيت سقط میّتاً من شدّة الحزن والأسف. وقد نقل أحد المقرّبین منه ممن کان معه في ساعة موته، أنّ المال الذي باع به الارض كان مال لا بأس به، لکنه طمع بالسعر الجدید بغضّ النظر عن کونه واقعیاً أو غیر واقعي. فهل هذه سعادة؟ وهل جلب المال له السعادة أم جلب له الشقاء والموت؟

عندما تكون التقوى منعدمة أو ضعيفة، يتصوّر الإنسان انّ السعادة تتحقّق بالمال، بینما المال هنا سیکون سبباً لشقاءه وربما جنونه وفقدان حیاته. ولا نرید هنا أنّ نقول أنّ المال سبباً للشقاء وعلیه یجب أن یکون الإنسان غير مكترث بأمور دنياه، لأنّه (من لا معاش له لا معاد له)، لكن یجب أن لا يبيع الإنسان حياته بشيء من حطام الدنيا.

إنّ المال والجاه في الدنيا یجب أن یکون سبباً للفوز بالآخرة، لا أن یعطي الإنسان حياته لأجلهما،‌ والأمثلة في ذلك كثيرة وكثيرة في هذا المجال.

المتّقي بأمان

إنّ من اللازم على الإنسان لکي يوفّر لنفسه السعادة في الدنيا والآخرة أن يتمسّك برضا الله. ولا يتحقّق رضا الله تعالى إلاّ بالتقوى. فالإنسان الذي یتمتّع بنعمة التقوى یکون سعیداً في تقواه بنسبة معیّنة، فإذا کان المتّقي له نسبة رفيعة وعإلىة من التقوى سوف یحظی بنسبة عإلىة ورفیعة من السعادة. صحیح أنّه یتألّم إذا فقد ما تعب عليه عشرات السنوات، لکنّ حزنه لا يوصله الى حد الاضرار بنفسه وبحياته. بخلاف الشخص الذي لا یحمل شيء من التقوی تراه یضرّ بنفسه بأدنى شيء يفقده، فیفقد دینه وإيمانه ودنياه وآخرته.

ربّ سؤال يطرح نفسه: لماذا یطلب الإنسان المال، ولمن یریده؟

الجواب: یجب أن يطلبه لسعادته في الدنیا والآخرة، لا أن یکون عبداً للمال وحارساً علیه، ولا ینفقه علی نفسه ولا علی الآخرین، وإذا أنفقه، أنفقه في غیر محلّه، فیجلب ذلك له الشقاء والتعاسة بدلاً من السعادة وطیب العیش.

سؤال آخر: لماذا یطلب الإنسان الحكم والوجاهة والعلم والسلامة في البدن؟ والجواب: يطلبها ليوفّر لنفسه السعادة والخیر.‌ ولکنّنا نری هذه الأمور في غیر الإنسان المتّقي تسلبه السعادة بدلاً من أن تأتي له بها، وهنا یکمن الخطر.

المصادر:

1.شرح نهج البلاغة ص 79 من عهد له (عليه السلام) إلى محمّد بن أبي بكر رضوان اللَّه عليه حين قلّده مصر.