سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
العدل في حكومة النبي صلى الله عليه وآله
إنّ من أهم أنواع العدل، هو العدل في الحكم والإنصاف في الرعیة. فالحكومات العادلة هي الحكومات التي یتّسع عدلها لكل المواطنین من دون تمییز بین فقیر أو غني، ومن دون فرق بین أسود أو أبیض، وبین قریب وبعید. فالكلّ سواسیة أمام القانون بلا استثناء. ولأنّ الأمّة تعيش تحت وطأة الأنظمة، لذا یجب علی الأنظمة أن تنصف رعایاها وتمنح عدلها لكل طبقات المجتمع وأطیافه من دون تمییز، فالحاكم العادل هو الحاكم الذي يربّي شعبه وأمّته تربية صحیحة وسلیمة، تربیة قائمة على العدل والمساواة، لا علی الظلم والجور ونهب ثروات البلاد. ومن أهم الأمثلة التي یمكن لنا أن نستشهد بها في ذلك، هي حكومة رسول الله صلی الله علیه وآله وحكومة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فهاتان الحكومتان تركتا بصمات عظيمة في سجّل التأريخ الإسلامي، لأنّ فیهما دروس وعبر كثیرة تصلح لأن تكون مثالاً للقسط والمساواة والعدل والإنصاف بین الرعیة.
لننظر كیف تعامل النبي مع خصومه الذین حاربوه طیلة عشرین سنة وعبؤوا جمیع طاقاتهم وحشّدوا كافّة إمكاناتهم في الحرب علیه، من مشركین ویهود ونصارى ومنافقین وغیرهم، ولننظر كیف تصرّف مع الذین خاضوا معه أنواع الحروب، منها حرب الأحزاب التي تجمّع فيها كل قوى الشرك والضلال والكفر، إذ لم يتركوا وسیلة إلاّ واستخدموها في الحرب ضدّ رسول الله صلی الله علیه وآله، لكنهم ورغم مرور عشرين عاماً من الحروب المضنية قد هُزموا أمام رسول الله صلی الله علیه وآله وانكسروا في حرب فتح مكّة وولوا الدُّبر، من مشركين ويهود ونصارى.
لما انتصر صلی الله علیه وآله بنصر الله العزيز، لم یستضعف أعدائه ولم یظلمهم بل عاملهم بالعدل والقسط، وجازاهم باللطف والإحسان، بحیث لم ير التاريخ نظيراً لهذه المعاملة الطیّبة بین حاكم ومحكوم وبین دولة وشعب لا من قريب ولا من بعید.
يألبّون عليه الحروب فيعفو عنهم
من يقرأ تأریخ الحروب السياسية للنبي صلوات الله علیه وآله، یتعجّب من طریقة تعامله مع أعدائه بعد الانتصار عليهم، فقد كان تعامله صلى الله عليه وآله بمثابة تربية ونهج قویم لكافة البشر، بحیث قطع العذر أمام أي شخص يحتجّ أمام الله تعإلى ویتذرّع بأعذار واهیة اذا ما تسلّم زمام الحكم ومقالید الدولة. فرسول الله صلی الله علیه وآله أطلق كلمة عظيمة، قال فیها للأعداء الذین جاؤوا لقتله وتشریده ومحاصرته اقتصادیاً واجتماعیاً، قال لهم بعد فتح مكّة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فهل هناك في التاريخ مثیل لهذا العفو العام مع من حشّدوا لقتله وضرب رسالته جمیع الطاقات خلال عشرین سنة؟
التعامل مع الأسرى والمنافقين
من يتصفّح أوراق التاريخ ليرى كیف تعامل حكّام المسلمین الظالمین مع الأسرى في الحروب، یندی جبينه. فقد مارس الحكّام الظالمین أشدّ أنواع التعذیب والقهر والإذلال مع السجناء وأودعوهم سجوناً رهیبة وأجبروهم علی الأعمال الشاقّة وقتلوهم كلّما اعترضوا علی سوء المعاملة وانتقدوا طریقة الإذلال. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم یتعامل مع الأسری بتلك الطریقة بل عفا عنهم في هوازن ومن دون مقابل، وهذا مثال من ألوف الأمثلة التي جسّد فیها رسول الله العدل والإنصاف مع الرعیة الذي أمر الله تعإلى به: (إنّ الله يأمر بالعدل) وأمرت به جمیع الكتب السماویة، حتی المنافقین من الناس الذین كانوا یشعلون فتیل الحرب ویكیدون لرسول الله لیل نهار، عفا عنهم ومنحهم فرصة كبیرة لإصلاح ذواتهم المریضة. وهذا كلّه من أجل أن تتعلّم البشریة دروس الأخلاق في التعامل مع الرعیة سواء كانوا مواطنین أو أسری، فهل تعلّم البشر ذلك من رسول الله؟
حكام الدّم والقتل والدمار
مع الأسف الشدید أنّ صفحات التاريخ ملطّخة بدماء المواطنین الأبریاء الذین سقطوا علی أیدي الحكومات الجائرة التي حكمت باسم الإسلام من أمثال بني أميّة وبني العباس وبني عثمان وآخرون من قبلهم ومن بعدهم. وهناك مثلاً حرب دامیة وقعت بین مدینتین إسلاميتین ـ والتاريخ یذكر اسمیهما ـ بسبب رسالة بعثها حاكم أحد المدینة إلى المدينة الاُخرى، وكانت الرسالة تحمل صفة العنف بعض الشيء، فهجم ذلك الحاكم على تلك المدينة وذبح العدید من الرجال والنساء والأطفال واستباح المدینة ثلاثة أيام، وعلی أثر تلك الاستباحة قُتل عشرون ألف مواطن وقطعت رؤوسهم وبنوا من جماجمهم عشرة منائر في الساحات والمیادین العامّة وأمام أعين الناس وأمام أعین ذویهم وأقاربهم. في حین أنّ الشعب في المدينتين لا يعلمون مضمون تلك الرسالة، ولماذا قامت الحرب. فانظروا ماذا یصنع الحكّام من أجل رسالة واحدة ومع الأسف.
الحكومات لا تتعلّم
كان ينبغي على الحكومات وعلی مرّ التأریخ أن تتعلّم من رسول الله دروس العدل في الحكم، لكنها وللأسف الشدید لم تتعلّم سوی القتل والدمار ونهب ثروات الشعوب واستعباد المواطنین واعتقال المعارضین وزجّهم في السجون الرهیبة، ولذا نرى الحكام سوّدوا صفحات التاريخ بجرائمهم وبدّدوا شمل الأمّة بافتقارهم للحنكة السیاسیة وعدم إلتزامهم بمباديء الإسلام. ولذا نری الحروب الداخلیة والخارجیة تنشب هنا وهناك، لأنّها تبنی علی العنف والقهر، لا علی الفضيلة والسلم والأخلاق.
لقد كانت أهداف النبي صلى الله عليه وآله صریحة وواضحة في حروبه الدفاعیة، فقد تخلّص من أغلب الحروب والمواجهات بالسلم والرحمة، حيث أمر صلی الله علیه وآله المنادي أن ينادي في أهل مكّة المكرّمة (اليوم يوم المرحمة، اليوم تصان الحُرَمَة)2، وكسر بذلك حاجز الرعب الذي أصاب أهل مكّة نتیجة لانتصار المسلمین علیهم خوفاً من الانتقام منهم، فأمر أن ينادى المنادي بشعار الرحمة لیطمئنّوا ویكون ذلك سبباً لدخولهم الإسلام. فما أروعه من شعار یحمل في مضمونه موقف إنساني مشرّف وینمّ عن العفو عند المقدرة (اليوم يوم المرحمة)، بمعنی أنّه اليوم الذي يرحم فیه رسول الله صلى الله عليه واله أعدائه، رحمة لا نظير لها في التاريخ، يوم تصان فيه الحرمات بدلاً من أن تهتك. فهذه المرحمة تأتي من رسول الله في وقت لم یترك الأعداء من المشركين ومن أهل الكتاب ومن اليهود والنصارى حرمة إلاّ وهتكوها بكل ما أتوا من حول وقوة، فهذا هو العدل الذي یجب أن تتّبعه الحكومات وتتعلّمه من رسول الله صلی الله علیه وآله.
تحقيق العدل
نحتاج في إقامة العدل الی منهاج رسول الله ومنهاج أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، إذ لا تستطیع البشریة أن تحقّق الراحة والاستقرار علی وجه المعمورة إلاّ بالمضي على المنهج العادل الذي رسماه. فلا عدل من دونهما، والواقع الذي نعيشه یكشف عن صدق ما ندّعیه.
لنری اليوم ماذا يصنع في البلاد الاسلامية وماذا یقوم به أناس ينتمون إلى الإسلام وينسبون أنفسهم إلى الإسلام جوراً ويعلنون كلمة لا إله إلاّ الله ويردّدون الشهادتين كشعارات لهم، لكنّهم يخالفون أمر رسول الله صلی الله علیه وآله في سیرته أشدّ مخالفة ولا یتّبعون قول الله تعإلى: (إنّ الله يأمر بالعدل) بل يأمرون بالظلم.
إذا أرادت البشریة أن تنعم براحة في الدنيا والآخرة فعليها اتّباع العدل الذي أمر به القرآن الكريم (إنّ الله يأمر بالعدل) وأخذ نماذج العدل من رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله علیهما وآلهما.
تصفّحوا التاريخ
إنّ الانسان عندما يتصفّح تاريخ رسول الله صلی الله علیه وآله يجد في كل صفحة من تاريخ رسول الله صورة مشرقة من العدل والإنسانية، فالعدل والإسانية وجهان لعملة واحدة. فالعدل هو الإنسانية، والإنسانية هي العدل. والعدل يأمر بالإنسانية والإنسانية تدعو إلى العدل، ففي قصة هوازن المفصّلة هناك ألوف من الأسرار التي تكمن في النساء والأطفال وفي الذین عفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم بلا أيّة فدیة أو مقابل.
إذن علینا أن نتصفّح تاریخ البشریة لنری هل يوجد نظير لمثل تلك القصة الفریدة في تاريخ رسول الله، ولدینا في تاريخ رسول الله صلى الله عليه وآله قصص مماثلة كثیرة وكثيرة جدّاً.
المصادر:
1. النحل: الآية90.
2. مناقب آل أبي طالب: ج1 ص208 فصل في غزواته صلى الله عليه وآله.