سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (إنّ الله أخفى رضاه في طاعته، وأخفى سخطه في معصيته) (1).
ثمرة الطاعة الدائمة
متى يرضى الله تعالى عن العبد؟ ذلك يكون عندما يطيع العبد الله تعالى. ومتى يغضب الله تعالى على العبد؟ وذلك يكون عندما يعصي العبد الله تعالى. ولكن هل رضا الله سبحانه وتعالى هو في كل طاعة؟ اي عندما يصلّي المرء، يرضى الله عنه بهذه الصلاة؟ وعندما يصوم يرضى الله على هذا الصوم؟ وعندما يصل الإنسان الرحم، يرضى الله عنه بهذه الصلة؟ وعندما يرحم المرء الضعفاء، يرضى الله عنه؟ وعندما ينفق على المحتاجين، يرضى الله عنه؟ وعندما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يرضى الله عنه؟ فمتى يرضى الله تعالى؟ فذلك غير معلوم لنا، لأنّ الله سبحانه قد أخفى رضاه في طاعته. ويعني لا يعلم في أي مورد من الطاعات، يرضى الله تعالى على العبد. فالله تعالى أخفى رضاه، ولا يُعلم في أيّة طاعة، وأين، ومتى يرضى سبحانه على العبد؟ ولعل من أسباب ذلك حتى يكون العبد دائماً مطيعاً لله تعالى. إذ إنّ الطاعة الله تعالى تعني سعادة الإنسان نفسه، وسعادة مجتمعه الذي يعيش فيه. فطاعة الله سبب السعادة، للمطيع وللمجتمع الذي يعيش فيه بتلك النسبة.
سبب السعادة
ثم، متى يغضب الله تعالى؟ فهل يغضب الله تعالى على شخص ترك الصلاة عمداً؟ أو ترك الصوم عمداً؟ وهل يغضب الله تعالى على من قطع الرحم؟ وهل يغضب على شخص ظلم أحداً؟ وهل يكون غضبه على شخص ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل يغضب على الزوج الذي عصى الله تعالى بالنسبة لزوجته؟ وهل يغضب على الزوجة التي عصت الله تعالى بالنسبة لزوجها؟ وهكذا للوالدين بالنسبة للأولاد، والأولاد بالنسبة إلى والديهما؟ والحاكم بالنسبة إلى الرعية بأن عصى الله تعالى بظلم الرعية؟ والرعية بالنسبة إلى الحاكم بأن عصت الله تعالى بترك الحاكم يظلم من دون أن تنكر عليه الظلم؟ فمتى يغضب الله تعالى على العبد؟ فهذا قد أخفاه الله تعالى في معصيته أيضاً. فالله تعالى يغضب في المعاصي التي تصدر من العبد، ولكن في أيّة معصية سيكون غضبه، ومتى وكيف؟ وهذا ما أخفاه الله جلّ وعلا، ولعل من أسباب ذلك، حتى يجتنب الإنسان كل المعاصي، وفي كل حال. فإنّ الإنسان الذي يترك المعاصي، يكون تركه للمعاصي سبباً لسعادته وسعادة المجتمع الذي يعيش فيه، بتلك النسبة. فالسعادة رهينة لترك معصية الله تعالى، للشخص ولمجتمعه.
الحذر دوماً
لكن، قد الله تعالى يغضب فيعاقب في الدنيا والعياذ بالله، أو يعاقب في الآخرة والعياذ بالله، أو يعاقب فيهما. فحسب ما يراه الله سبحانه وتعالى من الحكمة التي تقتضي العقوبة، فتراة يعاقب في الدنيا وحدها دون الآخرة، أو في الآخرة وحدها دون الدنيا، أو في الدنيا والآخرة. فقد ورد في الحديث الشريف عن مولانا الإمام الصادق صلوات الله عليه:
(إنّ امرأة كانت تطوف وخلفها رجل، فأخرجت ذراعها، فقام بيده حتى وضعها على ذراعها، فأثبت الله يد الرجل في ذراعها حتى قطع الطواف وأرسل إلى الأمير واجتمع الناس وأرسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون: اقطع يده فهو الذي جنى الجناية، فقال: ههنا أحد من ولد محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقالوا: نعم الحسين بن علي عليهما السلام قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه فقال: انظر ما لقي ذان؟
فاستقبل (الإمام الحسين صلوات الله عليه) الكعبة ورفع يديه فمكث طويلاً يدعو، ثم جاء إليهما حتى خلص يده من يدها، فقال الأمير: ألا تعاقبه بما صنع؟ قال صلوات الله عليه: لا. (2)
وجوب العفّة
إنّ العصيان كان من الرجل والمرأة، لأنّ الله سبحانه وتعالى أمر المرأة بأن تستر ذراعها عن غير المحارم، وكشفها لذراعها يعني معصية لله تعالى وفي المسجد الحرام وفي حال الطواف. وكذلك على الرجل أن لا ينظر إلى ذراع المرأة، فالقرآن الكريم، أمر الرجال بالغض، وأمر النساء بالتستر والغض، كما في قوله تعالى:
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (3) و(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (4). فيجب على المرأة أن تحفظ جسمها عن غير المحارم. وقد كان غضب الله تعالى في المعصية لله من المرأة التي كشفت عن ذراعها. وكذلك غضب الله تعالى عن المعصية التي صدرت من الرجل، بأن وضع يده على ذراع المرأة الأجنبية.
بلى، وكما ذكرت الأحاديث الشريفة، إنّ الله سبحانه وتعالى لا يغضب لأوّل معصية، ويعني أنّه من الممكن أن يعصي الشخص الله تعالى مرّات ومرّات، والله تعالى لا يغضب عليه، ولكن قد لمرّة واحدة، يغضب الله تعالى،، ولا يعلم الإنسان تلك المرّة، أي هل هي في المعصية العاشرة، أم المئة، أم الثالثة، أم الألف. وقد يظهر غضب الله تعالى في الدنيا، كما حصل للرجل والمرأة المذكورين في الحديث الشريف الذي مرّ ذكره، في الطواف. وقد تكون العقوبة في الآخرة، وقد تكون في الدنيا والآخرة.
أداة الاختبار
إنّ الله سبحانه وتعالى، جعل لكل إنسان عقلاً وشهوات. والشهوات تدفع إلى المظالم وإلى المعاصي، والعقل يدفع ويوجّه الإنسان ويرشده إلى ترك المظالم وترك المعاصي، وإلى الالتزام بطاعة الله عزّ وجلّ. وفي طاعة الله تعالى سعادة الدنيا والآخرة، وفي معصيته شقاء الدنيا والآخرة. وهاتان القوّتان، قد جعلهما الله سبحانه وتعالى في نفس كل إنسان ليختبر الناس. فالله يختبر عباده بالنفس وبما أودع فيها من شهوات. فمن مطيع دائماً، ومن عاص دائماً والعياذ بالله، ومن مطيع أحياناً، وعاص أحياناً. ومتى يرضى الله تعالى في الطاعة، فهذا غير معلوم لنا. فقد جعل الله تعالى رضاه مخفي في طاعته، وهكذا غضبه في معصيته.
لسعادة الإنسان والمجتمع
لذا على الإنسان أن يعزم ويصمّم، باستمرار ومواصلة، على أن يقدّم أوامر العقل على أوامر الشهوات، ليسعد هو في الدنيا والآخرة، وليسعد به المجتمع الذي يعيش فيه ومع أفراده، بتلك النسبة.
أسأل الله سبحانه وتعالى، أن يوفّق الجميع لطاعته دائماً، وبالعزم على طاعته جلّ وعلا، ومواصلة طاعته، وترك معصية الله تعالى دائماً، والعزم على ترك المعصية دوماً والمواصلة على الترك، وأن يعين الجميع في ذلك كلّه. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
ـــــــــــــــ
وسائل الشيعة: ١ / ٨٧ / ١ وص ٨٨ / ٦ وص ٨٩ / ٧.
مناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 51.
سورة النور: الآية 30.
السورة نفسها: الآية 31.