تعريب: علاء الكاظمي
بسم الله الرحمن الرحيم
تعازي ومواساة
أتقدّم بخالص التعازي والمواساة بمناسبة استشهاد النبي الأعظم، أشرف الأنبياء وسيّد الكائنات، سيّدنا ومولانا محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله، وكذلك استشهاد سبطه الأكبر، رسول الله صلى الله عليه وآله، مولانا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، واستشهاد مولانا الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. وأرفع صادق التعازي والمواساة لهذه المصائب العظيمة والمفجعة إلى المقام المقدّس للإمامة والولاية العظمى والكُبرى، مولانا بقية الله الأعظم، الإمام المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وإلى جميع المؤمنين والمؤمنات في كل مكان من هذا العالم، وإلى جميع مظلومي العالم ومحروميه وبائسيه.
بطبيعة الحال، فيما يرتبط بتاريخ استشهاد مولانا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، فعلى الرغم من أنّ القول الأصحّ والأشهر هو السابع من شهر صفر، فقد نُقل قول آخر في هذا الشأن. وكذلك فيما يتعلّق بتاريخ استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، فقد تعدّدت الأقوال فيها، ومن بينها القول بأنّها في آخر شهر صفر. ولذلك، فإنّنا في هذه الأيام التي تذكّرنا بمصائب ثقيلة ومفجعة وعظيمة كهذه في تاريخ الإسلام والتشيّع، نتقدّم بالتعازي بهذه المصائب جميعاً إلى المقام المقدّس لمولانا بقيّة الله المهدي الموعود عجّل الله تعالى فرجه الشريف، وإلى جميع الموالين والمحبّين لأهل البيت عليهم السلام وأتباعهم. ونسأل الله عزّ وجلّ أن يقدّر الظهور الشريف للإمام في أسرع وقت، وأن ينهي هذه الفترة الطويلة من الغيبة والفراق بظهور الوليّ المطلق لله تعالى، الذي قال في توقيع شريف: «وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ».
إنّ التعبير في التوقيع الشريف، تعبير بالغ الأهمية. فـ«أَكْثِرُوا» تعني: أكثروا من الدعاء؛ وليس أن ندعو أحياناً، ولا أن ندعو في بعض المناسبات وفي بعض المجالس فقط، بل ينبغي أن يكون الدعاء بتعجيل الفرج جزءاً من صميم حياة المؤمن، وفي جميع أحواله. في الليل والنهار، وقبل الصلاة، وفي الصلاة وبعدها، وأثناء تناول الطعام، وعند النوم، وفي السفر والحضر، وفي الخلوة والاجتماع؛ فينبغي أن نستحضر هذا الدعاء في كل حال وفي كل زمان.
«فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ».
ثم يقول الإمام صلوات الله عليه: «فَإِنَّ ذَلِكَ فَرَجُكُمْ».
إنّ هذا الجزء من كلام الإمام عليه السلام يتضمّن، من الناحية الأدبيّة والدلالة المعنوية، نقطة دقيقة جدّاً جديرة بالتأمّل. ولأعزائنا الذين لديهم معرفة بالأدب العربي وبالمباحث النحوية والبلاغية أن يلتفتوا إلى أنّ «ذَلِكَ» في هذه العبارة، وهو اسم إشارة، قد تقدّم على الخبر، وهذا التقديم في بنية الجملة ليس من دون غرض. فعندما يتقدّم أحد أجزاء الجملة إلى موضع غير موضعه المعتاد، فقد تكون لذلك دلالة خاصّة في إفادة الحصر والاختصاص. فليس معنى العبارة أنّ الدعاء لتعجيل الفرج هو مجرّد أحد سبل الفرج لكم، بل يمكن، بالنظر إلى هذه البنية، أن نستفيد منها معنىً أبلغ وأعمق تأكيداً؛ أي إنّ فرجكم إنّما يكون في أن تدعوا لتعجيل الفرج، بمعنى أنّ ما يكون سبباً للفرج والانفتاح عليكم هو هذا بعينه: الدعاء لتعجيل الفرج. وبالطبع، فإنّ البحث في كون هذا الحصر حصراً حقيقياً، أو حصراً إضافياً ناظراً إلى بعض الجهات والأسباب الأخرى، هو بحث مستقلّ يحتاج إلى مزيد من التحقيق في موضعه، ولكن ما نؤكّد عليه هنا هو الأهمية البالغة للدعاء لتعجيل الفرج، ومكانته في مسيرة وصول المجتمع المؤمن إلى الفرج الإلهي. وعليه، فلا ينبغي أن نتعامل مع هذا الكلام النوراني للإمام عليه السلام على أنّه توصية عادية ومألوفة. فالإمام لا يقول: ادعوا للفرج بين حين وآخر فقط، بل يقول: «وَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ الْفَرَجِ»؛ أي أكثروا من الدعاء، وأكثروا كثيراً، واجعلوا الدعاء لتعجيل الفرج جارياً في حياتكم، لأنّ هذا هو فرجكم. فعلى الرغم من جميع الوظائف والمسؤوليات والأعمال والتكاليف التي تقع على عاتقنا، فإنّ من أهم وظائفنا الاستمرار في الدعاء لتعجيل فرج الإمام وليّ العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، والإكثار منه. ونسأل الله تعالى أن يعجّل فرج مولانا، ويقرّب ظهوره الشريف، ويهيّئ مقدّمات ظهوره على أفضل وجه.
اللهم عجّل فرجه، وسهّل مخرجه، في عافيةٍ منّا جميعاً، ومن سائر المؤمنين والمؤمنات.
الشكر لخدّام الشعائر
قبل أن أدخل في بحث الروايات والأحاديث النورانية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وقبل أن أتحدّث أمامكم أيّها الأعزاء عن كلماته وبياناته، أرى من واجبي أن أتقدّم من هنا بخالص الشكر والتقدير لجميع الذين بذلوا جهودهم خلال شهري محرّم وصفر، بإخلاص ومحبّة، في إقامة مجالس العزاء، والهيئات، والمواكب، وإطعام الناس، وخدمة الزائرين، وإقامة شعائر أهل البيت عليهم السلام. وأتقدّم بالشكر إلى كل من بادر إلى استقبال الأيّام التي مرّت منذ بداية شهر محرّم، أو حتى قبل حلول شهر محرّم بأيّام، في أيّ بقعة من بقاع العالم، وأسهم بخطوة في إقامة مجالس العزاء وإحياء اسم أهل البيت عليهم السلام وذكراهم. وإنّ كل الخدمات التي قدّمت، والجهود، والدموع، والمجالس، والمواكب، والعزاء كلّه، كلّها عبادة، وتقع في مسار إحياء الشعائر الإلهية وشعائر أهل البيت عليهم السلام. وبالطبع، قد يعتّض شخص قائلاً: إنّ مثل هذه المراسم بهذه الصورة وبهذا العنوان لم تكن متعارفة في زمن الأئمة عليهم السلام قبل حلول شهر محرّم. فإذا كان أمرٌ ما لم يكن موجوداً في زمن الأئمة عليهم السلام، فكيف يمكن القيام به اليوم واعتباره جزءاً من الشعائر؟
لقد ذكرت مراراً أنّ الشعائر أمرٌ عُرفي. وينبغي فهم هذه النقطة فهماً صحيحاً. فالقرآن الكريم والروايات والأدلّة الشرعية، في الموارد التي تحدّثت فيها عن الشعائر، لم تضع لجميع المصاديق قائمةً تاريخية، فتقول مثلاً: هذا الأمر شعيرة، وذاك ليس شعيرة. إنّ الشعائر، في كثير من مواردها، من الموضوعات العُرفية؛ أي إنّ ما يُعرف في عُرف المؤمنين والمجتمع المتشرّع على أنّه من مظاهر تعظيم الدين، وتعظيم الشعائر، وإظهار المحبّة والولاء للمقدّسات الدينية، يمكن أن يندرج تحت عنوان الشعيرة. وعليه، فإنّ عدم القيام بعملٍ ما بتلك الكيفية وبتلك الصورة في زمن الأئمة عليهم السلام، لا يكون بحدّ ذاته دليلاً على كونه بدعة.
البدعة والشعيرة
تُطرح المسألة نفسها بشأن الأيّام التي تعارف الناس على إقامتها بعد محرّم وصفر، مثل أيّام المحسنية، أو اسبوع المحسنية، أو العشرة المحسنية، التي تُقام في بعض المناطق وبين بعض محبّي أهل البيت عليهم السلام. وأحياناً نسمع بعض الأشخاص يقولون: هذه بدعة! حسناً، ابحثوا عن فقيه، أو مرجع تقليد، أو عالم جليل سمّى هذه المراسم بدعة لمجرّد هذا العنوان، وبحجّة أنّها لم تكن موجودة في زمن الأئمة عليهم السلام. فمن يقول إنّ هذا بدعة، ينبغي له أن يعرف معنى البدعة. فالبدعة هي نسبة شيء إلى الدين مما ليس من الدين. فإذا عرّف شخص شيئاً ليس من الدين على أنّه حكم ديني، فهذه بدعة. ولكن هل إقامة مجلس للعزاء، وإظهار الحزن، وتذكّر مصائب أهل البيت عليهم السلام، وإقامة الشعائر، إذا لم يقترن ذلك بادّعاء أنّ مثل هذه المراسم بهذا الشكل وهذا العنوان تحديداً قد ورد فيها أمر شرعي خاص، تُعدّ بدعة؟ كلا.
ينبغي التفريق بين «الحكم الشرعي الخاصّ» و«مصداق الشعائر». فإذا كانت العشرة المحسنية، أو اسبوع المحسنية، أو أيّام المحسنية، في عُرف المجتمع المؤمن، وسيلةً لإظهار المحبّة لأهل البيت عليهم السلام، وتذكّر مظلومية السيّد محسن عليه السلام، وإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام، فينبغي أن تُبحث في إطار هذا العنوان. وليس من اللازم أن تكون لدينا رواية مباشرة لكل مصداق جديد من مصاديق الشعائر، تقول مثلاً: «أقيموا هذه المراسم بهذا الاسم ولمدّة هذه الأيّام».
بل إنّ كثيراً من مظاهر وأشكال عزاء أهل البيت عليهم السلام وتكريمهم في زماننا، بالصورة والكيفية نفسها اليوم، لم تكن موجودة في زمن الأئمة عليهم السلام، ولكن المجتمع المتشرّع اليوم يعدّها من مظاهر تعظيم الشعائر.
كشبهات الوهابيّة
إذا كان من المقرّر أن نعدّ كل شيء لم يكن موجوداً بالصورة اليوم في زمن الأئمة عليهم السلام بدعة، فعلينا أن نسمّي كثيراً من الأمور الواضحة والمقبولة اليوم بدعاً أيضاً. فمثلاً، هل كان الضريح المطهّر للإمام سيّد الشهداء عليه السلام موجوداً بهذه الصورة في زمن الأئمة عليهم السلام؟ كلا. إنّ تلك القبّة والروضة العظيمة التي تقوم اليوم فوق الحرم المطهّر للإمام الحسين عليه السلام لم تكن موجودة بهذه الصورة في زمن الأئمة عليهم السلام. فعندما قال الإمام عليه السلام: «وَاسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ تَحْتَ قُبَّتِهِ»، هل كانت تلك القبّة موجودة بهذه الصورة والهيئة التي نراها اليوم؟ لم تكن هناك أصلاً مثل هذه القبّة.
كان القبر الطاهر للإمام الحسين عليه السلام في ذلك الوقت في قلب الصحراء، ثم أُقيمت له، شيئاً فشيئاً، الأبنية والسقوف والحرم. وفي مراحل لاحقة شُيّدت عليه أبنية، وتوسّعت على مرّ التاريخ، حتى وصلت إلى هذه العظمة والفخامة التي نراها اليوم. والسؤال هو: هل هذه القبّة، وهذا الصرح، وهذا الحرم، وهذا البناء، وهذا التعظيم، بدعة لمجرّد أنّها لم تكن موجودة بهذه الصورة في زمن الأئمة عليهم السلام؟ إذا قبل شخص بهذا المعيار، فعليه أن يلتزم بلوازم غريبة جدّاً. أفليست قبّة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام وروضته شعيرة؟ أليس تعظيم هذا الحرم شعيرة؟ وهل ينبغي أن نعدّ كل هذا التكريم والخدمة والزيارة وإيقاد الأنوار والتوشّح بالسواد، ومختلف الآداب والمظاهر التي تشكّلت على مدى القرون لإظهار المحبّة لأهل البيت عليهم السلام وتعظيم مقامهم، بدعاً؟
إنّ هذا الكلام، إذا قيل بهذا المعيار نفسه، ليس إلاّ تكراراً للشبهات نفسها التي طرحها أمثال الوهابيين. وبالطبع، فإنّ كثيراً ممن يكرّرون مثل هذا الكلام قد لا يكون ذلك عن عناد، وإنّما عن عدم معرفة وجهل؛ فهم لا يدركون المسألة على نحو صحيح، ولا يفرّقون بين البدعة والشعائر، ولا بين الحكم الشرعي والمصداق العُرفي. وعليه، ينبغي أن نتحدّث بدقّة، وأن نحكم وفق المعيار الصحيح.
صور الشعائر
إنّ ظهور ممارسةٍ ما قبل بضع سنوات، بحيث لم يكن من المتعارف عليها مثلاً قبل نحو عشرين عاماً، وكانت أقلّ شيوعاً قبل عشر سنوات، ثم أصبحت اليوم في بعض المناطق وبين بعض المؤمنين تُقام مراسم لاستقبال شهر محرّم قبل حلوله بعدّة أيّام، وبعناوين وأساليب مختلفة، فهل مجرّد عدم وجود سابقة زمنية لها يُعدّ دليلاً على كونها بدعة؟ كلا. فيمكن أن تكون هذه الأمور من مصاديق الشعائر؛ لأنّ الشعائر ليس لها قالب ثابت وتاريخي غير قابل للتغيير. فقد لا يكون أحد مصاديق تعظيم الشعائر متعارفاً عليه في مرحلة من الزمن، ثم ينتشر في مرحلة أخرى، تبعاً للظروف الاجتماعية وعُرف المؤمنين. والمهم هو العنوان الذي يندرج تحته العمل وحقيقته. فإذا أقام الناس، قبل حلول شهر محرّم، مجلساً لاستقبال شهر عزاء الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، وارتدوا السواد، ونصبوا رايات العزاء، وأقاموا مجالس الرثاء، وأطعموا الناس، وهيّؤوا أجواء المجتمع لاستقبال شهر محرّم، فإنّ هذه الأمور في أصلها إظهار للمحبّة وتعظيم للشعائر. وأتقدّم بالشكر إلى جميع الأعزاء في كل مكان من العالم؛ إلى كل من قام بأيّ عمل من أجل عزاء أهل البيت عليهم السلام، وإلى كل من قدّم خدمة، أو خطا خطوة، أو أنفق مالاً، أو أقام مجلساً، أو خدم زائراً، أو قدّم طعاماً، أو رفع راية، أو ذرف دمعة، وأحيا ذكر أهل البيت عليهم السلام.
نماذج واضحة
دعوني أذكر مثالاً أوضح. هل الذهاب مشياً على الأقدام لزيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بدعة؟
ما الرواية التي لدينا عن الإمام المعصوم عليه السلام أنّه قال: «ائتوني زائرين مشياً على الأقدام»، وقرّر هذا العمل بهذه الكيفية والصورة بوصفه أمراً خاصّاً؟
لا توجد رواية بذلك العنوان وبتلك الكيفية. ولكن هل يمكن اليوم أن يكون المشي على الأقدام لزيارة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام من الشعائر؟ نعم. فهذا العمل، إذا أُدّي بقصد القربة، وإظهار المحبّة، وتعظيم مقام الإمام عليه السلام، وإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام وتعظيمه، يمكن أن يندرج تحت عنوان الشعيرة. وكذلك المشي على الأقدام لزيارة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام والإمام الجواد عليه السلام في الكاظمية؛ فهل كانت في زمن الأئمة عليهم السلام مثل هذه المراسم الواسعة بهذه الصورة والكيفية؟ كلا. ولكن هل إذا ذهب المؤمن اليوم مشياً على الأقدام لزيارة الكاظمية، ينبغي أن نقول إنّه ابتدع؟ أبداً.
بل إنّ من أوضح النماذج جابر بن عبد الله الأنصاري، الذي جاء ماشياً على الأقدام لزيارة الإمام الحسين عليه السلام، وتحمّل في طريق زيارته له المشقّة والعناء. فهل الذهاب مشياً على الأقدام لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله بدعة؟ وهل الذهاب مشياً على الأقدام لزيارة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بدعة؟ وهل الذهاب مشياً على الأقدام لزيارة مولانا الإمام الحسين عليه السلام بدعة؟ وهل الذهاب مشياً على الأقدام لزيارة مولانا الإمام الهادي عليه السلام ومولانا الإمام الحسن العسكري عليه السلام في سامراء بدعة؟ وهل مجرّد كون هذا الشكل من الزيارة وقالبها لم يكن موجوداً في زمن الأئمة عليهم السلام بوصفه برنامجاً اجتماعياً واسعاً ومنظّماً، يجيز لنا أن نسمّيه بدعة؟ كلا. فهذه شعائر. والشعائر تتّخذ على مرّ التاريخ، بما يتناسب مع الظروف وعُرف المؤمنين، صوراً ومصاديق مختلفة. والأساس هو تعظيم أمر الله تعالى، وإظهار المحبّة لأولياء الله تعالى، وإحياء اسم أهل البيت عليهم السلام وذكراهم، وتعظيم مقام أولئك الأعاظم. وعليه، ينبغي ألاّ نستخدم معياراً خاطئاً فنصف كل ظاهرة جديدة لم تكن موجودة بالصورة الحالية في زمن الأئمة عليهم السلام بأنّها بدعة. فلو كان الأمر كذلك، لأُغلِق الطريق أمام كثير من مظاهر المحبّة والخدمة والزيارة وتعظيم أمر أهل البيت عليهم السلام، في حين أنّ المعيار الذي ينبغي اعتماده هو، من جهة، عدم نسبة ما ليس من الدين إلى الدين بغير حقّ، ومن جهة أخرى، تعظيم الشعائر وإحياؤها في إطار الموازين الشرعية. ولا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين.
الأصول واتّساع نطاق الشعائر
لقد علّمنا الأئمة الأطهار عليهم السلام هذه الحقيقة، وهي أنّ وظيفتهم بيان أصول المعارف وجذورها، وأنّ وظيفتنا هي فهم هذه الأصول واستخراج فروعها وتطبيقها في مختلف مجالات الحياة. وقد ورد في الروايات: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ، وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ».
إنّ هذه الكلمة تفتح أمامنا باباً واسعاً جدّاً في فهم معارف أهل البيت عليهم السلام. فليس من المقرّر أن تكون لدينا لكل مصداق جديد رواية عن المعصوم عليه السلام بالعنوان نفسه والشكل نفسه والكيفية نفسها. فقد بيّن الأئمة عليهم السلام الأصول، وعلى المجتمع المؤمن، من خلال معرفته بتلك الأصول، أن يجد في كل عصر وزمان مصاديقها وسبل تحقيقها. وعلى هذا الأساس، أتقدّم بخالص الشكر إلى جميع الناس، من الرجال والنساء، والصغار والكبار، والفقراء والأغنياء، وإلى كل من، في حدود قدرته واستطاعته، وبقدر ما تمكّن منه، خطا خطوة في سبيل إقامة الشعائر الحسينية المقدّسة، أو قدّم خدمة لمولانا الإمام الحسين عليه السلام ولسائر أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولمولاتنا الصدّيقة الطاهرة السيّدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وللأئمة الاثني عشر المعصومين عليهم السلام. فليتقبّل الله تعالى من كل شخص ما قام به؛ من أقام مجلساً، ومن خدم في مجلس، ومن قرأ الرثاء، ومن ذرف الدموع، ومن بذل مالاً، ومن خصّص من وقته، ومن خدم الزائرين، ومن تحمّل، في حدود استطاعته، جانباً من هذا الحمل الكبير. فجميع هؤلاء جديرون بالتكريم والدعاء. وأنا أكرّم هذه الخدمات في إطار العمومات الشرعية، وبعنوان كونها مستحبّاً شرعياً؛ لأنّ أصل هذا العمل، أي إقامة الشعائر، وتعظيم أمر أهل البيت عليهم السلام، وإحياء اسمهم وذكراهم، له جذور في سيرة المعصومين عليهم السلام وتعاليمهم النورانية.
كما أشكر جميع اولئك الأعزاء، وأدعو لهم جميعاً، وأطلب منكم أيضاً الدعاء. وادعوا الله تعالى أن يمنّ علينا جميعاً بمزيد من التوفيق لخدمة أهل البيت عليهم السلام، وبمزيد من الإخلاص والمعرفة والقدرة على مواصلة هذا الطريق المقدّس.
وظيفتنا تجاه القائمين بالشعائر
يُستحب لنا جميعاً أن ندعو، في إطار العمومات نفسها، لمن يبذلون جهودهم في سبيل إقامة الشعائر وخدمة أهل البيت عليهم السلام؛ وأن نسأل الله تعالى لهم الخير والبركة والتوفيق والإخلاص والعافية وقبول الأعمال. وأنا أيضاً، بحسب ما تتيحه لي وظيفتي من توفيق وقدرة، ملتزم بالدعاء طوال العام؛ في الليل والنهار، وفي الصلاة وبعدها، وفي مختلف الأوقات، وبقدر ما يوفّقني الله تعالى، أدعو لخدّام أهل البيت عليهم السلام، ولكل من يخطو خطوة في سبيل إحياء الشعائر. ولا سيما بالنسبة إلى الشعيرة المقدّسة والعظيمة، أعني أربعين مولانا الإمام الحسين عليه السلام، فينبغي أن نوليها اهتماماً أكبر. فليتقبّل الله تعالى من كل من قدّم، بحسب قدرته، أيّ خدمة لأربعين هذا العام؛ سواء من تشرّف بنفسه بزيارة كربلاء، أو من خدم زائري الإمام الحسين عليه السلام، أو من أوصل زائراً إلى كربلاء، أو من جمع المال لإيفاد الزائرين، أو من وفّر الإمكانات، أو من خطا، بأيّ صورة وبأيّ مقدار، خطوةً في سبيل هذه الشعيرة العظيمة. فكل هذه الأعمال قيّمة، وسيجزي الله تعالى كل شخص بقدر نيّته وقدرته وإخلاصه.
لأربعين العام المقبل
لكن هناك نقطة أريد أن أذكرها، وأبدأ بنفسي. لقد ذكرت هذا الأمر أحياناً، وأذكره مرّة أخرى؛ وحتى لو كنت قد ذكرته مراراً، فما زلت أرى من اللازم أن أكرّره. فلنتّخذ جميعاً قراراً، أنا الذي أقف في هذا المقام، وأنتم جميعاً أيّها الأعزاء الذين تسمعون صوتي اليوم، أو تسمعونه في أي وقت ومن أي مكان في العالم، وهو أن تكون الخدمة التي قدّمناها لأربعين هذا العام أكبر قليلاً في أربعين العام المقبل؛ فإذا كنتم قد قدّمتم هذا العام مقداراً من المال للزائرين، فلتقدّموا في العام المقبل مقداراً أكبر قليلاً. وإذا كنتم قد اقترضتم هذا العام وأنفقتم في هذا الطريق، فإذا كانت لديكم القدرة والإمكان، فاقترضوا في العام المقبل مقداراً أكبر. وإذا كنتم قد جمعتم هذا العام المال لإيفاد الزائرين، فاسعوا في العام المقبل إلى جمع مبلغ أكبر. وإذا كنتم قد أرسلتم هذا العام ثلاثين شخصاً إلى كربلاء، فاسعوا في العام المقبل إلى إيفاد عدد أكبر. وإذا كنتم قد أرسلتم مئة شخص، فقولوا في العام المقبل: مئة وعشرة، أو مئة وخمسون، أو مئتان؛ كل شخص بحسب قدرته. وإذا كنتم قد أرسلتم الزائرين هذا العام بوسيلة من وسائط النقل، فوفّروا في العام المقبل وسائل أكثر. وإذا كانت لديكم القدرة على استئجار طائرة، فاستأجروا طائرة وأرسلوا زائرين أكثر. وإذا كانت لديكم القدرة على توفير قطار، فوفّروا قطاراً. وإذا كان بإمكانكم إيصال الزائرين إلى كربلاء من أماكن أبعد ومن بلدان مختلفة، فافعلوا ذلك. وإذا كانت هناك حاجة إلى وسيلة بحرية وسفينة، فاستفيدوا من هذه الإمكانية أيضاً في سبيل الخدمة.
المهم هو أن يرى الإنسان: هل أصبح نصيبه في خدمة هذه الشعيرة المقدّسة هذا العام أكبر مما كان عليه في العام الماضي أم لا؟ فإذا اتّخذ كل واحد منّا هذا القرار، فسيحدث أمر عظيم. تصوّروا ملايين البشر، يزيد كل واحد منهم خدمته قليلاً، كلٌّ بحسب قدرته؛ فكم سيكون حجم الموجة العظيمة من الخدمة والمحبّة التي ستتشكل تجاه عتبة الإمام الحسين عليه السلام!
إذن، لنتّخذ القرار من اليوم: ليكن نصيبي في أربعين العام المقبل أكبر من نصيبي في أربعين هذا العام. وليخدم كل شخص بحسب قدرته؛ فلا فرق بين الفقير والغني، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين المرأة والرجل. وليضع كل شخص ما لديه في سبيل الإمام الحسين عليه السلام.
وفّقكم الله جميعاً لأن تكونوا في هذا الطريق من أهل الخدمة بأنفسكم، وأن تدعوا الآخرين أيضاً إلى الخدمة وإقامة الشعائر. ونسأل الله تعالى أن يتقبّل بكرمه هذه الخدمات المتواضعة التي نقدّمها، وأن يجعلنا من خدّام الإمام الحسين عليه السلام الحقيقيين، ومن خدّام جميع أهل البيت عليهم السلام.
معيار «العقل»
الآن أقرأ الرواية، وقد أشرت إليها من قبل أيضاً، إلاّ أنّ كلام أهل البيت عليهم السلام كلامٌ كلما قرأه الإنسان وكرّره، وجد فيه نوراً ونقطةً جديدة. فكلام المعصوم عليه السلام ليس كلاماً عادياً؛ ففي كل مرّة يرجع إليه الإنسان بانتباه وتأمّل، تُفتح أمامه نافذة جديدة من نوافذ المعرفة.
وردت عن المعصوم عليه السلام رواية مشهورة جدّاً، يقول فيها:
«اَلْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ؛ كَيِّسٌ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ».
أي إنّ «الكَيِّس» هو من يكون يومه أفضل من أمسه. و«الكَيِّس» يعني العاقل، والذكي، وبعيد النظر، ومن يعرف الطريق الصحيح ويضع لنفسه خطّة للنمو والكمال. وأودّ أن أوضّح هذا التعبير قليلاً للأعزّاء الذين لديهم معرفة بالأدب العربي وبالمباحث النحوية والبلاغية. ففي كلمة «الكَيِّس»، جاءت «أل» مع المبتدأ، و«أل» يمكن أن تأتي في بعض الموارد لإفادة الحصر. أي عندما يقولون: «الكَيِّس»، فلا يريدون مجرد القول إنّ الشخص العاقل يكون كذلك، بل يمكن أن يفيد هذا التعبير أنّ الكَيِّس الحقيقي والعاقل الحقيقي هو من يكون يومه أفضل من أمسه. وبالطبع، إذا أراد شخص أن يعبّر عن ذلك اصطلاحاً بأنّه «حصر إضافي»، فلا مانع؛ أي إنّ الإمام عليه السلام بصدد بيان إحدى أهم وأرفع مراتب العقل والكِياسة. ولكن، على أيّ حال، فإنّ تعبير الإمام عليه السلام تعبير بالغ الأهمية.
أربعين اليوم والمستقبل
الآن، فلنطبّق الرواية على بحثنا هذا. إنّ كل واحد منا قدّم هذا العام، في أربعين الإمام الحسين عليه السلام، كل ما استطاع أن يقدّمه؛ فمنّا من ذهب بنفسه إلى كربلاء، ومنّا من اصطحب زائرين، ومنّا من أقام موكباً، ومنّا من خدم الزائرين، ومنّا من قدّم الطعام، ومنّا من قدّم الماء، ومنّا من وفّر وسائط النقل، ومنّا من أنفق، ومنّا من جمع المال، ومنّا من أوصل الزائرين من بلد إلى بلد، ومنّا من خطا، في حدود استطاعته، خطوة في سبيل تعظيم شعيرة الأربعين المقدّسة. وكل ذلك قيّم، ونسأل الله تعالى أن يتقبّل من جميع خدّام الإمام الحسين عليه السلام. ولكن السؤال هو: ماذا سنفعل في أربعين العام المقبل؟
إذا كنا قد قدّمنا هذا العام من الخدمة بقدر ما استطعنا، فينبغي أن تكون خدمتنا في العام المقبل أفضل وأكثر من هذا العام؛ فإذا أرسلنا هذا العام مئة شخص إلى كربلاء، فينبغي أن نسعى في العام المقبل إلى إرسال أكثر من مئة شخص. وإذا أنفقنا هذا العام مقداراً من المال على الزائرين، فلننفق في العام المقبل مقداراً أكبر قليلاً. وإذا جمعنا هذا العام المال لإيفاد الزائرين، فلنجمع في العام المقبل أكثر. وإذا أقمنا هذا العام موكباً، فلنوسّع في العام المقبل نطاق تقديم الخدمات. وإذا خدمنا هذا العام في العراق، فلنقدّم الخدمة نفسها في العام المقبل بجودة أفضل وحجم أكبر. وإذا قمنا هذا العام بأي عمل من أجل الأربعين خارج العراق، في أي بلد وفي أيّ بقعة من العالم، فينبغي أن يكون نصيبنا في العام المقبل أكبر.
لماذا؟ لأنّ الإمام المعصوم عليه السلام يقول: «اَلْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ». فمن لا يكون يومه وغده أفضل من أمسه، لا يمكنه أن يدّعي أنّه بلغ تلك المرتبة الرفيعة من الكِياسة والعقلانية التي يعرّفنا بها الإمام عليه السلام. وينبغي أن نبدأ من الآن بالتفكير في أربعين العام المقبل، لا أن ننتظر حتى يحلّ الأربعين ثم نبدأ بالتفكير. فمن اليوم ينبغي أن نرى ما العمل الذي يمكننا القيام به في العام المقبل ولم نتمكّن من القيام به هذا العام. وعلى كل شخص، أينما كان في العالم، سواء كان في العراق أو إيران أو سائر البلدان، وسواء كان في كربلاء أو خارج كربلاء، أن يسأل نفسه: ما الذي يمكنني أن أقدّمه أكثر في أربعين العام المقبل؟
إذا تساوى اليومان
لكنّ الإمام عليه السلام، في تتمّة الرواية المذكورة، يذكر أمراً أهمّ بكثير، فيقول:
«وَ مَنْ سَاوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ». و«المغبون» هو من كان يملك رأس مال، ثم خسره في معاملة كان بإمكانها أن تعود عليه بالربح. وهذا التعبير منه عليه السلام تعبير يهزّ الإنسان حقّاً.
أي إذا خدمتُ هذا العام في أربعين الإمام الحسين عليه السلام، ثم خدمتُ في العام المقبل بالمقدار نفسه تماماً وبالجودة نفسها، ولم أتقدّم خطوة إلى الأمام، فإنّ الإمام عليه السلام يقول: «فَهُوَ مَغْبُونٌ»؛ أي إنّه مغبون.
لأنّ الإنسان لم يُخلق ليكون كل يوم من أيامه مطابقاً لليوم الذي سبقه. بل ينبغي للإنسان أن ينمو، وأن تزداد معرفته، ويقوى إيمانه، ويزداد إخلاصه، وتتّسع خدمته للدين وأهل البيت عليهم السلام. فإذا أخذتُ هذا العام عشرة أشخاص إلى الزيارة، ثم أخذتُ في العام المقبل الأشخاص العشرة أنفسهم، فهذا أمر جيّد، ولكن وفقاً للكلام النوراني، لا ينبغي لي أن أكتفي بهذا المقدار. وإذا أخذتُ هذا العام مئة شخص، وأخذتُ في العام المقبل مئة شخص أيضاً، فهذا أمر جيّد، ولكن ينبغي أن أرى: هل أستطيع أن آخذ مئة وعشرة أشخاص؟ مئة وعشرين شخصاً؟ هل أستطيع أن أوفّر إمكانات أكثر؟ إذا كان لدينا موكب واحد هذا العام، فهل نستطيع في العام المقبل أن نوسّع نطاق الخدمة؟ وإذا أنفقنا هذا العام مقداراً من المال، فهل نستطيع أن ننفق في العام المقبل مقداراً أكبر قليلاً؟ وإذا بذلنا هذا العام جهداً لإيفاد الزائرين، فهل نستطيع في العام المقبل أن نوفد عدداً أكبر؟ هذه هي روح كلام الإمام عليه السلام.
تحذير شديد للغاية
أما القسم الثالث من الرواية، فهو في الحقيقة مصيبة؛ إنّه كلام ينبغي أن يدفع الإنسان إلى التفكير والتأمّل.
يقول الإمام عليه السلام في تتمّة الرواية: «وَمَلْعُونٌ مَنْ كَانَ أَمْسُهُ خَيْراً مِنْ يَوْمِهِ». وهذا تعبير بالغ الشدّة. فإذا كان شخص قد خدم هذا العام في الأربعين، ولم تزد خدمته في العام المقبل فحسب، بل أصبحت أقلّ من مقدار خدمته في هذا العام، فهنا يستخدم الإمام عليه السلام تعبير «ملعون». وقد استُعمل تعبير اللعن في النصوص الدينية في موارد مختلفة وبمراتب متفاوتة، وأُطلق أحياناً على المكروهات والأمور التي توجب بُعد الإنسان عن الرحمة الإلهية. و«الملعون» يعني البعيد عن رحمة الله. فانظروا إلى مدى شدّة التعبير الوارد في الرواية. لنفترض أنّ شخصاً اصطحب هذا العام مئة شخص لزيارة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، ثم لم يتمكّن في العام المقبل، لأيّ سبب كان، من اصطحاب مئة شخص، وإنّما اصطحب تسعين شخصاً. فإنّ اصطحاب هؤلاء التسعين خدمة عظيمة؛ فقد بذل جهداً، وأنفق مالاً، واصطحب زائرين، ونسأل الله تعالى أن يجزيه خيراً، ولكن وفق المعيار التربوي الذي يقدّمه الإمام عليه السلام في الرواية المشار إليها، وبما أنّ أمسه وعامه الماضي كانا أفضل من يومه وعامه الحالي، فإنّ الإمام عليه السلام يطرح تعبيراً شديداً للغاية.
إن تلك الرواية جاءت لتدفعنا إلى ألاّ نتراجع إلى الوراء.
لا للبعد عن الرحمة الإلهية
فلنتخذ، إذن، القرار من اليوم. لا أن ــ والعياذ بالله ــ نشمل بذلك التعبير الشديد «ملعون»، ولا أن نبقى في مقام «المغبون». فإذا كنا قد قمنا هذا العام بأي عمل من أجل أربعين الإمام الحسين عليه السلام، فلنقم في العام المقبل بعمل أفضل وأكثر. فليزد كل واحد في العراق ما قام به من عمل، وليقدّم كل من خدم في كربلاء خدمته في العام المقبل بصورة أفضل وأوسع، وليزد كل من قام بعمل خارج العراق ما قدّمه في العام المقبل. وأينما كنا في العالم، فلنخطّط من الآن للعام المقبل، كلٌّ بقدر استطاعته؛ فمنّا من يساهم بالمال، ومنّا من يقدّم وقته، ومنّا من يبذل وجاهته، ومنّا من يوفّر الإمكانات، ومنّا من يوفّر وسائل النقل، ومنّا من يؤمّن السكن، ومنّا من يقدّم الطعام، ومنّا من يساهم في إيفاد الزائرين، ومنّا من يقدّم الخدمات الطبيّة، ومنّا من يجمع التبرّعات، ومنّا من يروّج ويدعو الناس، ومنّا من يدعو الله. فالمهم أن يكون يومنا أفضل من أمسنا. فإذا كان من المقرّر أن نبلغ أربعين الإمام الحسين عليه السلام في العام المقبل، فلنتّخذ من الآن القرار بأن تكون خدمتنا في أربعين العام المقبل أكثر وأفضل من خدمتنا هذا العام.
هذه هي رسالة تلك الرواية النورانية: «اَلْكَيِّسُ مَنْ كَانَ يَوْمُهُ خَيْراً مِنْ أَمْسِهِ، وَمَنْ سَاوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَلْعُونٌ مَنْ كَانَ أَمْسُهُ خَيْراً مِنْ يَوْمِهِ». فلنفكّر من اليوم؛ ولنبنِ أربعين العام المقبل في أذهاننا وقلوبنا من الآن، ولننظر ما الخدمة التي يمكننا أن نقدّمها ولم نقدّمها هذا العام، أو ما الخدمة التي يمكننا أن نؤدّيها بصورة أفضل وأوسع وبإخلاص أكبر.
من هنا، أدعو لجميع خدّام الإمام الحسين عليه السلام؛ لجميع الذين خدموا هذا العام، ولجميع الذين سيخدمون، إن شاء الله، في العام المقبل. وأسأل الله تعالى لهم جميعاً التوفيق والعافية والإخلاص، والبركة في المال والعمر، وقبول الأعمال. ونسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعاً لأن يكون يومنا، في كل عام، أفضل من أمسنا، لا في خدمة شعائر أهل البيت عليهم السلام فحسب، بل في الإيمان والمعرفة والإخلاص والعبودية أيضاً. وأسأل الله تعالى أن يجعل أربعين العام المقبل، لنا جميعاً، ولجميع زائري الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، ولجميع خدّام هذه الشعيرة المقدّسة، ولجميع محبّي أهل البيت عليهم السلام، أبهى وأوسع وأكثر بركة من هذا العام.
حامل خير الدنيا والآخرة
هنا أقرأ لكم، أيّها الأعزاء، روايتين عن نبيّ الله صلى الله عليه وآله؛ روايتين مهمّتين جدّاً وجديرتين بالتأمّل، بحيث إنّ الإنسان إذا تدبّر في مضمونهما، أمكن أن تغيّرا مسيرة حياته. ولكن قبل الدخول في الروايتين المذكورتين، من المناسب أن نتوقّف عند رواية صدرت في الأيام الأولى من بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله؛ وهي رواية مفصّلة، رُويت في مصادر أهل العامّة، كما وردت أيضاً في مصادر الشيعة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله في بداية بعثته، في الأيّام التي كانت فيها الدعوة الإلهية قد بدأت حديثاً:
«قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
هذه الجملة القصيرة، وإن كانت في ظاهرها لا تتجاوز بضع كلمات، إلاّ أنّ الإنسان إذا تأمّل فيها، وجد فيها عالماً من المعاني. فرسول الله صلى الله عليه وآله لا يقول: لقد جئتكم بأحكام خاصّة فحسب، ولا يقول: إنّما جئت من أجل آخرتكم وحدها، بل يقول: «لقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة».
إلى جميع البشر
قد يقول شخص للوهلة الأولى: إلى من يتوجّه هذا الخطاب في قوله «جِئْتُكُمْ»، أي «جئتكم»؟ هل هو موجّه فقط إلى أولئك الناس الذين كانوا حاضرين في مكّة في بداية البعثة؟ كلا.
ينبغي أن نلتفت إلى أنّ كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله لا تختصّ بأولئك الذين كانوا حاضرين في عصر البعثة. فما صدر عنه صلى الله عليه وآله بصيغة عامّة، إنّما هو موجّه إلى المجتمع البشري إلى يوم القيامة. فالإسلام ليس دين زمان واحد ولا جيل واحد. ورسول الله صلى الله عليه وآله ليس نبيّ قوم واحد ولا أرض واحدة. والقرآن ليس كتاب عصر واحد ولا جيل واحد. وعليه، فعندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»، فإنّ هذا الخطاب موجّه إلينا اليوم أيضاً.
أي إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد جاءني وإيّاكم بخير الدنيا والآخرة؛ للمرأة والرجل، وللعالم والجاهل، وللكاسب والموظّف، وللعامل والأستاذ، وللشيخ والشاب، وللفقير والغني، ولكل إنسان يسلك طريق الإسلام وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله. وينبغي أن ندرك هذه النقطة جيّداً: إنّ رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله لا تقتصر على زمن البعثة، بل إنّ رسالته حيّة وسارية إلى يوم القيامة.
خير الدنيا والآخرة في اتّباعه صلى الله عليه وآله
إذا كان الإنسان يتّبع رسول الله صلى الله عليه وآله حقّاً، وكان مسلماً ويريد أن يطبّق الإسلام في حياته، فعليه أن يعلم أنّ خير دنياه وآخرته إنّما يكمن في هذا الطريق. وماذا يعني ذلك؟ يعني أن يعرف أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله ويعمل بها، وأن يعرف أفعال رسول الله صلى الله عليه وآله ويقتدي به فيها، وأن يعرف ما سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأقرّه، مما يندرج في إطار حجيّة تقريره، وأن ينتفع به في المسار الصحيح للدين. فكل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله إنّما هو لهداية الإنسان. وكل ما فعله صلى الله عليه وآله فهو قدوة لنا. وكل ما أقرّه وأمضاه في مقام التشريع والهداية له موقعه في منظومة الهداية النبوية. وعليه، فإنّ من يقول: إنّني أبحث عن خير الدنيا والآخرة، ينبغي أن يسأل نفسه: هل أنا حقّاً أتّبع رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فإذا كنت تتّبع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقد بحثت عن خير الدنيا والآخرة. وإذا جعلت أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله معياراً في حياتك، فقد وجدت طريق الخير. وإذا عرفت سيرته صلى الله عليه وآله وعملت بها في حدود استطاعتك، فقد سلكت طريق خير الدنيا والآخرة. وهذه هي الحقيقة نفسها التي عبّر عنها صلى الله عليه وآله في بداية بعثته بجملة قصيرة: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
ينبغي أن نفهم هذا التعبير بقلوبنا وأرواحنا. فقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله ليبلغ بالإنسان السعادة؛ سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وجاء الإسلام ليضع حياة الإنسان في الطريق الصحيح؛ فيصلح علاقة الإنسان بالله، وعلاقته بالناس، وأخلاقه، وسلوكه، ودنياه ومعيشته، ومصيره الأبدي. فإذا كان الإنسان يريد خير الدنيا والآخرة حقّاً، فلا ينبغي له أن ينفصل عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله.
المؤمن ومراعاة حال أهل بيته
كما أريد أن أقرأ هنا روايتين عن رسول الله صلى الله عليه وآله، توضّحان لنا كيف يتجلّى خير الدنيا والآخرة في سلوك الإنسان المؤمن.
إحدى هاتين الروايتين رواية نُقلت في كتب روائية مختلفة؛ فقد أوردها العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، ونُقلت أيضاً في مصادر أخرى. كما وردت في الكافي الشريف، ونُقلت من طرق متعدّدة.
يقول نبيّ الله صلى الله عليه وآله:
«الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ».
قد يكون بعض الأعزّاء قد سمعوا هذه الرواية قليلاً، ولكنها واردة في مصادر متعدّدة.
يقول في العبارة الأولى: «الْمُؤْمِنُ». وهذه «أل» الداخلة على «المؤمن» قد تظهر في بعض الموارد في الحصر؛ أي إنّه صلى الله عليه وآله بصدد بيان مرتبة عالية من مراتب الإيمان. وبالطبع، لا يعني ذلك أنّ من لم يفعل هذا الأمر يخرج عن أصل الإيمان؛ فالرواية ليست في مقام بيان حكم فقهي واجب، وإنما تتحدث عن المستحبّات والفضائل الأخلاقية. لكنها تريد أن تقول إنّ المؤمن الكامل، والمؤمن الذي يكون في مرتبة أعلى من الإيمان، يتّصف بتلك الصفة. ولكن النقطة التي يلتفت إليها أهل الاختصاص في الأدب العربي هي أنّ كثيراً من المتعلَّقات والقيود قد حُذفت في تلك العبارة. فعندما يُحذف المتعلَّق، ولا توجد قرينة تدلّ على الاختصاص، يكون للكلام ظهور في العموم.
«يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ»؛ أي إنّ المؤمن يأكل وفق رغبة أهل بيته وشهيّتهم.
مَن هم أهل الإنسان؟
من هم «الأهل» هنا؟ أهل الإنسان هم الذين يعيشون تحت رعايته وفي كنفه؛ أي زوجته وأولاده، ومن هم تحت تكفّله. فإذا كان له أخ أو أخت أصغر منه يعيشان في بيته، أو كان بعض أقاربه تحت رعايته ويتكفّل بنفقاتهم، فيمكن أن يندرجوا أيضاً تحت عنوان أهله؛ وكذلك زوجة الابن، أو زوج الابنة، أو أيّ شخص تكون معيشته ونفقاته على عاتقه. فالرواية لا تختصّ بالزوجة والأولاد فقط؛ وإنّما المعيار هو الأهل، ومن يعيش الإنسان معهم أو يتولّى رعايتهم وتأمين معيشتهم. علماً بأنّه، هناك حالة استثنائية، وهي رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فإنّ أهل بيته الخاص هم الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وأمير المؤمنين عليه السلام، والأئمة الأحد عشر من ذريّتهما عليهم السلام، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة ومتواترة.
المؤمن ينسّق نفسه مع أهله
هنا لنرجع إلى الرواية. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ»؛ أي إنّ المؤمن يأكل على النحو الذي يرغب فيه أهله ويشتهونه. فمثلاً، تريد الزوجة والأولاد تناول الغداء؛ فمتى يتناولونه؟ وما الطعام الذي يحبّونه؟ وما الذي يرغبون فيه؟ فإذا كان أهل البيت يحبّون طعاماً معيّناً، فإنّ المؤمن ينسّق نفسه معهم. وهنا حُذفت جميع هذه المفاعيل والمتعلّقات؛ متى، وفي أي مكان، وأي طعام، وبأيّ كيفية. وحذف هذه القيود يوسّع دائرة المعنى. ولنفترض أنّ أهل البيت يريدون تناول الغداء في الساعة الثانية، بينما يرغب هذا الرجل في تناوله في الساعة الواحدة. فإذا راعى حال أسرته ونسّق نفسه معهم، وتناول الطعام معهم في الساعة الثانية، فهذا هو الروح التي تعبّر عنها الرواية في وصف «المؤمن».
أمّا إذا كان العكس؛ أي إنّ الزوجة والأولاد يريدون تناول الغداء في الساعة الثانية، لكنّه، لأنّه يرغب في تناول الطعام في الساعة الواحدة، يُلزم الجميع بأن يتناولوه في الساعة الواحدة وفق رغبته، فهذه هي النقطة المقابلة التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله: «وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ». فالمؤمن لا يجعل الحياة تدور حول رغباته وراحته هو، بل ينسّق نفسه، ما أمكنه ذلك، مع أهل بيته ومع رغباتهم المشروعة.
أحد عوامل استقرار الاُسرة
النقطة التي أذكرها يمكن أن تكون أحد العوامل التي تساعدنا على فهم بعض المشكلات الاجتماعية والأسرية. وأطلب من الأعزّاء من أهل الحوزة والجامعة، ومن جميع الباحثين وأهل التحقيق والتتبّع، أن يتابعوا هذا الموضوع؛ فإذا توصّلوا، من خلال المصادر التاريخية والروائية، إلى نتيجة أخرى، فليبحثوا فيها وليبيّنوها لنا أيضاً.
حكم رسول الله صلى الله عليه وآله نحو عشر سنوات في المدينة المنوّرة والمناطق الخاضعة للحكومة الإسلامية، ومنها الحجاز وما حوله، واليمن والمناطق المرتبطة بتلك الحكومة. والسؤال الآن هو: خلال هذه السنوات العشر تقريباً، انظروا كم حالة طلاق سُجّلت في المجتمع الخاضع لحكومة رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وهل كانت نسبة الطلاق في ذلك المجتمع قابلة للمقارنة بما نراه اليوم؟ ولماذا لم تكن كذلك؟
أحد العوامل هو هذا الذي يقوله رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ».
أي إنّ الرجل في الحياة الأسرية لا يجعل نفسه محوراً مطلقاً، بل يراعي أهل بيته في الأمور المباحة والمتعلّقة بالحياة. فلا يقول الرجل: «أنا رجل البيت؛ وما أقوله يجب أن يكون هو النافذ». فرسول الله صلى الله عليه وآله يعمل على تصحيح هذه الروحية، ويقول إنّ المؤمن هو من يراعي رغبة أهله في مثل هذه الأمور.
هذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، والرواية حجّة، وبناءً على قول مشهور الفقهاء، فإنّها تكون معتبرة في موضعها إذا توفّرت فيها شروط الحجيّة، كما أنّه لا توجد في أصل دلالتها مسألة معقّدة.
المشاكل موجودة
قد يقول شخص: كانت الظروف في ذلك الزمن مختلفة. كلا، ألم تكن لدى الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله مشكلات؟ ألم تكن هناك أمراض؟ ألم يكن هناك فقر؟ ألم تكن هناك خلافات ومشكلات اُسرية؟ ألم تكن لدى الناس مشكلات معيشية؟ كل هذه المشكلات كانت موجودة.
كان الفقر موجوداً في ذلك الزمن، وكانت الأمراض والمشكلات والمتاعب، وكانت المشكلات الاجتماعية والاقتصادية موجودة. بل كانت هناك أيضاً مشكلات السكن والمعيشة. ولكن عندما نقارن مجتمع ذلك اليوم بمجتمع اليوم، ينبغي أن ننظر إلى العوامل التي كانت تؤثّر في نمط حياة الناس.
على سبيل المثال، فيما يتعلّق بمسألة السكن، انظروا: هل يمكن أن نجد في مجتمع ذلك اليوم شخصاً عاش، كما هو الحال اليوم، طوال حياته في منزل مستأجر؛ منذ ولادته في منزل والديه المستأجر، وحتى نهاية عمره، ثم بعد ستين أو سبعين أو مئة سنة، توفّي وهو لا يزال في منزل مستأجر؟
إذن، ألم تكن هناك مشكلات في ذلك الزمن؟ بلى، كانت هناك مشكلات. كان هناك فقر ومرض ومشقّة ومتاعب؛ ولكن شكل كثير من هذه المسائل وحجمها كان مختلفاً عما هو عليه اليوم.
أصل أخلاقي مهمّ
من المسائل التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام هنا هذا الأصل نفسه: ينبغي للرجل أن يراعي أهل بيته، لا أن يتوقّع منهم دائماً أن يراعوه. علماً بأنّه، لا يعني ذلك إغفال الحقوق المتبادلة بين الزوج والزوجة.
يقول القرآن الكريم: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ»؛ أي إنّ للنساء من الحقوق بالمعروف مثل ما عليهنّ من الواجبات. وعليه، فإنّ الأحكام الشرعية الإلزامية محفوظة في موضعها تماماً، وعلى كل شخص أن يراعي الحقوق الواجبة للطرف الآخر. أمّا بحثنا هنا، فهو يتجاوز الإلزام الفقهي ويتعلّق بالفضائل الأخلاقية والمستحبّات. فالرواية المشار إليها لا تريد أن تقول إنّ الرجل ملزم شرعاً، في كل قرار، بأن يفعل كل ما تقوله زوجته؛ كلا. فهذا ليس حكماً فقهياً إلزامياً. وإنّما تقول: إذا أردت أن تبلغ مرتبة عالية من الإيمان، فلا تكن أنانياً في الأمور المباحة وفي الحياة اليومية، بل راعِ أهل بيتك. فإذا كان شخص لا يتحلّى بهذه الخصلة في بيته، فإنّه، وفق التعبير نفسه الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله، لم يبلغ مرتبة الإيمان الكامل؛ لأنّه صلى الله عليه وآله قال: «الْمُؤْمِنُ»، مع دخول «أل» عليه.
أي إنّ المؤمن الكامل، وصاحب المرتبة العالية من الإيمان، يتّصف بتلك الخصلة.
حتى في الأمور الصغيرة
إنّ المسألة لا تقتصر على تناول الطعام. وكما ذكرت، فقد حُذفت المتعلّقات في الرواية، ولها ظهور في العموم. ولنفترض أنّ الأسرة تريد السفر. فيقول ربّ الأسرة: «لنتناول الغداء هنا ثم ننطلق». فيقول أهل البيت: «لا، لننطلق ونتناول الغداء في الطريق أو عند الوصول إلى مقصدنا». فإذا كان الأمر مباحاً، ولم يكن هناك أيّ إلزام شرعي أو عقلي آخر، فلا إشكال إذا اتّبع أهل البيت رأيه. ولكن إذا كان بإمكان هذا الرجل أن يراعي أهل بيته، وأن يقول، مراعاةً لرغبتهم: «حسناً، لنتناول الغداء أثناء السفر»، فهذه هي الروح التي بيّنها رسول الله صلى الله عليه وآله للمؤمن. فالمعيار ليس أن يكون صاحب الرأي النافذ دائماً هو هذا الشخص أو ذاك. وإنّما المعيار هو مدى قدرة الإنسان على الابتعاد عن الأنانية ومراعاة أهل بيته. وهنا يقول صلى الله عليه وآله: إنّ المؤمن يراعي رغبة أهله، وأمّا المنافق فيُجبر أهله على أن يتصرّفوا وفق رغبته.
لنتعلّم منه صلى الله عليه وآله
يقول القرآن الكريم: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ». وهذا ليس خاصّاً بنا وحدنا؛ بل ينبغي لنا أن نقدّم هذه الرسالة إلى العالم. ولدينا كلمة جديدة نقدّمها إلى العالم. نقول للعالم: تعالوا وتعلّموا من نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، تعالوا وانظروا كيف كان يدير الأسرة، وكيف كان يتعامل مع الناس، وكيف كان يحول دون وقوع الخلافات، وكيف بنى مجتمعاً لم تكن فيه كثير من الآفات الاجتماعية التي نراها اليوم بهذا الاتّساع. فإذا تعلّمنا من نبيّ الله صلى الله عليه وآله، قلّ الطلاق، وقلّت النزاعات والمشاجرات، وتراجعت الخلافات الأسرية، وأصبح بالإمكان الحدّ من كثير من المشكلات التي، مع الأسف، تعاني منها المجتمعات الإسلامية اليوم.
لقد ذكرتُ أنّه خلال نحو عشر سنوات، وهي الفترة التي كانت فيها حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله قائمة في المدينة والمناطق المحيطة بها، وفي الحجاز واليمن والنواحي المرتبطة بها، إذا بحثنا في المصادر التاريخية والتقارير المتعلّقة بتلك الفترة، وجدنا أنّ حالات الطلاق كانت قليلة جدّاً. ولا أقول إنّ أي حالة طلاق لم تقع في تلك الفترة على الإطلاق، وإنّما أقول إنّنا إذا قارنا هذه الأرقام بالوضع الحالي، وجدنا فرقاً كبيراً جدّاً. وربما لو بحث الإنسان في جميع الحالات، فلن يبلغ عددها عشر حالات، وربما لا يجد حتى خمس حالات أو أربعاً. وهذا ما ينبغي لأهل التحقيق أن يبحثوا فيه، وأن يستخرجوا الإحصاءات التاريخية الدقيقة بشأنه.
ربّ سائل يسأل: لماذا كان ذلك المجتمع، على الرغم من كل ما كان يعانيه من مشكلات، يعيش مثل هذا الوضع، بينما وصل الأمر اليوم إلى ما وصل إليه؟ إنّك ربما لا تجد اليوم اُسرة على وجه الأرض إلاّ وقد ابتُلي أحد أقاربها وأفرادها المقرّبين، بصورة من الصور، بمشكلة الطلاق. فبأيّ مشقّة تتشكّل الزيجات! تبذل الاُسر جهودها، وتقام المراسم، ويبدأ شابّان حياتهما معاً، وهما يحملان الآمال والطموحات، ثم لا تمضي مدّة حتى ينتهي الأمر إلى الخلاف والانفصال. وقد نقلتُ هنا ذات مرّة أمراً قرأته في صحيفة إحدى الدول الإسلامية، ولا أريد أن أذكر اسم البلد. فقد كان في ذلك البلد قاعة تُقام فيها مراسم عقد القران والزواج. وفي عام واحد، أُجري في تلك القاعة أكثر من مئة عقد وزواج. وبعد مرور عام، قرّر المسؤولون عن القاعة إقامة مراسم للزوجين اللذين عُقد قرانهما أو تزوّجا فيها خلال ذلك العام. فوجهوا إليهم الدعوات، وأجروا إحصاءً، فتبيّن أنّه لم يمضِ عام كامل بعد، وإذا بنحو ستين في المئة من تلك الزيجات قد انتهت بالطلاق!
إنّ هذه الإحصائية تؤثّر في الإنسان حقّاً.
لماذا ابتعدنا عن سيرته صلى الله عليه وآله؟
هل هذا هو إسلام رسول الله صلى الله عليه وآله؟
إنّ المجتمع الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحكمه، على الرغم من كل ما كان فيه من مشكلات، ومن فقر ومشقّة ومحدودية في الإمكانات، لم يكن يعيش مثل هذا الوضع، بينما وصل الأمر اليوم في بعض المجتمعات إلى أنّ نسبة كبيرة جدّاً من الزيجات تنتهي بالانفصال في السنوات الأولى.
لقد ذكرتُ أنّني لا أعرف حتى حالة طلاق واحدة في السنة في المجتمع الذي كان خاضعاً لحكومة رسول الله صلى الله عليه وآله. ولكن أحد أسباب هذا الاختلاف هو بالضبط ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ». وهذه المسألة لا تتعلّق بالغداء والعشاء فقط؛ بل هي منهج في الحياة.
حذف القيود واتّساع دلالة الرواية
انتبهوا إلى أنّ متعلّقات مختلفة قد حُذفت في الرواية المذكورة. فقد ورد «يَأْكُلُ»، ولكنّ كثيراً من متعلّقاته لم تُذكر؛ فالمفعول، والمفعول فيه، والمفعول له، والمفعول منه، وسائر القيود والمتعلّقات، لم تُذكر في العبارة بصورة محدّدة. وعندما يُحذف المتعلَّق، ولا توجد قرينة خاصّة تقيّد المعنى، يكون للعبارة ظهور في العموم؛ أي إنّ الرواية لا تقول فقط إنّ المؤمن يأكل في وجبة واحدة، ولمرّة واحدة، وفي ظرف خاصّ، وفق رغبة أهله، وإنّما تعلّمنا أصلاً عاماً:
إنّ المؤمن يراعي أهل بيته في حياته؛ في وقت تناول الطعام، وفي اختيار الطعام، وفي السفر، وفي التخطيط، وفي شؤون الأسرة، وفي القرارات المباحة، وفي كثير من تفاصيل الحياة، فلا ينبغي للإنسان المؤمن أن يجعل نفسه دائماً محوراً لكل شيء. فإذا كانت لزوجته رغبة مشروعة، أو كان لابنه اعتبار معقول، أو كان لأهل البيت تفضيل لا يتعارض مع الشرع والعقل، فإنّ المؤمن يتّصف بالسماحة والمراعاة. وهذه الروحية المؤمنة، إذا سادت في الأسر، حالت دون نشوء كثير من الخلافات من الأساس. فالمشكلة تبدأ عندما يقول كل شخص: لا بد أن يكون الأمر كما أريد أنا؛ أريد أن أتناول الطعام بهذه الطريقة، وأريد أن ننطلق في هذه الساعة، وأريد أن نذهب إلى هذا المكان، وأريد أن نقوم بهذا العمل، وأريد من الجميع أن يعيشوا وفق رغبتي، وهكذا... ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله إنّ المؤمن ليس كذلك؛ أي إنّه في الأمور المباحة، يراعي، بقدر استطاعته، رغبة أهل بيته، وهذه الروحية القائمة على المراعاة والمحبّة والتسامح هي التي يمكن أن تحمي الاُسرة من كثير من الخلافات والنزاعات. وهذا أحد الدروس التي ينبغي أن نتعلّمها من رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لا لأنفسنا فحسب، بل لنقدّم إلى العالم نموذجاً سليماً. فلنأخذ ما جاء به نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، ولنطبّقه في حياتنا، ولنُرِ العالم أنّ طريق إصلاح الأسرة والمجتمع هو العودة إلى أخلاق نبيّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسيرته.
لنبدأ من اليوم
إذا كان شخصٌ ما لم يتعامل بتلك الطريقة إلى اليوم، فليحاول أن يبدأ من اليوم. وليس من الصحيح أن يقول الإنسان: أنا لم أكن هكذا حتى الآن، ولذلك لم يعد بإمكاني أن أتغيّر. كلا؛ فالإنسان يستطيع أن يُصلح أسلوب حياته ابتداءً من هذه اللحظة. فمثلاً، إذا كان أهل البيت يحبّون نوعاً من الطعام المطبوخ لا يحبّه ربّ الأسرة، وكان هو يفضّل نوعاً آخر من الطعام، فإذا كان مؤمناً، ففي أمر مباح لا يوجد فيه إلزام شرعي، فليتناول الطعام الذي يحبّه أهله، وإن لم يكن يحبّه هو كثيراً. وماذا يعني ذلك؟ يعني أنّ الإنسان يتنازل أحياناً عن رغبته من أجل أهل بيته. وهذا التنازل ليس أمراً صغيراً؛ فهذه الأمور التي تبدو صغيرة هي التي تبني شخصية الإنسان، وتجذّر المحبّة في الأسرة. وقد ورد في شأن رسول الله صلى الله عليه وآله تعبير عجيب جدّاً في الرواية: «مَا عَابَ طَعَاماً قَطُّ». و«قَطُّ» تعني: أبداً، وبأيّ حال من الأحوال. وفي هذه الكلمة الواحدة عالمٌ من المعاني. فنبيّ الله صلى الله عليه وآله، على الرغم من كل المشكلات التي كان يواجهها؛ من المشكلات الداخلية، والمشكلات الأسرية، والمشكلات مع المنافقين، والمشكلات مع المشركين، والحروب، والضغوط، والمتاعب الاجتماعية والاقتصادية، لم يَعِبْ طعاماً واحداً طوال حياته الشريفة؛ فلم يكن يقول: هذا الطعام مالح، أو يقول: إنّه قليل الملح، أو يقول: لماذا هو حارٌّ إلى هذا الحدّ؟ أو لماذا طبختموه بهذه الطريقة؟ أو يقول: أنا لا أحبّ هذا الطعام. وهذا درس كبير جدّاً لنا.
إذا أردنا اتّباعه صلى الله عليه وآله
فكيف نريد أن نكون من أتباع رسول الله صلى الله عليه وآله؟
إذا كان شخصٌ ما لم يكن يتعامل بهذه الطريقة إلى اليوم، فليبدأ من اليوم. وليس من الضروري أن تتغيّر أخلاق الإنسان كلّها دفعةً واحدة، ولكن عليه أن يسعى. فإذا كان لا يحبّ طعاماً يحبّه أهل بيته، فليتحمّل، وإذا كان الطعام لا يوافق ذوقه، فلا يَعِبْه، وإذا اختلفت رغبة أهل بيته عن رغبته في أمر مباح، فلا يُصرّ دائماً على أن يُعمل برأيه. فهذه هي التمارين الأخلاقية الصغيرة التي تقرّب الإنسان من مرتبة أعلى من الإيمان. وإذا كنّا قد اعتدنا إلى اليوم أن يكون أهل البيت دائماً تابعين لكبير الأسرة، فلنُصلح هذا الأسلوب قليلاً ابتداءً من اليوم. فليس من المفترض أن تكون الزوجة والأولاد وأهل البيت دائماً تابعين لرغبة كبير الأسرة، بل في الأمور المباحة، ينبغي أحياناً لكبير الأسرة نفسه أن ينسّق نفسه مع أهل بيته. ولا ننسَ رواية رسول الله صلى الله عليه وآله: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ، وَالْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ». وإلى جانب ذلك، فلننظر أيضاً إلى هذه السيرة النورانية: «مَا عَابَ طَعَامًا قَطُّ». فإذا كنّا لا نستطيع أن نبلغ هذه المرتبة الرفيعة دفعةً واحدة، فلنبدأ، على الأقل، بالتدريب من اليوم؛ لنتحمّل، ولا نَعِبْ، ولنراعِ أهل بيتنا، ولنبتعد عن الأنانية. وبهذه الطريقة يزداد هدوء الأسرة، وتزداد المحبّة، ويقترب الإنسان أكثر من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله، ونرجو أن نكون مشمولين بذلك العنوان الرفيع الذي قاله صلى الله عليه وآله: «الْمُؤْمِنُ...». فلنبدأ، إذن، من اليوم، وليتقدّم كل واحد منّا، بقدر استطاعته، خطوةً نحو أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله.
الخير في ثقافته صلى الله عليه وآله
ماذا يعني قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «جئتكم بخير الدنيا والآخرة»؟ أحد مصاديق ذلك هو ما ذكرناه. تصوّروا أسرةً يراعي فيها ربّ الأسرة رغبات أهله في الأمور المباحة والمشروعة، ويتّبع رغبتهم إلى الحدّ الذي يسمح به الشرع. ففي مثل هذه الأسرة، يكون الأب أكثر راحة وطمأنينة، ويشعر أهل البيت أيضاً بمزيد من المحبة والأمان.
قد يكون ذلك صعباً على ربّ الأسرة أحياناً؛ فقد يكون الطعام الذي يحبّه أهل البيت غير محبوب له، أو قد يفضّل وقتاً آخر لإنجاز أمرٍ ما غير الوقت الذي يرغبون فيه، ولكن هذا المقدار من التحمّل والتنازل يسير جدّاً إذا قورن بالنتيجة التي تترتب عليه. وما أفضل أن يشدّد الإنسان قليلاً على نفسه، ولكن يعيش أهل بيته إلى جانبه في سلام وطمأنينة ومحبّة!
أليس ذلك خيراً من أن تطلّق ــ والعياذ بالله ــ الزوجة من زوجها، أو تنفصل الزوجة عن زوجها، أو يتعرّض الأبناء لمشكلة الطلاق، ثم تمتدّ الخلافات والانفصالات إلى الأجيال اللاحقة؟ ففي الأسرة التي تسود فيها هكذا روحية قائمة على المراعاة والتسامح، تزول أسباب كثير من تلك الخلافات؛ وهذا هو خير الدنيا والآخرة.
إنّ خير الدنيا والآخرة هو أن تكون الأسرة هادئة، وتسود فيها المحبّة، وتقلّ الخلافات، ولا تتجذّر فيها حالات الطلاق والانفصال، وأن يعيش الإنسان إلى جانب أهله في راحة وطمأنينة؛ لا أن تكون الأسرة غارقة في الخلافات والانفصال، ثم نقول: أين خير الدنيا والآخرة في مثل هذه الحياة؟
إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وآله أُسوة؛ أي إنّه مقتدانا وقدوتنا، وكلامه وفعله وتقريره مما نقتدي به. فالواجبات التي أدّاها، والمستحبّات التي قام بها، والمحرّمات التي تركها، والمكروهات التي اجتنبها، كل ذلك درس لنا ونموذج نقتدي به.
استشهاد لا وفاة
يوجد أمر آخر كنت أريد أن أعرضه هنا، فرأيت أنّ من المناسب أن أطرحه الآن، وهو يتعلّق بمولانا رسول الله صلى الله عليه وآله.
يقول القرآن الكريم: «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ»؛ أي: أفإن مات أو قُتل؟
وردت في الآية الشريفة كلمة «أو». وقد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أنّ معنى «أو» هو المعنى نفسه لكلمة «يا»؛ أي: أفإن توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله أو قُتل؟ ولكن «أو» في اللغة العربية لها معانٍ متعدّدة، وليست منحصرة في معنى «يا».
وقد ذكر ابن مالك في كتاب «المغني» وغيره من الكتب الأدبية والنحوية معاني متعدّدة لـ«أو»، كما ذُكرت لها معانٍ أخرى في كتب مختلفة. ومن معاني «أو» المعروفة معنى التخيير، أي «يا». فمثلاً نقول: أتريد هذا الطعام أم ذاك؟ أتقصد هذا الشخص أم ذاك الشخص؟ فهنا تأتي «أو» بمعنى «يا». ولكن لـ«أو» معنى آخر أيضاً، وهو الإضراب؛ أي: «لا، بل». وهنا لا يكون معنى «يا» هو المقصود، وإنّما يعدل المتكلّم عن الكلام الأول إلى بيان الكلام الثاني. وقد استعمل القرآن الكريم «أو» في بعض الموارد بهذا المعنى أيضاً.
«أو» في آيات القرآن
يقول الله تعالى في شأن نبيّ الله يونس، على نبيّنا وآله وعليه السلام: «وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ»؛ أي: وأرسلناه إلى مئة ألف، بل أكثر. وقد يكون الفهم الأولي للآية أنّ نبيّ الله يونس، على نبيّنا وآله وعليه السلام، أُرسل إلى مئة ألف شخص أو أكثر، ولكن ذُكر في كتب التفسير والمباحث الأدبية أنّ «أو» هنا يمكن أن تكون بمعنى الإضراب، أي: «إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ بَلْ يَزِيدُونَ».
أي إنّ الله تعالى أرسل نبيّ الله يونس، على نبيّنا وآله وعليه السلام، إلى مئة ألف، لا، بل إلى أكثر من مئة ألف. ومن هنا يتّضح أنّ «أو» لا تأتي دائماً بمعنى «يا».
مثال آخر في القرآن الكريم يتعلق بسرعة تحقّق أمر القيامة، حيث يقول الله تعالى: «وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ». و«لَمْحُ الْبَصَرِ» يعني بمقدار طرفة عين؛ أي مدّة زمنية قصيرة جدّاً، حتى أقل من ثانية واحدة. ولكن الله تعالى يقول: «كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ»؛ أي إنّ تحقّق أمر القيامة كطرفة عين، بل هو أقرب من ذلك وأسرع. وهنا أيضاً حملوا «أو» على معنى الإضراب، أي «بل». وعليه، فإنّ «أو» في اللغة العربية لها معانٍ متعدّدة، ولا يمكن حملها في جميع الموارد على معنى «يا». وقد ورد هذا الاستعمال في القرآن الكريم، وفي نهج البلاغة، وفي الصحيفة السجّادية أيضاً، وذُكرت له شواهد متعدّدة في المباحث الأدبية والنحوية.
أفإن مات أو قُتل
بالعودة إلى تلك المقدمة، لنرجع إلى تلك الآية الشريفة من القرآن الكريم: «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ». فإذا حملنا «أو» على معنى «يا» فقط، فسيكون معنى الآية: إذا توفّي نبيّ الله صلى الله عليه وآله أو قُتل، أتنقلبون على أعقابكم؟ ولكن بالنظر إلى المعنى الآخر لـ«أو»، ومع ملاحظة الروايات الكثيرة التي نُقلت من طرق الشيعة وأهل العامّة بشأن استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، يمكن أيضاً أن نأخذ في الاعتبار احتمال حملها على معنى الإضراب: «أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ»؛ أي إذا توفّي رسول الله صلى الله عليه وآله موتاً طبيعياً، لا، بل قُتل. وهذا المعنى يمكن الجمع بينه وبين تلك الروايات التي وردت بشأن استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد وردت في الروايات مسألة استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يرد هذا المعنى في رواية منفردة ومجهولة فحسب، بل نُقلت روايات متعدّدة في هذا الشأن من طرق مختلفة، كما توجد تقارير وروايات بشأن استشهاد النبي صلى الله عليه وآله في المصادر الشيعية، بل وفي بعض مصادر أهل العامّة أيضاً. وعليه، فلا نقُل عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنّه «توفّي» فحسب، ولا نقُل «رحل عن الدنيا»، بل بالنظر إلى تلك الروايات، فإنّ التعبير الصحيح عن نهاية حياة رسول الله صلى الله عليه وآله هو أن نقول: إن نبيّ الله صلى الله عليه وآله استُشهد. وهذا التعبير ينسجم، من جهة، مع الروايات الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام بشأن استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن جهة أخرى، مع ما ورد في القرآن الكريم في هذا الشأن.
المسجد في السيرة النبويّة
عندما قدم سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنوّرة، بنى المسجد. ولكن هذا المسجد لم يكن مجرّد مكان لإقامة الصلاة؛ فقد كانت ثقافة رسول الله صلى الله عليه وآله تُطبَّق في هذا المسجد نفسه، وكانت الصلاة تُقام فيه، والاعتكاف يُؤدّى فيه، وعقود الزواج والأنكحة تُجرى فيه، وكانت إدارة الحكومة وشؤون المجتمع تتمّ فيه، والخطب وبيان المعارف تُلقى فيه، وكذلك القضاء والنظر في شؤون الناس كانا يتمّان فيه. أي إنّ المسجد كان مركزاً لحياة المجتمع الإسلامي، لا أن يكون بابه مفتوحاً ثم يبقى خالياً معظم ساعات الليل والنهار.
ألا ينبغي لنا أن نتعلّم هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله؟
أيّها السادة، أيّها الأعزاء، يا من تسمعون صوتي اليوم أو ستسمعونه في المستقبل في أيّ مكان من العالم، تعالوا نتعلّم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله. فلا تجعلوا حسينياتكم مخصّصة فقط لبضع ساعات لإقامة المراسم المختلفة. فإذا كانت لديكم الإمكانية، فحوّلوا الحسينية إلى مدرسة، واجعلوها مكاناً للتعليم والتربية، أو داراً للأيتام، أو مركزاً لجمع المساعدات للفقراء، أو مركزاً لخدمة المحتاجين، واستفيدوا من إمكاناتها في خدمة الناس. فالمسجد، والحسينية، والمؤسسة الخيرية، لا ينبغي أن تبقى خالية أربعاً وعشرين ساعة، ولا تُستخدم إلاّ أحياناً لإقامة مراسم معيّنة. وبقدر ما تستطيعون، وبقدر ما تملكون من قدرة وإمكان، وبقدر ما يتيسّر لكم، املؤوا هذه المراكز بثقافة رسول الله صلى الله عليه وآله.
مركز جميع الخيرات
كان مسجد الكوفة مقرّ حكومة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يدير شؤون الحكم من المسجد نفسه، وفيه كان يتولّى النظر في أمور الناس وقضاء حوائجهم. وكان القضاء أيضاً يحتلّ مكانة خاصّة في سيرة ذلك العظيم. وللأعزاء من أهل التحقيق أن يراجعوا كتاب «جواهر الكلام» وغيره من الكتب الفقهية. فقد وردت في مسألة القضاء في المسجد روايات متعارضة، ولكن بناءً على القول المشهور وما جرى عليه فتاوى الفقهاء، فإنّ القضاء في المسجد يُعدّ من المستحبّات.
بلى، إنّ إقامة الحدود في المسجد مسألة أخرى، وقد ورد فيها حكم مختلف، وقيل بكراهتها، ولكن أصل القضاء في المسجد، بالنظر إلى الروايات والجمع بينها، قد نوقش في كلمات الفقهاء، والقول المشهور هو استحبابه. فالمسجد، في ثقافة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، لم يكن مجرّد بناء للصلاة فحسب، بل كان مركزاً لحياة الناس. وهذا هو الأمر الذي ينبغي أن نتعلّمه من رسول الله صلى الله عليه وآله.
لنملأ الحسينيات والمساجد بها
إذن، فأينما كنتم في العالم، فالحسينيات التي بنيتموها، والمساجد التي لديكم، والمؤسسات الخيرية التي أنشأتموها، لماذا ينبغي أن يبقى جزء كبير من ساعات الليل والنهار خالياً؟
استفيدوا من هذه الإمكانات بقدر ما تستطيعون. فعلّموا مسائل رسول الله صلى الله عليه وآله، وبيّنوا أحكامه صلى الله عليه وآله، وعلّموا العقائد التي علّمها رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام. وأحيوا أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله، وانشروا ثقافة أهل البيت عليهم السلام، واعتنوا بالفقراء، وساعدوا الأيتام، وعلّموا الشباب، وضعوا برامج للاُسر. وبقدر ما تستطيعون، فعّلوا هذه المراكز.
لقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله بخير الدنيا والآخرة لنا، ولذلك ينبغي أن نطبّق هذا الخير في حياتنا، وفي أسرنا، وفي مجتمعنا. فالمسجد والحسينية والمؤسسة التي بُنيت باسم الدين وأهل البيت عليهم السلام، لا ينبغي أن تكون مجرّد بناء، بل ينبغي أن تسري فيها، بقدر الإمكان، ثقافة رسول الله صلى الله عليه وآله ومعارف أهل البيت عليهم السلام. وهذا هو الأمر الذي إذا تحقّق، تغيّر المجتمع تدريجياً؛ فتزداد الاُسر تماسكاً، ويتربّى الشباب، وتقلّ المشكلات الاجتماعية، ويظهر خير الدنيا والآخرة الذي وعد به رسول الله صلى الله عليه وآله في حياة الناس بصورة أوسع وأوضح.
وصيّة للحياة كلّها
كذلك أريد أن أذكر اليوم رواية أخرى؛ وهي رواية، في رأيي، ممّا يبتلي به كثيراً من الناس، ولها حضور في الحياة اليومية لكثير منهم. ولم أرَ، فيما اطّلعت عليه من روايات رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام، نظيراً لهذه الرواية بهذه الكيفية.
جاء شخص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله، أوصني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «لَا تَغْضَبْ».
فذهب ذلك الشخص ثم عاد مرّة أخرى؛ وأمّا هل كان ذلك في اليوم نفسه أم في اليوم التالي، فقد وردت الروايات بصور مختلفة. وقال: يا رسول الله، أوصني بوصيّة أخرى غير تلك. فلم يوصه رسول الله صلى الله عليه وآله بوصيّة أخرى، وإنما كرّر له الوصية نفسها: «لَا تَغْضَبْ».
ثم جاءه للمرّة الثالثة وقال: يا رسول الله، قل لي أمراً آخر غير ذلك. فكرّر رسول الله صلى الله عليه وآله الجملة نفسها مرّة أخرى: «لَا تَغْضَبْ؛ لا تغضب».
أي إنّه طلب الوصية من رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرّات، وفي المرّات الثلاث كلّها كرّر له رسول الله صلى الله عليه وآله الوصية نفسها. وهذا أمر ذو دلالة كبيرة. فلم أرَ، فيما اطّلعت عليه من الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام، نظيراً لهذه الرواية بهذه الكيفية؛ بأن يطلب شخص من المعصوم عليه السلام وصيّة، فيقول له المعصوم أمراً واحداً، ثم يطلب منه مرّة أخرى أمراً آخر، فيكرّر له المعصوم الأمر نفسه، ثم يستمرّ هذا التكرار للمرّة الثالثة أيضاً. وهذا يدلّ على مدى أهمية مسألة الغضب والسيطرة على الغضب في حياة الإنسان.
ضبط الغضب
بطبيعة الحال، فإنّ الغضب في حدّ ذاته من الأمور الطبيعية لدى الإنسان. فالغضب يعتري الإنسان، كما تعتريه مشاعر الفرح والحزن والخوف وسائر الحالات النفسية. ولكن الغضب له درجات؛ فقد يغضب الإنسان ويتمكّن من ضبط نفسه، بينما قد ينفعل شخص آخر لأدنى مسألة، فيُفرغ غضبه على زوجته وأولاده، أو جاره، أو صديقه، أو زميله في العمل، أو أي شخص آخر. فالمسألة هنا ليست في أصل حدوث حالة الغضب، وإنّما في أن يقرّر الإنسان ألاّ يكون أسيراً لغضبه. فإذا قرّر الإنسان، ابتداءً من اليوم، ألاّ يستسلم للغضب، فإنّه سيصبح، تدريجياً، أقلّ غضباً. وقد لا يتمكّن في البداية من النجاح بصورة كاملة، ولكن مجرّد اتّخاذ هذا القرار له أثره. فعندما يُلزم الإنسان نفسه بألاّ يفقد أعصابه عند كل مسألة، ينخفض مقدار غضبه شيئاً فشيئاً.
أما إذا لم يتّخذ مثل هذا القرار أصلاً، فقد تمرّ سنوات، ثم ينظر الإنسان إلى نفسه في نهاية عمره، فيرى أنّه خلال ستين سنة أو سبعين سنة أو أكثر، قد غضب آلاف المرّات؛ مرّةً مع زوجته، ومرّةً مع ابنه، ومرّةً مع جاره، ومرّةً في السفر، ومرّةً في الحضر، ومرّةً بسبب الطعام، ومرّةً بسبب المال، ومرّةً بسبب مسألة صغيرة، وأحياناً بسبب أمر لم يكن يستحقّ الغضب أصلاً، ثم يأتي يوم القيامة، فيجد الإنسان نفسه أمام هذا السجلّ.
لنقرّر من اليوم
لذا، لنتخذ القرار من اليوم. وليس المقصود أن ندّعي أنّنا لن نغضب بعد الآن أبداً، وإنّما أن نقرّر ضبط غضبنا، وأن نحاول، بقدر الإمكان، ألاّ نغضب؛ مع القريب وغير القريب، ومع الزوجة والأولاد، ومع الجار، والصديق، والمعارف، وفي السفر والحضر، وعند تناول الطعام، وبسبب المال، وبسبب صغائر الأمور وكبائرها في الحياة. فحيثما أمكننا أن نضبط أنفسنا، فلنضبطها.
علماً بأنّه، اُقرّ بأنّ الغضب قد يكون واجباً في بعض الموارد؛ فإذا طرأ عليه عنوان ثانوي شرعي، تغيّر حكم المسألة. وقد يكون الغضب مستحباًّ في بعض الموارد أيضاً. وهذه الأمور محفوظة في موضعها، ولا ينكرها أحد. وإنّما حديثنا عن الغضب في غير موضعه، وعن غضب الإنسان بسبب كل مسألة صغيرة أو كبيرة، ثم يتذرّع بعد ذلك بقوله: «كنت غاضباً»، فيقول ما يشاء ويفعل ما يشاء.
لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرّات: «لَا تَغْضَبْ». فلنتّخذ القرار، إذن، بأن نغضب أقلّ ابتداءً من اليوم. فإذا لم نستطع أن نزيل الغضب من حياتنا دفعةً واحدة، فعلى الأقل لنقلّل من عدد مرّات الغضب. فإذا كنا نغضب اليوم عشر مرّات، فلنسعَ إلى أن تصبح غداً تسع مرّات. فإذا أصبحت تسعاً، فلنجعلها بعد ذلك ثماني مرّات. وإذا أصبحت ثماني مرّات، فلنجعلها سبعاً، وهكذا نستمر، حتى يبلغ الإنسان مرحلةً يبقى فيها هادئاً أمام كثير من الأمور التي كانت في السابق تثير غضبه. وهذا هو الأمر الذي ينبغي أن نتعلّمه من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله؛ حتى لا نرى، يوم القيامة، عندما تُسلَّم إلينا صحائف أعمالنا، مئات وآلاف الحالات من الغضب والانفعال في غير مواضعه قد سُجّلت فيها، ثم نجد أنفسنا مطالبين بالإجابة عن كل واحدة منها.
فلنقلّل منها في هذه الدنيا. ولنبدأ بالتدريب من اليوم. وما أجمل أن يجعل الإنسان هذه الكلمات الثلاث حاضرة دائماً في ذهنه: «لَا تَغْضَبْ».
آثار ترك الغضب بالدارين
كذلك أودّ أن أذكر النقطة التالية، وهي أنّ هذا المعنى له جذوره في رواية عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام. فقد استعمل عليه السلام في كلامه تعبير «عَزْمَة» بمعنى العزم والقرار. والتاء في هذه الكلمة للتأكيد، وتفيد العزم القاطع الراسخ. فإذا عزم الإنسان على التغيير، استطاع أن يتغيّر. وللعزم أثر؛ أثر في الدنيا وأثر في الآخرة أيضاً. فعندما يتّخذ الإنسان قراراً، فإنّه ينجح تدريجياً، وإن كان ذلك شيئاً فشيئاً، وإن كان مع شيء من الضعف والنقص. المهم أن يتّخذ القرار. وأحياناً تغيّر لحظة واحدة من الغضب حياة الإنسان إلى الأبد. وأتذكّر شخصاً كان له صهر شاب. واختلف هذا الشاب مع أخيه بسبب مسألة، وكانت المسألة تتعلّق بمقدار من المال وبميراث أبيهما. واحتدّ النقاش، فغضب الأخ، وبدأ بالصراخ ورفع صوته، ثم سقط فجأة وفارق الحياة.
ثم رأيت والد زوجة ذلك الشاب وسألته عمّا حدث، فقال: لا شيء، لقد اختلفا بشأن المسألة الفلانية، وفي أثناء ذلك غضب صهري، وبدأ بالصراخ ورفع صوته، وفجأة سقط أخوه. فأحضروا الطبيب، فقالوا: لقد فارق الحياة.
لذا، على الإنسان هنا أن يسأل نفسه: هل كان الأمر يستحقّ ذلك؟ بسبب مقدار من المال، غضب الإنسان، فمات أخوه. فهل نفعه ذلك المال؟ وهل أصبح ذلك المال عذباً له عندما مات أخوه؟ كلا؛ فلم يحلّ ذلك المال المشكلة فحسب، بل فقد إنسان حياته، وأصبحت اُسرة أخرى مفجوعة إلى الأبد. وهذا مجرّد نموذج واضح ومفاجئ من آثار الغضب. وليس من الضروري دائماً أن يُسقط الغضب الإنسان في اللحظة نفسها. فقد يؤدّي الغضب أحياناً إلى ارتفاع ضغط الدم، ويُنهك جسم الإنسان، ويضطرب حاله النفسي، ويضرّ بصحّته. ومن جهة أخرى، عندما يقع الإنسان في حالة من الغضب والاضطراب، فإنّه قد يعجز عن أداء كثير من تكاليفه أيضاً؛ فيغفل عن واجباته، ويقصّر في أداء مستحبّاته، وربما حمله غضب واحد على ارتكاب محرّم، أو على عدم اجتناب المكروهات.
قرار جادّ للتغيير
هنا تتضح أهمية ما ورد في الرواية. فـ«العزم» يعني القرار؛ القرار الجادّ الراسخ. وفي اللغة العربية، يحمل هذا التعبير معنى التأكيد، أي إنّ القرار العادي والضعيف لا يكفي، بل ينبغي للإنسان أن يتّخذ قراراً جادّاً وحازماً. فلنتّخذ القرار من الآن. فإذا لم نكن قد اتخذنا مثل هذا القرار إلى اليوم، فلنتّخذه ابتداءً من اليوم.
لقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك الشخص ثلاث مرّات: «لَا تَغْضَبْ». وهذا التكرار يحمل لنا رسالة. وكما كرّرتُ مراراً، فإنّ ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وآله لا يختصّ بذلك الشخص الذي سأله في حضرته. فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله أمراً لشخص واحد أو لجماعة، فإنّ أصل الهداية والدرس فيه يبقى لجميع المسلمين وللبشر إلى يوم القيامة، ما لم يقم دليل خاصّ على اختصاصه. وعليه، فإنّ هذا الكلام موجّه إليّ اليوم، وموجّه إليكم، وموجّه إلى كل من يسمعه اليوم أو سيسمعه في المستقبل.
إذن، فلنتّخذ القرار بألاّ نغضب، حتى نقلّل من غضبنا. فقد لا يستطيع الإنسان أن يبلغ، دفعةً واحدة، مرحلةً لا يغضب فيها أبداً، ولكن إذا كان لديه العزم، فإنّ مقدار غضبه سيقلّ تدريجياً، وسيزداد تحكّمه بنفسه، وسيرى آثار ذلك في حياته الدنيا وفي مصيره في الآخرة أيضاً.
أسأل الله عزّ وجلّ أن يوفّقني، فإذا كنت قد عملتُ بما ذكرته، أن يوفّقني إلى المزيد من العمل به، وإذا كنت قد قصّرت في موضع منه، أن يوفّقني ابتداءً من اليوم للعمل به. وأسأل الله تعالى أن يوفّقكم أنتم أيضاً أيّها الأعزاء، وأن يوفّق كل من يسمع صوتي اليوم أو سيسمعه في المستقبل، لأن نعمل بكلام القرآن الكريم وبكلمات رسول الله صلى الله عليه وآله بصورة أكثر وأفضل.
وفّقنا الله عزّ وجلّ جميعاً لأن نحوّل ما نعلمه إلى عمل؛ وأن نصلح أخلاقنا، ونراعي أهل بيتنا، ونضبط غضبنا وانفعالنا، وأن نخطو يوماً بعد يوم خطواتٍ أكثر في طريق اتّباع رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل البيت الأطهار عليهم السلام.
وَصَلَّى اللهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.